إصلاحات جديدة تعزز المواطنة وتنظم الحوار الشامل

1
إصلاحات جديدة تعزز المواطنة وتنظم الحوار الشامل
إصلاحات جديدة تعزز المواطنة وتنظم الحوار الشامل

أفريقيا برس – موريتانيا. مع حلول الذكرى الخامسة والستين لاستقلال موريتانيا عن فرنسا، والاحتفاء بها يوم أمس الجمعة، اتجهت الأنظار هذا العام إلى ما يتجاوز طقوس الاحتفال التقليدية، إذ تحوّلت المناسبة إلى محطة سياسية فارقة حملت رسائل واضحة حول مستقبل الحكم والإصلاح.

ففي خطاب وُصف بأنه الأكثر صراحة منذ تولي الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني السلطة، أُعلن عن دخول البلاد مرحلة جديدة من التحديث المؤسسي والاقتصادي، مع تأكيد قرب انطلاق الحوار الوطني الذي طال انتظاره، في محاولة لإعادة بناء التوافق السياسي وترميم الثقة بين مكوّنات الساحة الوطنية. بهذه الروح، بدت ذكرى استقلال موريتانيا هذا العام أقرب إلى إعلان مراجعة شاملة لمسار الدولة، لا مجرد احتفاء تاريخي.

واستعاد الرئيس الغزواني في خطابه معاني يوم الثامن والعشرين من تشرين الثاني /نوفمبر، باعتباره محطة استرجعت فيها البلاد حريتها وكرامتها برحيل المستعمر، وأُعلن فيها قيام الجمهورية الإسلامية الموريتانية كإطار جامع لتحقيق الأمن والحرية والعيش الكريم.

واستعرض الرئيس التحديات الكبرى التي رافقت إعلان الدولة الحديثة، مؤكداً أن تأسيس دولة القانون والمؤسسات، وما يتطلبه من تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية عميقة، كان تحدياً بالغ التعقيد بالنسبة لمجتمع لم يكن مهيأً لبعض تداعياته.

وأشار إلى أن موريتانيا، رغم ذلك، استطاعت المضي قدماً في مسار البناء، باعتماد نهج الانفتاح والتشاور والإصغاء، وبمشاركة واسعة من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والتنمويين.

وذكّر الرئيس بأنه ضمّن برنامجه «طموحي للوطن» وعداً بإطلاق حوار جامع لا يستثني أحداً ولا موضوعاً، مؤكداً أن دعوته الأخيرة للحوار جاءت لاقتناعه بأن الظرف مناسب، بعيداً عن التجاذبات الانتخابية، وفي غياب أية أزمة سياسية أو اقتصادية.

وقال إن أي سعي لمقايضة المشاركة في الحوار يبدو مستغرباً، لأن الحوار مطلب عام وركن أساسي لبناء إجماع وطني حول التحديات الكبرى.

وأضاف أنه يريد «حواراً جدياً وشاملاً وصريحا»، واعداً بتهيئة ظروفه وضمان تنفيذ مخرجاته.

وأكد أن منسق الحوار قد أنهى تقرير المرحلة التحضيرية، وسيُعرض على الفرقاء لتقديم مقترحاتهم، مشدداً على أن الحوار، سيكون فرصة لمراجعة شاملة للتحديات الوطنية.

وشدد الرئيس على الإصرار على تعزيز استقلالية القضاء والتحصين من أي مسلكيات تضر بصورته وهيبته، مشيراً إلى العمل الجاري على تحيين مدونة أخلاقيات وسلوكيات القضاة وكتاب الضبط والمهن القانونية.

وتوقف الغزواني مطولاً أمام واقع قطاع التعليم، باعتباره ركيزة تعزيز اللحمة الوطنية ومحاربة الفقر والهشاشة، فأبرز مراجعة البرامج التربوية لترسيخ قيم المواطنة، والإعلان عن تعزيز القدرة الاستيعابية ببناء وتجهيز 1200 حجرة دراسية، وترميم 2250 حجرة، وتوسيع الطواقم التدريسية عبر اكتتاب 3743 مدرسا.

وعن التعليم العالي، أعلن الرئيس الغزواني بلوغ الطاقة الاستيعابية لمؤسسات التعليم العالي 50 ألف طالب، بفضل إنشاء مقرات جديدة للمدرسة الوطنية للإدارة ومدرسة الرقمنة والمعهد العالي للتجارة، وافتتاح جامعة نواذيبو، وتوسعة المعهد العالي الفني بروصو، مع بدء الأشغال قريباً في مدرستي البيطرة والزراعة، ومعهدي كيفه وتجكجه.

وعن الاقتصاد والمؤشرات الكلية، أكد الرئيس ولد الغزواني «أن الاقتصاد الموريتاني حافظ على منحاه التصاعدي بفضل الإصلاحات الهيكلية ونشاط القطاعات الإنتاجية، متوقعاً نمواً يناهز 4.5 في المئة خلال 2025، مع بقاء التضخم تحت 2 في المئة.

وتوقع ارتفاع ميزانية 2026 لأكثر من 10 في المئة من حيث الموارد والنفقات، مع الحفاظ على العجز في حدود 3.5 في المئة، واستمرار تراجع الدَّين العام من 45.2 في المئة سنة 2025 إلى 43.3 في المئة سنة 2026.

وأكد الرئيس أن الحكامة الرشيدة تقتضي مكافحة الفساد بأشكاله كافة: المالي والإداري والسياسي والاجتماعي، معلناً عن تعزيز ترسانة مكافحة الفساد عبر قوانين جديدة تلزم بالتصريح بالممتلكات، ونشر تقارير الرقابة، وتنفيذ توصياتها، وإنشاء السلطة الوطنية لمكافحة الفساد.

وشدد على مواصلة الإصلاح الإداري ورقمنة الخدمات وترسيخ استقلالية القضاء، مؤكداً أن محاربة الفساد يجب ألا تتحول إلى وسيلة للتصفية أو الانتقائية.

ودعا إلى جعل هذه الحرب على الفساد «مجتمعية بقدر ما هي مؤسسية»، محذراً من ترويج فكرة الفساد الشامل التي ترفع الحرج عن المفسد وتشجع التمادي.

واختتم الرئيس خطابه بالتأكيد على أن الاحتفال بالاستقلال هو احتفال بميلاد رباط المواطنة، الرابط الذي يوحد جميع مكونات المجتمع، داعياً إلى جعله أساس العلاقات بين المواطنين ومع الدولة، ومتعهداً بأن الحقوق والواجبات ستُبنى على أساس المواطنة وحدها، محذراً من أن تؤثر الروابط القبلية والعرقية والشرائحية سلباً على هذا الرباط.

وأكد أن قوة الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية شرط أساسي لبناء «موريتانيا الإخاء والعدالة والحرية والنماء».

ورغم ما حملته الخطابات الرسمية من وعود بالإصلاح وبناء توافق جديد، مرّت الذكرى الخامسة والستون لاستقلال موريتانيا هذا العام في ظرف وطني بالغ الحساسية، حيث تعالت مجدداً نبرة الخطابات الشرائحية وتعمّق التباعد بين المكوّنين العربي والزنجي في البلاد.

فقد قاطع عدد من السياسيين الزنوج فعاليات الاحتفال، في خطوة احتجاجية تُعيد إلى الواجهة جراح أحداث 1991، حين أُعدم ضباط كانوا قد حاولوا الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع، وهي الذكرى التي ما تزال تمثّل لدى شرائح واسعة رمزاً للظلم غير المنصف في الذاكرة الجماعية.

وبين احتفاء الدولة باستقلالها وتجدّد تلك التوترات الكامنة، شكلت مناسبة الاستقلال هذا العام تذكرة بضرورة معالجة المظالم القديمة وإعادة اللحمة الوطنية وهو ما يرى الكثيرون أن دورة الحوار المرتقبة قد تساهم في إيجاد مخرج له.