نواب موريتانيون ينددون بعدم جدية النظام في الحوار

1
نواب موريتانيون ينددون بعدم جدية النظام في الحوار
نواب موريتانيون ينددون بعدم جدية النظام في الحوار

أفريقيا برس – موريتانيا. أعاد بيان صادر عن أربعة نواب معارضين بارزين، إلى الواجهة الجدل حول جدية مسار الحوار الوطني المرتقب إجراؤه في موريتانيا، وذلك بالتزامن مع تحركات رئاسية جديدة وُصفت بأنها الأكثر تقدّمًا منذ إطلاق مبادرة الحوار، ووسط استمرار الشكوك داخل الطيف المعارض بشأن النوايا والضمانات.

وأكد النواب الأربعة، وهم: يحي اللود، خالي جالو، محمد بوي الشيخ محمد فاضل، ومحمد الأمين سيدي مولود، في بيان مشترك «أن الدعوة الصادرة عن رئاسة الجمهورية بصيغتها الحالية وسياقها وطريقة الإعلان عنها، لا تشكل عنصرًا جديدًا يبرر مراجعة موقفهم السابق من مسار الحوار»، معتبرين «أن ما يُقدَّم حتى الآن ما يزال يفتقر إلى الجدية والشروط الأساسية لأي حوار ذي مصداقية».

وانتقد البيان ما سماه النواب الأربعة «تجاهل عمق الأزمة التي تعيشها موريتانيا، والقفز على معاناة المواطنين الناتجة عن الفساد المستشري وسوء التسيير، والبطالة، وضعف الدخل، وارتفاع الأسعار، وانتشار المخدرات، وتراجع الحريات، بدل معالجة هذه القضايا من جذورها».

كما حذّر النواب «من محاولات شق صفوف المعارضة عبر تصنيفات مصطنعة، مثل التمييز بين معارضة «برلمانية وأخرى غير واضحة المعالم»، مؤكدين «أن المطلوب ليس حوارًا شكليًا أو انتقائيًا، بل حوار وطني شامل بضمانات واضحة، يشكل مدخلًا جادًا لإنهاء حالة الانسداد السياسي».

دعوة لتوحيد مواقف المعارضة

ودعا الموقعون «قوى المعارضة كافة إلى رصّ الصفوف وتوحيد المواقف، والعمل على تشكيل إطار جامع يضع حدًا لمحاولات الإضعاف والتقسيم، والانحياز الصريح لقضايا الشعب، وفي مقدمتها محاربة الفساد، وتحسين أوضاع التعليم والصحة والتشغيل، وترسيخ العدالة، واستعادة الثقة في العمل السياسي».

وفي موقف يتقاطع مع موقف النواب الأربعة، اعتبر النائب البرلماني ورئيس حركة «إيرا» بيرام الداه اعبيد، أن مشاركة جزء من المعارضة في الحوار المرتقب تمثل «مجازفة سياسية» ستدفع ثمنها لاحقًا، في ظل غياب شروط حوار جاد قادر على إنتاج نتائج حقيقية وكبح ما وصفه بتغوّل السلطة.

وقال ولد اعبيد «إن تجارب الحوارات السابقة أثبتت فشلها بسبب غياب نية التنازل والتغيير واستمرار التضييق على الحريات وهيمنة العسكر والإقطاع السياسي والفساد على مفاصل الدولة».

وأكد «أن الفضاء السياسي ما يزال مغلقًا ولا يتيح حوارًا متكافئًا، محذرًا من أن النظام سيفرض شروطه ويحوّل الحوار إلى عملية «تجميل» لا تستجيب لتطلعات الشعب، داعيًا في المقابل «إلى حوار حقيقي يضمن الحريات ويضع حدًا للفساد ويعالج الأزمات البنيوية في البلاد».

وبخلاف ما تم تداوله في البداية عن برمجة رئاسة الجمهورية لاجتماع واحد جامع، أكدت مصادر مطلعة «أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يعتزم عقد اجتماعين منفصلين في إطار التحضير للحوار الوطني، وسيكون الأول اجتماعًا خاصًا بممثلي قوى المعارضة القابلين بالحوار، بهدف الاستماع إلى ملاحظاتهم ومواقفهم بشكل مباشر، فيما سيكون الاجتماع الثاني مشتركًا بين الأغلبية والمعارضة، ويُنتظر أن يشكل الإطار السياسي الأوسع لعرض خلاصات التنسيق ومناقشة محاور الحوار وآلياته.

وأفادت مصادر مطلعة أن الرئيس محمد ولد الغزواني يعتزم عقد سلسلة لقاءات مع عدد من قادة المعارضة، وذلك في إطار التحضيرات الجارية للاجتماع التمهيدي للحوار السياسي المقرر انعقاده يوم الخميس المقبل. وبحسب المصادر ذاتها، تهدف هذه اللقاءات إلى تذليل العقبات وتوفير أرضية توافقية قبل الاجتماع المرتقب الذي سيحتضنه القصر الرئاسي في نواكشوط. ووفق المعلومات المتداولة، سيجري ولد الغزواني لقاءً مع زعيم المعارضة الديمقراطية حمادي ولد سيد المختار، بصفته ممثلاً للأحزاب المنضوية في مؤسسة المعارضة الديمقراطية، كما سيلتقي اللجنة السداسية التي شكّلتها تنسيقية أحزاب المعارضة.

وتضم هذه اللجنة كلاً من صمبا تيام عن حزب «القوى التقدمية للتغيير»، والنانه بنت شيخنا، القيادية السابقة في تكتل القوى الديمقراطية، ولوغرمو عبدول عن اتحاد قوى التقدم، وعبد الرحمن ولد محمود ممثلاً للتحالف الشعبي التقدمي، إضافة إلى نور الدين ولد محمدو عن حزب «موريتانيا إلى الأمام»، والساموري ولد بي رئيس حركة «الحر» الحقوقية.

ومن المقرر أن يشهد القصر الرئاسي، الخميس المقبل، انعقاد الاجتماع التمهيدي للحوار السياسي بمشاركة 40 شخصية، موزعة بالتساوي بين الأغلبية والمعارضة، حيث خُصص 20 مقعدًا لأحزاب الموالاة، مقابل 20 مقعدًا لأطراف المعارضة، بواقع 10 ممثلين عن أحزاب مؤسسة المعارضة الديمقراطية و10 عن تنسيقية أحزاب المعارضة.

ويُنظر إلى هذا الترتيب على أنه محاولة لامتصاص التحفظات داخل المعارضة، وتفكيك بعض نقاط التوتر، قبل الانتقال إلى لقاء جامع تحت رعاية رئاسية مباشرة.

ويأتي هذا التطور في سياق مسار بدأه الرئيس غزواني بعد الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، حين أعلن عزمه تنظيم حوار سياسي شامل لا يُقصي أحدًا ولا يستثني موضوعًا، قبل أن يكلّف السياسي المخضرم موسى فال بمهمة تنسيق الحوار.

وقد مرّ المسار بعدة مراحل، شملت لقاءات لجس النبض مع مختلف الفاعلين السياسيين، ثم نقاشات حول المنهجية والمضمون، وصولًا إلى إعداد تقرير شامل سلّمه منسق الحوار إلى رئيس الجمهورية في 13 أكتوبر الماضي، غير أن بطء الانتقال إلى إجراءات عملية غذّى انتقادات معارضة بشأن غياب مؤشرات ملموسة على قرب انطلاق الحوار.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تسارعت الاتصالات لترتيب الاجتماعات المرتقبة، مع اعتماد صيغة تمثيل تقوم على توزيع المقاعد بين الأغلبية والمعارضة.

غير أن هذه الصيغة لم تحظَ بإجماع كامل داخل المعارضة، إذ عبّرت أطراف سياسية وأحزاب غير ممثلة في البرلمان عن تحفظها على آلية التمثيل، معتبرة أنها لم تُشرك بما يكفي في صياغة الترتيبات.

وكانت بعض هذه الأطراف قد شكّلت لجنة مصغرة للمطالبة بلقاء تمهيدي مع رئيس الجمهورية، وطرحت جملة من الشروط، من بينها وضوح جدول الأعمال، وضمانات تنفيذ المخرجات، وتحديد طبيعة الإشراف على الحوار.

وبين تحركات رئاسية تعكس توجّهًا نحو إطلاق مسار عملي للحوار، ومواقف معارضة تشكك في النوايا وتطالب بضمانات ملموسة، يقف الحوار الوطني في موريتانيا عند مفترق طرق حاسم: فإما أن تفضي اللقاءات المرتقبة، سواء كانت ثنائية أو جامعة، إلى اتفاق واضح المعالم، محدد الآجال، ومدعوم بآليات تنفيذ ملزمة، بما يعيد بناء الثقة ويفتح أفق تغيير سياسي فعلي؛ وإما أن يتعمق من جديد مناخ الشك والانسداد، بما يؤكد أن الإشكال لم يعد في الدعوة إلى الحوار بحد ذاته، بل في جديته ومصداقيته وقدرته على إحداث تحول حقيقي في المشهد السياسي.