أفريقيا برس – موريتانيا. في مواجهة انتقادات متكررة وحملات ينفذها حقوقيون موريتانيون معارضون، وجدت موريتانيا نفسها مجددًا تحت أضواء مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، حيث قدّمت عرضًا رسميًا يدافع عن سياساتها الحقوقية، ويؤكد التزامها بنهج إصلاحي «تدريجي وواقعي» يستند إلى الإمكانات الوطنية والأولويات التنموية.
وبدا عرض التقرير الحقوقي الموريتاني الخاص بالجولة الرابعة من آلية الاستعراض الدوري الشامل، مشحونا بالحجج الرامية إلى تصحيح الصور النمطية، ومواكبة التزامات موريتانيا الدولية، مع إصرار موريتانيا على مواءمة المعايير الحقوقية مع خصوصياتها الاجتماعية والاقتصادية.
وظهرت موريتانيا في منبر جنيف كدولة تحاول أن تشرح منطقها، وتدافع عن خياراتها، وتضع سجلها الحقوقي في سياقه السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
وحرص مفوض حقوق الإنسان الموريتاني سيد أحمد ولد بنان، منذ الدقائق الأولى، على وضع «المرجعية» التي تنطلق منها بلاده، مؤكدًا أن الالتزام بحقوق الإنسان ليس استجابة ظرفية لضغط دولي، بل يستند، حسب تعبيره، إلى تعاليم الإسلام، والدستور الوطني، والانخراط في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان. غير أن الرسالة الأهم لم تكن في التذكير بالمبادئ، بل في التشديد على «المقاربة»: تقدم تدريجي، محسوب، مرتبط بالإمكانات الوطنية وأولويات التنمية.
واختارت موريتانيا، التي وافقت في استعراض 2021 على ما مجموعه 201 توصية، ألا تنكر التحديات، لكنها شددت على ما تحقق؛ فوفق العرض الرسمي، تم تنفيذ جزء معتبر من تلك التوصيات، بينما يجري العمل على البقية ضمن مسار «غير صدامي» يوازن بين الطموح الحقوقي والواقع الاقتصادي لبلد نامٍ.
فخلال السنوات الأخيرة، شهد الإطار التشريعي والمؤسسي الموريتاني حركية لافتة، وفقا لمفوض حقوق الإنسان في موريتانيا، حيث تُرجمَت هذه الحركية في اعتماد قوانين جديدة، من بينها قانون الجمعيات القائم على التصريح بدل الترخيص، وقوانين مكافحة الفساد، وتنظيم الأحزاب، وحرية الصحافة، والهجرة، إضافة إلى نصوص خاصة بحماية الأطفال من الأعمال الخطرة، كما أعلن المفوض عن مشاريع قوانين ما تزال قيد المصادقة، أبرزها القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء والفتيات.
لكن التحول لم يكن تشريعيًا فقط، فقد رافقته، بحسب التقرير، ولادة مؤسسات جديدة وإعادة هيكلة أخرى قائمة، مثل المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة، والهيئة الوطنية لمحاربة الاتجار بالأشخاص، والمحكمة المتخصصة في قضايا العبودية والاتجار بالبشر، والسلطة الوطنية لمكافحة الفساد، فضلًا عن سلطة حماية البيانات الشخصية، والمرصد الوطني للبيئة والساحل.
ومن بين أبرز النقاط التي توقف عندها الوفد الموريتاني في جنيف، اعتماد الاستراتيجية الوطنية لترقية وحماية حقوق الإنسان (2024–2028)، وهي الأولى من نوعها في تاريخ البلاد.
وتتقاطع هذه الاستراتيجية مع أهداف التنمية المستدامة، وتضم 17 محورًا و145 هدفًا عمليًا، وتشمل مجالات الصحة، والتعليم، وحقوق المرأة والطفل، ومكافحة الاتجار بالبشر.
وحسب الأرقام التي تضمنها العرض الموريتاني، فقد تم إلى نهاية 2025 إنجاز نحو 42% من الإجراءات المبرمجة، وهو رقم أرادت موريتانيا أن تقدمه كدليل على «الجدية»، حتى وإن كان الطريق ما يزال طويلاً.
وفي الجانب السياسي، تحدث التقرير عن إصلاحات انتخابية اعتُبرت خطوة إلى الأمام، من بينها اعتماد النسبية في الانتخابات المحلية، وانتخاب نواب الجاليات في الخارج لأول مرة، واستحداث لائحة وطنية للشباب. كما أشار إلى تنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية في أجواء وُصفت بالشفافة، بشهادة مراقبين دوليين.
أما في مجال الحريات العامة، فقد أدى نظام التصريح الجديد للجمعيات إلى تضاعف عدد منظمات المجتمع المدني، في مؤشر على انفتاح الفضاء العام، وفق الرواية الرسمية.
وفي العدالة، تواصل تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للنفاذ إلى العدالة، إلى جانب مخرجات منتديات «أي عدالة نريد؟» التي نُظمت سنة 2023. وحرص مفوض حقوق الإنسان الموريتاني على إسناد خطابه بأرقام، خصوصًا في المجالات الاجتماعية مثل توسيع التغطية الصحية، والتحويلات النقدية للأسر الهشة، وبرامج وكالة «تآزر»، والاستثمار في التعليم والصحة، وتحسين الولوج إلى المياه.
كما توقف المفوض مطولًا عند حقوق المرأة، والطفل، والأشخاص ذوي الإعاقة، مع إبراز نسب التمثيل السياسي، والاستراتيجيات المعتمدة، والمؤسسات المستحدثة.
وفي ملف الهجرة، تحدثت موريتانيا بصراحة عن كونها بلد عبور يتحمل أعباء تفوق إمكاناته، داعية إلى مقاربة دولية عادلة لا تترك دول العبور وحدها في الواجهة.
وخلال الجلسة، أشاد ممثلو عشرات الدول، وفقا للمفوضية الموريتانية لحقوق الإنسان، بما وصفوه «تقدمًا ملحوظًا» في السجل الحقوقي الموريتاني، خاصة في مجال الحماية الاجتماعية والاستراتيجيات الوطنية. وفي المقابل، طرحت أسئلة وتوصيات عكست استمرار القلق الدولي بشأن بعض الملفات، وهو ما تعهد الوفد الموريتاني بالتفاعل معه «بانفتاح».
وقد ظهر في آخر العرض أن الرسالة الأساسية التي أرادت نواكشوط إيصالها واضحة وهي أن حقوق الإنسان خيار استراتيجي، لكن تنزيله يتم وفق إيقاع وطني، لا بالنسخ الحرفي للتجارب ولا بالقفز على واقع بلد يسير في طريق النمو، ويبحث عن التوازن بين الحقوق، والاستقرار، والتنمية.
وبين مطالب دولية بتسريع الإصلاحات الحقوقية، وتشديد موريتاني على سيادة القرار الوطني وتدرّج المقاربة، يظلّ ملف حقوق الإنسان في موريتانيا ساحة نقاش مفتوحة بين الداخل والخارج.
غير أن ما عرضته نواكشوط في جنيف يعكس، وفق خطابها الرسمي، انتقالًا من منطق التعهدات إلى منطق السياسات المنفذة، في محاولة لربط الحقوق بالتنمية، وتقديم نموذج إصلاحي يستند إلى الواقع الوطني، في معركة تؤكد حكومة نواكشوط «أنها طويلة، لكنها مستمرة دون تراجع».





