أفريقيا برس – موريتانيا. في ظل سياق إقليمي يتسم بتشابك المصالح وتنامي التحديات العابرة للحدود، تشهد العلاقات الموريتانية السنغالية هذه الأيام، حراكًا دبلوماسيًا لافتًا تُرجم بتبادل زيارات رفيعة المستوى بين نواكشوط وداكار.
ويعكس هذا الحراك، في ظاهره، إرادة سياسية مشتركة لتعزيز التنسيق والتشاور، ويخفي في عمقه سعيًا لإعادة ضبط علاقة تأثرت مؤخرًا بتوترات مرتبطة بملفات الهجرة والحدود والصيد.
وبين هذه الملفات الحساسة، يبرز الغاز المشترك كعامل توازن استراتيجي يُعيد ترتيب الأولويات ويدفع البلدين إلى إدارة الخلافات بمنطق الشراكة لا القطيعة.
ولا يمكن فصل زيارة رئيس الجمعية الوطنية السنغالية، مالك انجاي، المتواصلة حالية في نواكشوط على رأس وفد برلماني رفيع المستوى، بدعوة من نظيره الموريتاني محمد بمب مكت، عن السياق السياسي العام للعلاقات الثنائية. فالزيارة الممتدة لثلاثة أيام، تتجاوز طابعها البروتوكولي لتؤشر إلى رغبة مشتركة في تحصين العلاقات عبر القنوات التشريعية، بالتوازي مع التحركات التنفيذية.
ويشمل برنامج الزيارة جلسة عمل رسمية بين رئيسي البرلمانين وتوقيع بروتوكول تعاون برلماني، يعكس حسب مصادر البرلمان الموريتاني، إدراكًا متبادلًا لأهمية الدبلوماسية البرلمانية كأداة لخفض التوتر وخلق أرضية تفاهم دائمة حول القضايا الخلافية، في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين اختبارات غير مسبوقة.
وفي السياق نفسه، تكتسب الزيارة المرتقبة للوزير الأول الموريتاني المختار ولد اجاي إلى داكار دلالات أكثر تعقيدًا.
فبحسب معطيات متقاطعة، لا تبدو الزيارة التي ستبدأ غدا الخميس، مجرد محطة تنسيق اعتيادية، بل تدخل في إطار احتواء أزمة آخذة في التشكل.
ويشي حجم الوفد المرافق، الذي يضم وزراء سياديين من الداخلية، والخارجية، والطاقة، والنفط، والمعادن، والصيد، بأن القنوات التقنية المعتادة لم تعد كافية، وأن الملفات المطروحة بلغت مستوى يتطلب تدخلًا سياسيًا مباشرًا من قمة الجهاز التنفيذي.
وتعود جذور التوتر الحالي إلى تشديد الإجراءات الموريتانية في مواجهة الهجرة غير النظامية، وما رافق ذلك من توقيفات وترحيل، شملت مواطنين سنغاليين، وأثارت نقاشًا داخليًا حادًا في السنغال.
ومع غياب خطاب مشترك يطمئن الرأي العام في البلدين، تحولت القضية سريعًا من إجراء أمني إلى أزمة ثقة سياسية وإعلامية.
وتعزز هذا المسار السلبي مع شكاوى متزايدة من صيادين سنغاليين في نواكشوط ونواذيبو، تحدثوا عن تضييق إداري وأمني، شمل مصادرة معدات وتعطيل نشاطهم المهني، ما أدخل ملف الصيد، ذا الحساسية الاجتماعية والاقتصادية، في قلب التوتر الدبلوماسي. غير أن هذا المشهد المتوتر لا يلغي حقيقة أن العلاقات بين نواكشوط وداكار قامت خلال السنوات الأخيرة على قاعدة تعاون استراتيجي متقدم؛ فقد دشّن هذا المسار زيارة العمل والصداقة التي أداها الوزير الأول السنغالي عثمان سونكو، إلى موريتانيا في يناير 2025، بدعوة من نظيره المختار ولد اجاي، في إطار تبادل رفيع المستوى شمل رؤساء الدول ورؤساء الحكومات.
وخلال تلك الزيارة، تم تثبيت آليات تنسيق مؤسسية، أبرزها انتظام اجتماعات اللجنة الكبرى المشتركة، وتعزيز التعاون في مجالات الأمن، والهجرة، والطاقة، والنقل، والصيد، والاستثمار، مع تأكيد مشترك على وحدة الرؤية بشأن الاستقرار الإقليمي ومواجهة التحديات العابرة للحدود.
ويبقى ملف الطاقة، وتحديدًا مشروع السلحفاة آحميم الكبير، العامل الأكثر تأثيرًا في إعادة ضبط العلاقات، فقد شكّل النجاح المشترك في تجاوز التحديات التقنية والسياسية، والتوصل إلى افتتاح أول بئر في كانون الأول/ديسمبر 2024، نموذجًا لتعاون استراتيجي لا يحتمل القطيعة أو التصعيد.
وقد جعل الرهان المشترك على استراتيجية استخدام الغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء محليًا بدل الاكتفاء بتصديره خارجيا، وتزويد الأسواق المحلية بالغاز، وخلق سلسلة قيمة ومحتوى محلي، كل هذا جعل من الغاز ليس مجرد مورد اقتصادي، بل ضمانة سياسية تدفع الطرفين إلى إدارة الخلافات بدل تفجيرها.
وفي هذا السياق، تبدو الزيارات المتبادلة، البرلمانية منها والتنفيذية، محاولة مزدوجة لتهدئة التوتر الآني من جهة، وإعادة هيكلة العلاقة الثنائية على أسس أكثر وضوحًا وصرامة من جهة أخرى، عبر أطر عملياتية مشتركة للهجرة والأمن والصيد، وتفعيل قنوات التشاور المنتظم.
وتتحرك موريتانيا والسنغال اليوم على حافة معادلة دقيقة: خلافات واقعية لا يمكن إنكارها، ومصالح استراتيجية لا يمكن التضحية بها؛ وبين هذين الحدّين، يلعب الغاز دور صمام الأمان، فيما تُسند الزيارات رفيعة المستوى مهمة منع الانزلاق، وتحويل التوتر من عبء سياسي إلى فرصة لإعادة تعريف الشراكة على أسس أكثر توازنًا واستمرارية.





