ندوة في موريتانيا تناقش إحياء الاتحاد المغاربي

4
ندوة في موريتانيا تناقش إحياء الاتحاد المغاربي
ندوة في موريتانيا تناقش إحياء الاتحاد المغاربي

أفريقيا برس – موريتانيا. في ندوة نظمها المعهد الموريتاني للدراسات الاستراتيجية تحت عنوان: «نواكشوط من أجل تثمين المشتركات كأساس للتكامل ومواجهة متغيرات العصر»، وفي أجواء فكرية مشحونة بالتساؤلات الكبرى حول مستقبل المنطقة، تابعت نخبة من الخبراء والمفكرين المغاربيين، أمس، في نواكشوط، مناقشاتهم للبحث في آفاق إحياء الاتحاد المغاربي، واستعادة الدور الإستراتيجي الذي كان يُعوَّل عليه في بناء فضاء إقليمي متماسك.

ويأتي النقاش هذه المرة في ظل تعاظم التحديات الأمنية في منطقة الساحل، ووسط تزايد إدراك صُنّاع القرار والباحثين بأن مصير المغرب الكبير بات أكثر ارتباطًا من أي وقت مضى باستقرار جواره الجنوبي، وأن غياب اتحاد فعّال لم يعد مجرد فجوة سياسية بل أصبح ثغرة أمنية واقتصادية تؤثر في مستقبل المنطقة برمّتها. وبين تقديرات الواقع ورهانات المستقبل، يحاول المشاركون رسم ملامح رؤية مشتركة تعيد الاعتبار لمشروع التكامل المغاربي بوصفه ضرورة استراتيجية لا خيارًا مؤجلًا.

وركزت المناقشات على أهمية استثمار المشتركات الفكرية والثقافية والاستراتيجية بين دول المنطقة المغاربية من أجل تأسيس تكامل فعّال يواجه التحديات المتسارعة التي تفرضها التحولات الإقليمية والدولية. وقال المدير التنفيذي للمعهد، دحان أحمد محمود، في مداخلة افتتاحية، إن دول اتحاد المغرب العربي تخسر الكثير بسبب غياب اتحاد فعّال قادر على تحويل ما يربط شعوب المنطقة إلى قوة اقتصادية وسياسية تفاوضية، مشيرًا إلى أن الخبراء الذين تناولوا هذا الموضوع خلال السنوات الأخيرة أجمعوا على أن «الخسارة ليست رمزية ولا نظرية، بل هي خسارة اقتصادية مباشرة تُقاس بمعدلات النمو السنوي، حيث يُفوِّت غياب الاتحاد على كل بلد من البلدان المغاربية فرصة رفع نسبة نموه بشكل مستدام». وأضاف ولد أحمد محمود «أن الاتحاد المغاربي يمتلك أهم مؤهلات النجاح كفضاء جهوي قابل للاندماج، موضحًا أن المنطقة تتميز بتجانس ثقافي وحضاري، وبتكامل اقتصادي ممكن، وبثقل ديمغرافي معتبر، فضلًا عن موقع استراتيجي يجعلها حلقة وصل بين المغرب العربي والساحل وإفريقيا جنوب الصحراء، وبين أوروبا والعالم العربي.

وأكد أن «الأرقام وحدها كافية لإقناعنا بضرورة بعث فكرة الاتحاد، أو على الأقل إبقاء هذا الحلم حيًا»، لافتًا إلى أن الوعي المؤسسي يُعدّ المفتاح الرئيسي لتحويل هذه القاعدة من مجرد فكرة طموحة إلى قوة فاعلة ومؤثرة في محيطها. وأوضح أن تنظيم الندوة يأتي في هذا السياق، باعتبارها محاولة لتعزيز التفكير الجماعي في مستقبل المنطقة، والانطلاق من المشتركات الجامعة، ثقافيًا وتاريخيًا وجغرافيًا، مع استحضار المتغيرات المعاصرة، سواء تلك المتعلقة بالتحولات الأمنية في الساحل، أو التنافس الدولي على الموارد، أو تحديات العولمة الاقتصادية، أو موجات الهجرة التي باتت تضغط على دول المنطقة.

وخلصت نقاشات يوم أمس، إلى أن التكامل المغاربي لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية يفرضها الواقع الجيوسياسي الجديد، وأن الحفاظ على حلم الاتحاد – رغم تعقيدات الوضع الإقليمي – يظل رهانًا يستحق الاستثمار الفكري والمؤسسي، خصوصًا مع وجود كفاءات علمية ومراكز بحث متخصصة مثل المعهد الموريتاني للدراسات الاستراتيجية، تعمل على توفير المعرفة اللازمة لتوجيه السياسات وصياغة رؤى مستقبلية مشتركة.

ويرى خبراء شاركوا في الندوة أن التكامل المغاربي لم يعد مجرد مشروع اقتصادي أو حلم وحدوي مؤجل، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بالتحولات الأمنية الخطيرة التي يعيشها الساحل الإفريقي، فالمنطقة المغاربية بحكم موقعها الجغرافي تلامس عمق منطقة الساحل، وتتقاسم معها حدودًا طويلة وهشة، ومسارات تجارة وهجرة، وتواجه معها التحديات ذاتها: تمدّد الجماعات المسلحة، شبكات التهريب، الهجرة غير النظامية، وتصاعد نشاط الجريمة المنظمة عبر الحدود.

وفي هذا السياق، أكد خبراء مشاركون أن غياب اتحاد مغاربي قوي وفعّال يفاقم هشاشة المنطقة أمام الخطر القادم من الجنوب، حيث أدى تفكك المقاربات بين الدول المغاربية وتباعد سياساتها تجاه ملف الساحل إلى إضاعة فرص كبيرة لبناء آليات أمنية مشتركة كان بالإمكان أن تُحدث فارقًا في محاربة الإرهاب والتطرف العنيف، كما أن انعدام التنسيق يجعل من كل دولة تتعامل مع الأزمة بشكل منفرد، وهو ما أثبتت التجارب أنه أقل فاعلية وأكثر تكلفة.

وأشار المتدخلون إلى أن منطقة الساحل أصبحت اليوم إحدى أكثر مناطق العالم اضطرابًا، بعد الانسحابات الدولية، وصعود الانقلابات العسكرية، وتحوّل بعض المناطق إلى فراغات أمنية، الأمر الذي يفرض على دول المغرب العربي، بوصفها دولًا متأثرة ومتداخلة في محيطها، التفكير في تكتل إقليمي قادر على خلق سياسة موحدة تجاه الساحل، تقوم على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق الجهود الحدودية والعسكرية، ودعم التنمية في المناطق الهشة التي تشكل خزّانًا للتجنيد والتطرف.

كما أن تعاظم أدوار الفاعلين الدوليين في الساحل خلال السنوات الأخيرة، من روسيا وتركيا والإمارات وفرنسا والولايات المتحدة، جعل من غياب موقف مغاربي موحد ثغرة استراتيجية تستغلها القوى الخارجية لإعادة تشكيل موازين النفوذ.

ويرى محللون أن اتحادًا مغاربيًا نشطًا كان سيمنح دول المنطقة وزنًا تفاوضيًا أكبر، وقدرة على صياغة أولوياتها الأمنية بعيدًا عن الإملاءات الدولية.

وفي المحصلة، شدد المتحدثون على أن التكامل المغاربي هو في جوهره مشروع أمن إقليمي بقدر ما هو مشروع اقتصادي وثقافي، وأن بناء فضاء متماسك شمال الصحراء هو أحد الشروط الضرورية لبناء فضاء آمن جنوبها، لأن الأمن في المغرب العربي والساحل مترابط إلى درجة يصعب معها فصل القضيتين. لذلك، فإن أي رؤية مستقبلية للاندماج المغاربي لا يمكن أن تتجاهل التحديات القادمة من الساحل، ولا يمكن أن تُبنى دون إدراك أن الأمن الجماعي لا يتحقق إلا بتنسيق جماعي.