أفريقيا برس – موريتانيا. لم يتوقف لحد الآن الجدل السياسي في موريتانيا حول المأموريات الرئاسية مع عودة الحديث، بشكل مباشر أو ضمني، عن استغلال مناسبة الحوار السياسي المنتظر لمراجعة المواد الدستورية المحصنة، ولا سيما تلك المحدِّدة للمأموريات الرئاسية، وهي من أكثر القضايا حساسية في التجربة الديمقراطية الوطنية.
ورغم غياب أي إعلان رسمي عن نية تعديل الدستور، فإن تصريحات صادرة عن فاعلين سياسيين ودوائر قريبة من السلطة، أعادت فتح نقاش ظلّ لسنوات من «المحرمات السياسية»، لما يحمله من مخاوف مرتبطة بالاستقرار الدستوري وتوازن النظام السياسي.
وقد تفجر هذا الجدل مجددًا بعد تصريحات برلمانية وسياسية، أبرزها من النائب بيرام الداه اعبيد، رئيس حركة «إيرا» الحقوقية الذي اعتبر أن الحديث عن مأمورية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ليس سوى غطاء لمشروع توريث سياسي أخطر من مجرد تمديد المأموريات.
وفي هذا السياق، برز موقف إسلاميي حزب التجمع «تواصل»، الذين حذّروا من المساس بالمقتضيات الدستورية المحصنة، معتبرين أن أي خطوة في هذا الاتجاه قد تشكل سابقة خطيرة تهدد المسار الديمقراطي الهش في البلاد.
وعبر حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية عبّر في بيان شديد اللهجة عن رفضه لما وصفها بـ»دعوات بعض قادة ونشطاء حزب الإنصاف الحاكم لتغيير المواد المحصنة في الدستور».
واعتبر الحزب أن هذه الدعوات تمثل مساسًا خطيرًا بأسس التناوب السلمي على السلطة، وتراجعًا مرفوضًا عن المكتسبات الديمقراطية، وتهديدًا للاستقرار السياسي عبر توظيف المؤسسات الدستورية لخدمة أجندات ضيقة.
ودعا الحزب المعارضة وكافة القوى الوطنية إلى رص الصفوف دفاعًا عن الدستور، مؤكّدًا أن التناوب السلمي هو «صمام أمان الوطن».
كما شدّد على ضرورة أن يكون الحوار المرتقب شاملًا وغير إقصائي، مع التركيز على معالجة الأزمات المعيشية والخدماتية بدل الاكتفاء بالخطابات الإنشائية.
ودعا السفير الموريتاني في قطر، محمد ولد ببانه، على خط الجدل بعد تصريحات له في مهرجان محلي، حيث أشار إلى أن من حق الشعب أن يحدد أسس نظامه الديمقراطي دون وصاية أو «إرهاب فكري».
وأوضح أن حديثه عن المأموريات كان رأيًا شخصيًا لا يعكس موقفًا رسميًا، مذكّرًا بأنه سبق أن أعلن رفضه للمأمورية الثالثة عام 2014 و2016، قبل أن يغيّر قناعته لاحقًا.
وانتقد السفير ما وصفه بـ»التسفيه والإرهاب الفكري» الذي واجه به بعض السياسيين رأيه، داعيًا إلى احترام التباين في المواقف»، مشدداً «على أن الحوار المرتقب يجب أن يكون فرصة لمعالجة «الاختلالات السياسية والتنموية» منذ الاستقلال، وأن نقاش المأموريات ينبغي أن يتم في إطار وطني جامع بعيدًا عن الاستقطاب.
ويعكس الجدل حول المأموريات صراعًا بين تيارين في موريتانيا: تيار يرى أن تعديل الدستور ضرورة لمواكبة الواقع السياسي والتنموي، وتيار آخر يعتبر أن أي مساس بالمواد المحصنة تهديد مباشر للتناوب الديمقراطي والاستقرار. وتحاول المعارضة الموريتانية استثمار هذا الجدل لتأكيد موقعها كحامية للدستور، وربط الحوار السياسي المرتقب بقضية الوحدة الوطنية وبمشاكل المواطن اليومية مثل غلاء المعيشة، ضعف الخدمات.
وتبدو الموالاة منقسمة بين أصوات تدعو لفتح النقاش حول المأموريات وأخرى تتحفظ، ما يعكس تباينًا في الرؤى داخل النظام نفسه.
وبهذا الجدل الذي يشغل الرأي العام الموريتاني هذه الأيام، يصبح الحوار المرتقب محمّلًا بانتظارات كبيرة، ليس فقط حول المأموريات، بل أيضًا حول معالجة أزمات التنمية والحوكمة، وهو ما قد يحدد مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد.
وبين قراءات ترى في هذا الجدل مجرد نقاش سياسي عابر، وأخرى تعتبره مؤشّرًا مقلقًا على إمكانية إعادة هندسة القواعد الدستورية، يبقى مستقبل هذا الملف مرهونًا بوضوح الموقف الرسمي واحترام النص الدستوري وروحه. فالمأموريات الرئاسية لا تُعدّ مجرد مواد قانونية قابلة للتأويل، بل تمثل أحد أبرز مكتسبات التناوب السلمي على السلطة في موريتانيا. ومع تصاعد التحذيرات السياسية، خاصة من قوى معارضة فاعلة، يبدو أن أي انزلاق نحو مراجعة المواد المحصنة قد يفتح البلاد على توترات سياسية لا تُحمد عقباها، في وقت تحتاج فيه إلى ترسيخ الاستقرار وتعزيز الثقة في المؤسسات.
ويتجاوز الجدل الدستوري في موريتانيا مسألة المأمورية الثالثة ليطرح سؤالًا أعمق: هل النظام السياسي قادر على إدارة التوازن بين الاستقرار والتناوب الديمقراطي؟ سيكون الحوار المرتقب اختبارًا حاسمًا لهذه الإشكالية، إما أن يدفع نحو ترسيخ قواعد اللعبة الديمقراطية بما فيها بقاء المواد المحصنة للمأموريات الرئاسية، أو بتوجه آخر يفتح الباب أمام أزمة سياسية جديدة قد تهدد السلم الأهلي.





