ما تقوله كتب التاريخ عن الكسكس والحريرة والسلو

1
ما تقوله كتب التاريخ عن الكسكس والحريرة والسلو
ما تقوله كتب التاريخ عن الكسكس والحريرة والسلو

أفريقيا برس – المغرب. يُعد المطبخ المغربي واحدا من أكثر مطابخ العالم العربي تنوعا وغنى، ليس فقط بتعدد أطباقه، بل بتعدد المسارات التاريخية التي شكّلته. فقد تداخلت في تكوينه عادات غذائية ريفية قديمة مع تقاليد حضرية نشأت داخل المدن، وتفاعلت مع تحولات اجتماعية واقتصادية امتدت عبر قرون. وعلى خلاف مطابخ تقوم على وصفات ثابتة، تشكّل المطبخ المغربي في جوهره حول تقنيات طهي انتقلت وتطورت، ثم استقرّت في أطباق صارت جزءا من الذاكرة الجماعية.

تكشف العودة إلى كتب التاريخ والجغرافيا والطبخ والتراث الطبي أن كثيرا من الأكلات المغربية لم تولد في شكلها الحالي، بل مرت بمراحل طويلة من التكيّف مع البيئة، وتوفر المكونات، وأنماط العيش. فالأواني، وطرق الطهي، والقوامات، كانت في كثير من الأحيان أسبق من الأسماء، قبل أن تتحول إلى أطباق تحمل دلالات اجتماعية وثقافية واضحة.

وفي هذا السياق، تمثل أطباق مثل الطاجين، والكسكس، والسفوف، والحريرة نماذج دالة على هذا المسار التاريخي؛ إذ تكشف دراسة تطورها كيف انتقل الطعام من الحاجة اليومية إلى رمز ثقافي، وكيف حافظ المطبخ المغربي على قدرته على استيعاب التأثيرات الخارجية دون أن يفقد هويته الخاصة.

“الطاجين المغربي”

لم يكن ما يُعرف اليوم بـ”الطاجين المغربي” في الأصل اسما لطبق محدد، بل دلالة على وعاء الطهي الفخاري نفسه. تشير المعاجم العربية، مثل لسان العرب لابن منظور، إلى أن “الطاجن” هو الإناء الذي يُطبخ فيه الطعام، لا وصفة بعينها. ويؤكد هذا المعنى ما يرد في كتب الطبيخ في المشرق والمغرب، حيث استُخدم المصطلح للدلالة على أداة الطهي قبل أن يتحول تدريجيا إلى هوية طهوية.

في كتاب الطبيخ لابن سيار الوراق (القرن 10م)، يظهر الطاجن بوصفه قالبا يُدخل الفرن، تُحضّر فيه أطباق البيض والأجبان واللحوم المطهية بالزيت أو اللبن، دون أن يرتبط بفكرة المرق أو الطهي المباشر على النار. ويعكس هذا الاستخدام انتماء الطاجن إلى مطابخ النخبة الحضرية في بغداد العباسية، حيث ازدهر المزج بين الحلو والمالح.

ومع انتقال تقاليد الطهي إلى الغرب الإسلامي، تبرز في مخطوط الطبيخ في المغرب والأندلس (القرن 12–13م) صورة أكثر تنوعا للطاجن، باعتباره وعاء متعدد الوظائف، تُحضر فيه أطعمة مخبوزة أو مطهية ببطء. وفي السياق نفسه، يورد ابن رزين التجيبي في فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان وصفات لحم مطهوة بالعسل والزعفران والفواكه المجففة، مثل “المروزية”، وهي تمثل الأساس الذوقي للطواجن المغربية التي تمزج بين المالح والحلو.

وتكشف كتب الطب، مثل مؤلفات ابن سينا والرازي، عن تفضيل الطهي البطيء في الأواني الفخارية لما له من فوائد هضمية، وهو ما ينسجم مع طبيعة الطاجين القائمة على طهي المكونات في عصارتها مع تقليل استخدام الماء. كما تُظهر كتب الحسبة أن الطاجن كان يُحضّر في المنازل ثم يُنقل إلى الأفران العمومية، ما جعله جزءا من الحياة اليومية للمدينة الإسلامية، قبل أن ينتقل من مطابخ النخبة إلى مختلف الطبقات الاجتماعية.

الكسكس

يحتل الكسكس مكانة مركزية في المطبخ المغربي، بوصفه طعاما يوميا وطبق مناسبات في آن واحد. وعلى خلاف كثير من الأكلات التراثية التي يصعب تتبع جذورها، يتميز الكسكس بميزة نادرة: حضوره الواضح في مصادر تاريخية وجغرافية وطهوية منذ القرون الوسطى، ما يسمح بقراءة تطوره بعيدا عن السرديات الشفوية أو التأويلات الحديثة.

الكسكس في وصف المؤرخين والجغرافيين

يقدّم المؤرخ عبد الرحمن ابن خلدون (القرن 14م) واحدة من أهم الإشارات المبكرة إلى نمط الغذاء في المغرب. ففي كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، يصف اعتماد سكان المغرب والبربر على الحبوب المفتولة المطهوة على البخار، والمقدمة مع المرق واللحم. ورغم أن ابن خلدون لا يثبت تسمية واحدة للطبق، فإن وصفه يتطابق بدقة مع تقنية إعداد الكسكس، ويؤكد أنه كان غذاء شائعا ومستقرا في المجتمع المغربي.

وتتكرر هذه الصورة عند جغرافيين سابقين، مثل أبي عبيد البكري (القرن 11م) والشريف الإدريسي (القرن 12م)، اللذين قدّما أوصافا لطرق عيش سكان شمال أفريقيا، وأشارا إلى أطعمة قائمة على الحبوب، تُحضّر بطرق تعتمد على التفوير، وتُقدّم مع إضافات بسيطة من المرق أو الدهن. ورغم غياب التسمية التقنية أحيانا، فإن هذه النصوص تؤكد رسوخ هذا النمط الغذائي في المنطقة.

التدوين الطهوي: ذكر الاسم ووصف الطريقة

يمثل مخطوط “الطبيخ في المغرب والأندلس”، المؤلف في القرن 12–13م (ومجهول المؤلف)، محطة أساسية في تاريخ الكسكس. فهذا المصدر يُعد أقدم نص طهوي معروف يذكر الكسكس بالاسم الصريح، ويصف طريقة إعداده من تفوير السميد وتقديمه مع اللحم والمرق.

وتكشف هذه الوصفة أن الكسكس، في هذه المرحلة، لم يكن تجربة جديدة أو طعام فقراء فقط، بل طبقا معروفا ومستقرا داخل مطبخ الغرب الإسلامي، وقادرا على التكيف مع اختلاف الطبقات الاجتماعية بحسب نوع المكونات المصاحبة له.

الكسكس في العصر الحديث المبكر

في القرن السادس عشر، يقدم الرحالة الحسن الوزان، المعروف في أوروبا باسم ليون الإفريقي، شهادة دقيقة في كتابه وصف إفريقيا. يذكر الوزان الكسكس بوصفه الطعام الأكثر انتشارا في المغرب، ويؤكد أنه يُحضر من دقيق القمح، ويُطبخ في وعاء مثقب بالبخار، ويقدم لعامة الناس وخواصهم على السواء.

وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها صادرة عن مراقب خارجي عاش في المغرب وتنقل بين مدنه، ما يمنح وصفه قيمة توثيقية عالية، ويؤكد أن الكسكس كان قد بلغ، في هذه الفترة، مرتبة الطبق الجامع الذي لا يقتصر على فئة أو منطقة بعينها.

رفيق الولائم والمناسبات

تكشف هذه المصادر أن الكسكس لم يكن وصفة جامدة، بل صيغة غذائية مرنة. فقد قُدّم أحيانا مع اللحم في الولائم والمناسبات، وأحيانا أخرى مع الحليب أو البقول في الحياة اليومية. هذا التنوع لا يعكس اختلافا في هوية الطبق، بل قدرته على التكيف مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية، دون المساس بأساسه التقني القائم على تفوير الحبوب.

كما يظهر الكسكس في كتب الفقه والعادات المغربية في سياق الولائم الجماعية، والصدقات، ووجبات يوم الجمعة، ما يرسخه كعنصر من عناصر التنظيم الاجتماعي، لا مجرد طعام للاستهلاك الفردي.

الحريرة

وتُعد “الحريرة” اليوم من أكثر الأطباق ارتباطا بالمائدة الرمضانية في المغرب، غير أن هذا الحضور الشعبي يخفي مسارا تاريخيا أطول، تشكّل عبر تطور تقنيات الطهي، وتغير أنماط التغذية، والتصورات الطبية للغذاء.

يرتبط اسم “الحريرة” في أصله بالقوام الملمسي، لا بقائمة مكونات ثابتة. ففي المخطوطات المشرقية الوسيطة، لا تظهر الحريرة بوصفها طبقا مغربيا محددا، بل تُستخدم الكلمة كمقياس لزوجة السوائل والأطعمة. ويقدم كتاب كنز الفوائد في تنويع الموائد (القرن 14م) مثالا واضحا على هذا الاستخدام، إذ يرد فيه وصف لبعض الأشربة الطبية بعد “ضربها” حتى تبلغ “قوام الحريرة الشديدة”. ويؤكد هذا أن المصطلح كان يدل على التماسك والكثافة قبل أن يستقر اسما لطبق بعينه.

ويتقاطع هذا المعنى مع التقنية المعروفة في المغرب باسم “التدويرة”، أي ربط الحساء بإضافة الدقيق المذاب في الماء في أواخر الطهي، وهي خطوة تمنح الحريرة قوامها المخملي المميز.

في الغرب الإسلامي، تكشف كتب الطبيخ الأندلسية والمغاربية عن تطور واضح في مكانة الحساء، من كونه طعاما للإشباع إلى طبق يُحضر بعناية ضمن المائدة الحضرية. ويظهر ذلك بجلاء في كتاب “فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان” لابن رزين التجيبي (القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي)، حيث يورد المؤلف وصفات لأحساء مصفاة تُحضّر من الشعير أو الدقيق، ويُعنى فيها بضبط القوام ونعومة الملمس، وتُقدّم في سياق يعكس ذوق المدن الأندلسية والمغاربية. ورغم أن ابن رزين لا يذكر “الحريرة” بالاسم، فإن هذه الوصفات تشترك معها في الأساس التقني القائم على تصفية الحساء وربطه للوصول إلى قوام متماسك.

وفي موازاة ذلك، تقدم كتب الطب في الحضارة الإسلامية إطارا تفسيريا لاختيار هذا النوع من الأطعمة. ففي مؤلفات ابن سينا والرازي، تُصنّف الحساءات الكثيفة ضمن الأغذية سهلة الهضم، والمناسبة لفترات الصيام والنقاهة، لما توفره من سوائل وطاقة في آن واحد. ولا ترد الحريرة في هذه المؤلفات بوصفها طبقا بعينه، غير أن توصيفها الغذائي يتقاطع بوضوح مع طبيعة هذا الحساء، وهو ما يفسر ارتباطه لاحقا بوجبة الإفطار في شهر رمضان.

أما اللون الأحمر الذي يميز الحريرة في صورتها المعاصرة، فيُعد إضافة متأخرة في تاريخ الطبق. فالمصادر التاريخية تشير إلى أن الحساء في المغرب والأندلس كان يلون تقليديا بالكركم أو الزعفران، وتكتسب طعمها الحامض من التخمر الطبيعي أو الخميرة البلدية. ولم تدخل الطماطم إلى المطبخ المغاربي إلا بعد انتشارها في المنطقة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، عقب انتقالها من العالم الجديد، لتصبح لاحقا عنصرا أساسيا في النسخة الحديثة من الحريرة.

السلو

يُعد السلو، المعروف أيضا باسم السفوف، من الأطعمة التقليدية المرتبطة بالمائدة الرمضانية في المغرب. غير أن هذا الارتباط الاحتفالي يخفي وراءه تاريخا أقدم، يعود إلى أنماط غذائية ظهرت في المشرق والمغرب ضمن ما يُعرف بالأطعمة الجافة عالية الطاقة، التي استُخدمت للسفر الطويل وفترات الحاجة.

القاووت في كتب الطبيخ المشرقية

تذكر كتب الطبيخ في العصر المملوكي، وعلى رأسها كتاب كنز الفوائد في تنويع الموائد (القرن 14م)، صنفا غذائيا يُعرف باسم القاووت. ويُقدّم القاووت في هذه المصادر بوصفه طعاما جافا يعتمد على الحبوب المحمصة المطحونة، ويُخلط بالسكر أو العسل وأحيانا بالمكسرات، ويتميز بقدرته على الحفظ وسهولة الحمل، ما يجعله مناسبا للسفر الطويل.

وتشير هذه النصوص إلى تعدد أنواع القاووت، بعضها بسيط للاستعمال اليومي، وبعضها أكثر غنى ودسامة يُحضّر بإضافة السمن والزيوت العطرية، ويُقدّم في سياقات احتفالية أو لدى الطبقات الميسورة والثرية، ما يدل على مرونة هذا الصنف الغذائي وقدرته على التكيف مع مستويات اجتماعية مختلفة.

تطور الصيغة المغربية

في المغرب، تطورت صيغة غذائية تجمع بين خصائص القاووت بوصفه طعاما مشبعا، ومفهوم السفوف بوصفه مسحوقا جافا سهل الاستهلاك. ويبدو أن هذه الصيغة استقرت تدريجيا لتشمل الدقيق المحمص، واللوز، والسمسم، والعسل أو السكر، مع إضافات عطرية، لتشكّل ما يُعرف اليوم باسم السلو.

من الغذاء الوظيفي إلى الطقس الاجتماعي

مع مرور الزمن، انتقل السلو من كونه غذاء عالي الطاقة إلى عنصر ثابت في الطقوس الرمضانية بالمغرب. وقد ساعدت خصائصه، مثل طول مدة حفظه وسهولة تحضيره واستهلاكه، على ترسيخ حضوره في المناسبات الدينية، دون أن يفقد وظيفته الأساسية كمصدر غني بالطاقة.