أفريقيا برس – موريتانيا. في خضم تحديات الطبيعة والإنسان، وتداخل آثار التغير المناخي مع ديناميات السلم والأمن في منطقة الساحل الغنية بثرواتها وغناها الثقافي، أطلقت موريتانيا ومالي والسنغال مشروعًا إقليميًا طموحًا يضع المياه في صلب رحلة التعاون المشترك، ليس كسلعة تُدار فحسب، بل كرافعة للتضامن، ولتعزيز السلم والاستقرار في المناطق الحدودية التي لطالما كانت مسرحًا لتقلبات بيئية واجتماعية وسياسية.
وقد حصل هذا المشروع على تمويل يصل إلى 7 ملايين دولار أمريكي من صندوق الأمم المتحدة لبناء السلام، وسيُنفَّذ على مدى عامين تحت إشراف كل من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) والمنظمة الدولية للهجرة.
ويفتح هذا المشروع صفحة جديدة في التعاون الثلاثي بين الدول الثلاث، ويقدم نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل التحديات العابرة للحدود إلى فرص تنموية واستقرار اجتماعي.
ويستهدف هذا البرنامج أكثر من 680 ألف مستفيد مباشر وغير مباشر في مناطق حدودية تشمل ولايات موريتانية بينها كيدي ماغه، وغورغول، ولعصابة، والحوض الغربي، إضافة إلى مناطق الحدود في مالي والسنغال.
ووفقا لوزارة الشؤون الاقتصادية الموريتانية، فإن عدد المستفيدين المباشرين وحدهم، يتجاوز 151 ألف شخص، ممّا يعكس حجم الأثر المتوقع، لاسيما في القرى والمناطق الريفية التي تعتمد أساسًا على الموارد المائية المحلية.
ولا يقتصر المشروع على توزيع المياه بشكل مباشر، بل يشمل إنشاء وترميم بنى تحتية مائية صامدة، وهي خطوة حيوية في عالم تتزايد فيه الصدمات المناخية بسرعة.
ويتضمن البرنامج كذلك وضع آليات مجتمعية لإدارة النزاعات المتعلقة بالمياه، وهو جانب حاسم نظرًا لأن الخلافات حول الموارد يمكن أن تتحوّل سريعًا إلى توترات اجتماعية أو أكثر من ذلك، خاصّة في مناطق الحدود حيث تتداخل أنماط الحياة بين القبائل والعشائر.
والتركيز على البنى التحتية لا يعني فقط أن تكون الآبار والخزانات أكثر صمودًا، بل أيضًا أن تكون نظم إدارة المياه أكثر مرونة وشمولية، مبنية على شراكات محلية تُشرك المجتمعات في صنع القرار حول مواردهم. كما يتم العمل على أنظمة إنذار مبكر للتنبؤ بالمخاطر المناخية، ما يمكّن السكان من الاستعداد بشكل أفضل لموجات الجفاف أو الفيضانات المفاجئة.
وفي كلمة إطلاق المشروع، قال وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية في موريتانيا، عبد الله سليمان الشيخ سيديا، «إن هذا المشروع يعكس إرادة مشتركة لمواجهة تحديات لا تعترف بالحدود»؛ مؤكداً «أن ندرة المياه وتأثيرات التغير المناخي تفرض على الدول الثلاث التحوّل من التأقلم الفردي إلى تعاون استباقي».
وتلقي مبادرة التنسيق الثلاثية بين موريتانيا ومالي والسنغال، بظلالها على المشهد السياسي الأوسع في الساحل، حيث تحاول بلدان المنطقة مواجهة أزمات متعددة في آن واحد: من التداعيات الأمنية المتصلة بالإرهاب العابر للحدود، إلى تحديات الموارد الطبيعية كالمياه التي تشكل عامل توتر محتملًا إذا لم تتم إدارتها بشكل جماعي.
و بالفعل، كانت هناك مخاوف مشتركة بين موريتانيا والسنغال من الإرهاب العابر للحدود، وهو ما دفع البلدان للتنسيق في اجتماعات أمنية سابقة مع مالي لتعزيز حماية حدودها.
ولم تعد المياه مجرد مسألة بيئية أو اقتصادية داخل حدود أي دولة؛ بل أصبحت في القرن الحادي والعشرين قضية أمن قومي وإقليمي.
ففي ساحل إفريقيا، حيث درجات الحرارة ترتفع، وهطولات الأمطار تصبح أكثر تذبذبًا، تشكّل ندرة المياه ضغوطًا مضاعفة على المعيشة اليومية للناس وعلى النشاط الزراعي والرعوي.
ومن هذا المنطلق يأتي المشروع الموريتاني المالي السنغالي، ليُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والموارد الطبيعية؛ ليست فقط كوسيلة للبقاء، بل كأرضية للتعاون والمشاركة.
وبنظرة من الأرض، يمكن أن يتحول هذا المشروع إلى نقطة تحول في حياة المجتمعات المحلية.
وفي عالم تتسارع فيه وتيرة التغيرات المناخية، يصبح الوصول المستدام إلى المياه النظيفة أحد العوامل الأساسية للعيش الكريم، وله تأثير مباشر على الصحة والتعليم والزراعة.
وفي هذا السياق، يضع المشروع السنغالي المالي الموريتاني مسارات عملية تدعم السلم الاجتماعي من خلال إشراك السكان في إدارة مواردهم، وتخفيف الضغوط التي قد تؤدي إلى صراعات.
وسبق أن تمكّنت دول الساحل من التعاون في مشاريع مشابهة في إدارة موارد مشتركة، مثل الجهود القائمة بين دول حوض السنغال وموريتانيا، لتأسيس أطر حوكمة مشتركة للموارد الجوفية العابرة للحدود، وهي جهود تعكس وعيًا متناميًا بأهمية الحوار التشاركي في إدارة الموارد.
ولا ينظر المشروع السنغالي المالي الموريتاني الذي تم إطلاقه، إلى المياه كمورد فحسب، بل كجسر للتعاون والعيش المشترك، وهو توجه يخاطب جوهر أحد أكبر التحديات التي تواجه منطقة الساحل اليوم: كيف يمكن للتحالفات الجديدة أن تقوّي صمود المجتمعات في وجه تغيرات مناخية عميقة وفي وقت يتزايد فيه الطلب على الموارد الطبيعية؟ إن الإجابة على هذا السؤال قد تكون مفتاح سلام واستقرار طويل الأمد في هذه المنطقة الحساسة من العالم.





