د. عبد الإله الخضري، باحث أكاديمي وناشط حقوقي مغربي
أفريقيا برس – المغرب. لم تعد المواجهة الجارية بين أمريكا والكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى مجرد صراع إقليمي محدود، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لتحولات ميزان القوى في النظام الدولي، وللقدرة على فرض معادلات ردع جديدة في الشرق الأوسط. فالمراقب بعمق للحرب الصهيوأمريكية على إيران لا يمكن أن يرى فيها جولة عسكرية عابرة، وإنما لحظة تحوّل جيواستراتيجي قد تعيد رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط. اتجاه البوصلة المركزية فيه يشير إلى أن تحرير فلسطين ممكن، وأن مسار الأحداث منذ “طوفان الأقصى” فتح دينامية جديدة تُقاس بمنطق التكيّف طويل الأمد وليس بمنطق الضربة الخاطفة.
ثمة ستة محددات تحيلنا إلى هذا الاستنتاج، أوردها على النحو التالي:
أولاً: إنها حرب التكيّف وليست حرب الصدمة
إن المواجهة بين إيران وأمريكا بإيعاز ومشاركة من إسرائيل ليست حرب ضربة قاضية تُحسم في أيام أو أسابيع، بل هي حرب تكيّف طويلة النفس، تُقاس فيها النتائج بقدرة كل طرف على الصمود وإعادة تنظيم موارده تحت الضغط. فإيران، بحكم امتدادها الجغرافي الواسع، وكتلتها السكانية الكبيرة، وطبيعة دولتها المتجذّرة تاريخياً، تمتلك هامشاً أوسع لامتصاص الصدمات. الضربات العسكرية، مهما بلغت شدتها، قد تُحدث أضراراً مادية أو بشرية، لكنها لا تُفضي تلقائياً إلى خلخلة ديمغرافية أو انهيار وجودي سريع؛ لأن البنية المجتمعية والسياسية لا تقوم على توازنات هشة أو هجرة عكسية محتملة عند أول اختبار أمني كبير.
في المقابل، تبدو إسرائيل أكثر حساسية تجاه الحروب الممتدة، ليس فقط عسكرياً بل ديمغرافياً واقتصادياً. فالمجتمع الإسرائيلي مرتبط بديناميات هجرة واستثمار وثقة بالبيئة الأمنية، وأي اضطراب واسع أو طويل الأمد قد ينعكس مباشرة على قرار البقاء أو المغادرة، وعلى تدفق رؤوس الأموال، وعلى قدرة السوق على العمل بصورة طبيعية. هنا لا يصبح التهديد مقتصراً على الجبهة العسكرية، بل يمتد إلى سؤال الاستقرار الداخلي وإدارة الاقتصاد والخدمات في ظل توتر دائم.
وعليه، فإن ميزان هذه الحرب – وفق هذا الطرح – لا يُقاس بعدد الصواريخ أو حجم الغارات، بل بمدى قدرة كل طرف على تحمّل الاستنزاف، والمحافظة على تماسك جبهته الداخلية، وإدارة موارده بكفاءة تحت ضغط مستمر. ومن هذا المنظور تحديداً، يرى أصحاب هذا التحليل أن كفة التكيّف تميل لصالح طهران؛ لأنها تخوض معركة الصبر والقدرة على الاحتمال أكثر مما تخوض معركة الحسم السريع.
ثانياً: الأثر السياسي الداخلي
لا يقتصر تأثير الحرب على ساحات القتال، بل يمتد عميقاً إلى البنية السياسية والاجتماعية لكل طرف. ففي النظم ذات الطابع التعبوي، تميل المواجهة الخارجية إلى إنتاج حالة من الالتفاف الوطني حول السلطة، إذ يتحول الخطر الخارجي إلى عنصر توحيد يعيد ترتيب الأولويات ويؤجل التناقضات الداخلية.
في حالة إيران، يُفترض أن التهديد المباشر يعزز منطق “الدفاع عن الوطن” ويخلق مساحة مشتركة حتى بين المؤيدين والمعارضين، بحيث تتراجع حدة الصراعات السياسية والاجتماعية أمام أولوية الصمود في وجه العدو. فالإحساس بالاستهداف الوجودي غالباً ما يمنح النظام هامش شرعية إضافياً، ويؤجل – ولو مؤقتاً – مطالب التغيير الداخلي.
في المقابل، تبدو الصورة أكثر تعقيداً في إسرائيل، حيث تتسم الحياة السياسية بتعدد تياراتها وتباين رؤاها الأمنية والاستراتيجية. الحرب، خصوصاً إذا طالت مدتها أو عجزت عن تحقيق أهداف واضحة ومعلنة، قد تتحول من عامل توحيد إلى عامل انقسام، فتتصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة، وبين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية، بل وداخل المجتمع نفسه حول جدوى الخيارات المتبعة وتكلفتها. ومع كل إخفاق أو تأخر في الحسم، يتزايد الضغط الشعبي والمساءلة السياسية.
وعليه، فإن الصراع لا يُختزل في ميزان القوة العسكرية فحسب، بل يشكل اختباراً حقيقياً لصلابة العقد الاجتماعي لدى كل طرف: إلى أي مدى يستطيع النظام الحفاظ على تماسك جبهته الداخلية؟ وإلى أي حد يمكن للمجتمع تحمّل كلفة الحرب دون أن تتآكل ثقته بمؤسساته؟ هنا يتحدد جزء كبير من مآلات المواجهة، بعيداً عن ضجيج الميدان.
ثالثاً: شبكة التحالفات – من يحتاج مَن؟
لا يمكن فهم مآلات هذا الصراع من دون التوقف عند شبكة التحالفات المحيطة به؛ فالحرب هنا ليست مواجهة ثنائية معزولة، بل عقدة تتقاطع فيها مصالح قوى كبرى وإقليمية. والسؤال الجوهري ليس فقط: مَن يدعم مَن؟ بل: مَن يحتاج إلى بقاء الآخر أكثر؟ إذ إن وزن كل طرف في معادلة التحالفات يُقاس بمدى تأثير سقوطه أو صموده على البنية الجيوسياسية الأوسع.
في هذا السياق، تبرز آسيا، لا بوصفها هامشاً بعيداً، بل كعمق استراتيجي حاسم في توازنات الشرق الأوسط، حيث تتقاطع حسابات الطاقة والتجارة والممرات البحرية ومشاريع التعددية القطبية.
الصين – شراكة المصالح الاقتصادية كركيزة في معادلة الصمود الإيراني: تمثل الصين حجر زاوية في هذا التحليل؛ فالعلاقة بينها وبين إيران لا تقوم على اعتبارات أيديولوجية بقدر ما ترتكز على حسابات استراتيجية واقتصادية واضحة. فبكين تُعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، إذ استحوذت سنة 2025 على أكثر من 80% من صادراته المنقولة بحراً، ما جعلها شرياناً اقتصادياً مهماً لطهران في ظل العقوبات الغربية. كما عززت اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الممتدة لـ25 عاماً، الموقعة سنة 2021، هذا الارتباط عبر مشاريع استثمارية في مجالات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات، بما يربط الاقتصاد الإيراني تدريجياً بمبادرات الصين الكبرى.
كما أن انضمام إيران إلى مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون يضعها ضمن الفضاء الجيوسياسي الذي تسعى بكين إلى ترسيخه كجزء من نظام دولي أكثر تعددية. ومن هذا المنظور، فإن سقوط النظام في طهران لصالح نظام موالٍ للغرب لن يكون مجرد تحول داخلي، بل ضربة محتملة لمشروع تقليص الهيمنة الأمريكية.
ومع ذلك، تميل الصين تقليدياً إلى تجنب الانخراط العسكري المباشر، مفضلة ما يمكن وصفه بـ “الدعم الحذر”: إسناد اقتصادي مستمر، وحماية دبلوماسية في المحافل الدولية، مع تجنب مواجهة مفتوحة قد تهدد استقرار أسواق الطاقة التي تعتمد عليها بكين نفسها.
روسيا – شريك استراتيجي دون تحالف عسكري مباشر: تنظر روسيا إلى إيران باعتبارها شريكاً مهماً في سياق رؤيتها لنظام دولي متعدد الأقطاب، لا سيما بعد الحرب في أوكرانيا وما ترتب عليها من قطيعة عميقة مع الغرب. فقد تعزز التقارب بين موسكو وطهران خلال السنوات الأخيرة، حيث زودت إيران روسيا بمسيّرات “شاهد”، وساعدتها في تطوير آليات للالتفاف على العقوبات الغربية، بما عزز من منطق التعاون في مواجهة الضغوط الأمريكية والأوروبية.
غير أن هذا التقارب، على أهميته، لا يرقى إلى مستوى تحالف عسكري ملزم. فمعاهدة الشراكة الاستراتيجية الموقعة في يناير 2025 لا تتضمن بند دفاع مشترك يُلزم أحد الطرفين بالتدخل العسكري المباشر إذا تعرض الآخر لهجوم. كما أن حجم التبادل التجاري بين البلدين، الذي يدور في حدود 4 إلى 5 مليارات دولار، يظل متواضعاً مقارنة بعلاقات موسكو الاقتصادية مع قوى أخرى.
يضاف إلى ذلك أن انخراط روسيا العميق في الحرب الأوكرانية يستنزف جزءاً كبيراً من قدراتها العسكرية واللوجستية، ويجعل فتح جبهة مباشرة جديدة أمراً مكلفاً ومحفوفاً بالمخاطر. ومن ثم، فإن موسكو تميل إلى تقديم دعم دبلوماسي وتعاون عسكري–تقني محسوب، من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة واسعة النطاق.
الخلاصة أن إيران بالنسبة لروسيا شريك استراتيجي لا يمكن التفريط به بسهولة، وسقوطها سيُعد خسارة جيوسياسية مؤلمة، لكنها في الوقت نفسه ليست أولوية وجودية تدفع الكرملين إلى خوض حرب شاملة دفاعاً عنها – على الأقل في موازين الظرف الراهن.
باكستان والهند – معادلة الردع النووي في جنوب آسيا: في جنوب آسيا، لا يُقرأ ما يجري في إيران بمعزل عن معادلة الردع بين باكستان والهند. فإسلام آباد تنظر بقلق إلى أي احتمال لقيام نظام إيراني موالٍ للغرب قد ينسج علاقات أوثق مع نيودلهي، في ظل حكومة هندية تُعدّ خصماً استراتيجياً لباكستان وشريكاً متنامياً للولايات المتحدة وإسرائيل في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والأمن.
تقارب كهذا قد يضع باكستان أمام ضغط جيوسياسي مزدوج: من الشرق خصمها التقليدي الهند، ومن الغرب إيران، بما يحدّ من هامش المناورة الباكستاني إقليمياً. كما أن أي إعادة تموضع إيراني في هذا الاتجاه قد تؤثر في مشاريع الطاقة والممرات الاقتصادية، خصوصاً تلك المرتبطة بالمحيط الهندي وبالتوازنات في بحر العرب.
الأهم من ذلك أن المعادلة النووية في جنوب آسيا تقوم على توازن دقيق وحساس. فإذا شعرت باكستان بأن البيئة الإقليمية تميل لمصلحة الهند نتيجة تحولات في طهران، فقد يدفعها ذلك إلى إعادة حساباتها الدفاعية، سواء على مستوى الانتشار أو التحالفات أو تطوير القدرات. ومن هنا، فإن بقاء إيران خارج المدار الغربي الكامل لا يُعد مسألة بعيدة عن حسابات إسلام آباد، بل يدخل ضمن تصور أوسع لتفادي اختلال استراتيجي قد يمسّ توازن الردع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية نووياً.
الولايات المتحدة وأوروبا: تظل الولايات المتحدة الداعم الاستراتيجي الأول لإسرائيل، سواء من حيث التفوق العسكري النوعي أو الغطاء السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية. غير أن هذا الدعم، رغم قوته، تصطدم حدوده بالخبرة التاريخية القريبة لواشنطن. فتجربتا العراق وأفغانستان تركتا أثراً عميقاً في الوعي الاستراتيجي الأمريكي، وأعادتا تعريف كلفة التدخلات البرية الواسعة في الشرق الأوسط، بشرياً ومالياً وسياسياً.
في هذا السياق، يبدو خيار الغزو البري الشامل لإيران شبه مستحيل في الظروف الراهنة، ليس فقط بسبب الكلفة العسكرية المتوقعة في مواجهة دولة كبيرة ذات قدرات صاروخية وشبكات حلفاء إقليميين، بل أيضاً بسبب المزاج الداخلي الأمريكي الذي لم يعد متقبلاً لحروب مفتوحة طويلة الأمد. وبالتالي، يظل التدخل – إن حصل – مرجحاً في حدود الدعم الجوي، واللوجستي، والاستخباراتي، وربما الضربات المحدودة، دون الانخراط في احتلال مباشر.
أما أوروبا، فرغم اصطفافها السياسي العام إلى جانب إسرائيل، فإن قدرتها على لعب دور عسكري حاسم تبقى مقيدة بأزماتها الاقتصادية، وانقساماتها السياسية الداخلية، واعتمادها الكبير على الاستقرار الطاقي. ومن غير المرجح أن يتجاوز دورها نطاق الإسناد الجوي المحدود أو الدعم الاستخباراتي واللوجستي، دون التورط في مواجهة مفتوحة واسعة.
وتاريخياً، أثبتت تجارب متعددة أن تغيير الأنظمة لا يتحقق عبر القصف الجوي وحده، مهما بلغ من كثافة ودقة، بل يتطلب احتلالاً برياً واسعاً وإعادة هندسة سياسية على الأرض. وهذا السيناريو، بكل ما يحمله من كلفة بشرية ولوجستية واستراتيجية، يبدو في اللحظة الراهنة بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستبعداً. ومن هنا، فإن سقف التدخل الغربي – رغم ضخامته التقنية – يظل محكوماً بحدود الإرادة السياسية وحسابات الكلفة والمخاطر.
رابعاً: معادلة الانتصار والهزيمة
في هذا التصور، لا يُقاس الانتصار بمعناه التقليدي المرتبط بعدد الأهداف المقصوفة أو حجم الخسائر الميدانية، بل بمدى تحقيق الأهداف السياسية الكبرى التي قامت الحرب من أجلها. فبالنسبة إلى إسرائيل، لا يكفي إلحاق أذى عسكري بإيران أو تدمير منشآت محددة؛ إذ إن الانتصار الحقيقي – وفق هذا المنطق – يتطلب إما إسقاط النظام في طهران واستبداله بترتيب سياسي جديد موالٍ للغرب، أو تحييد قدراته الاستراتيجية تحييداً دائماً، بما يشمل بنيته الصاروخية وشبكة تحالفاته الإقليمية. غير أن هذين الهدفين يبدوان بالغَي الصعوبة من دون تدخل بري شامل يعيد تشكيل الواقع على الأرض، وهو خيار مكلف سياسياً وعسكرياً إلى حد يجعل احتماله ضعيفاً في الظرف الراهن.
في المقابل، تختلف معادلة “الانتصار” الإيراني جذرياً. فهي لا تقوم على إسقاط خصمها أو احتلال أراضٍ، بل على الصمود ومنع الخصم من تحقيق أهدافه القصوى. فطالما حافظت طهران على بنيتها السياسية والعسكرية، وأفشلت مساعي تغيير النظام أو تفكيك قدراتها الاستراتيجية، فإنها تكون قد حققت مكسباً فعلياً في ميزان القوة. هنا يصبح عدم الخسارة بمثابة ربح استراتيجي؛ لأن بقاء الدولة متماسكة يعني تثبيت موقعها الإقليمي وإثبات قدرتها على امتصاص الضربات.
وهكذا، تتحول الحرب إلى اختبار إرادات أكثر منها سباق نيران؛ حيث يُقاس التفوق بقدرة كل طرف على فرض شروطه النهائية، لا بمجرد التفوق التكتيكي في لحظة معينة.
خامساً: فلسطين كعنوان مركزي للصراع
لا يمكن فهم هذه المواجهة في بعدها الاستراتيجي دون استحضار الموقع الذي تحتله القضية الفلسطينية في التصور الإقليمي لإيران. فمنذ الثورة الإيرانية سنة 1979، جعلت طهران من دعم فلسطين ركناً أساسياً في سياستها الخارجية، باعتباره مدخلاً لتعزيز حضورها الإقليمي ولمواجهة التفوق الإسرائيلي في المنطقة.
وفي هذا السياق برز ما يُعرف بـ “محور المقاومة”، وهو شبكة من القوى الإقليمية التي تتقاطع – بدرجات متفاوتة – حول هدف الحد من النفوذ الإسرائيلي وخلق معادلة ردع متعددة الجبهات. ويقوم هذا المنطق على توزيع الضغط جغرافياً بحيث لا تبقى المواجهة محصورة في ساحة واحدة.
ضمن هذه المعادلة، اكتسبت غزة موقعاً خاصاً في ميزان الصراع، إذ تحولت بعد “طوفان الأقصى” إلى إحدى العقد المركزية في التوازنات الإقليمية. ولذلك فإن مآلات الحرب لن تؤثر فقط في ميزان القوة بين إيران وإسرائيل، بل قد تنعكس أيضاً على مستقبل المقاومة الفلسطينية وعلى طبيعة الترتيبات السياسية والأمنية التي قد تتشكل في القطاع خلال المرحلة المقبلة.
سادساً: حدود هذا الطرح
على الرغم من القوة التعبوية التي يصبو إليها هذا التحليل، فإنه يظل عرضة لاختبارات صعبة مع مرور الزمن. فالرؤية التي تراهن على قدرة إيران على الصمود تفترض ضمناً أن الجبهة الداخلية ستبقى متماسكة تحت ضغط مزدوج: عقوبات اقتصادية ممتدة وضغوط عسكرية متصاعدة. غير أن التجارب التاريخية تُظهر أن المجتمعات، مهما بلغت درجة تعبئتها الوطنية، ليست كيانات صلبة إلى ما لا نهاية؛ إذ يمكن لتراكم الأعباء المعيشية، وارتفاع كلفة الاستنزاف، وتراجع الآفاق الاقتصادية أن يُحدث تحولات تدريجية في المزاج العام، قد لا تظهر دفعة واحدة لكنها تتبلور ببطء مع الزمن.
كما يطرح هذا التصور سؤالاً دقيقاً حول حدود ما يمكن أن تقدمه كل من الصين وروسيا. فالدولتان معنيتان استراتيجياً بعدم انهيار إيران، لما يمثله ذلك من خلل في مشروع التعددية القطبية، لكنهما في الوقت ذاته حريصتان على تجنب انزلاق مباشر إلى مواجهة شاملة مع الغرب قد تجرّ إلى تصعيد دولي واسع النطاق. إن إدارة هذا التوازن بين الدعم والحذر ليست معادلة ثابتة، بل عملية دينامية تخضع لتقلبات السياق الدولي، وأسعار الطاقة، وموازين القوى في ساحات أخرى كأوروبا الشرقية وآسيا–المحيط الهادئ.
أما على المستوى الإقليمي، فإن السؤال الأعمق يتعلق بقدرة الشرق الأوسط ذاته على تحمّل حرب استنزاف طويلة دون أن يتحول التوتر إلى انفجار شامل. فالمنطقة تعيش أصلاً فوق طبقات من الأزمات المتراكمة، من نزاعات مسلحة إلى هشاشة اقتصادية وتوترات اجتماعية. وأي تصعيد واسع قد يطلق تفاعلات متسلسلة يصعب احتواؤها، بما يضر بالحلفاء والخصوم على حد سواء.
هذا التحليل قد يلفت الانتباه إلى حقيقة واقعية مفادها أن إسقاط أنظمة كبرى ليس عملية سهلة، وأن الحروب المعاصرة نادراً ما تُحسم بضربة واحدة حاسمة. غير أنه في المقابل يفترض قدراً من ثبات الإرادات السياسية واستقرار شبكات التحالف، وكأنها معطيات لا تتغير. والحال أن الإرادات قد تتبدل تحت ضغط الداخل، وأن التحالفات نفسها قابلة لإعادة التموضع وفق المصالح المتغيرة. من هنا، تكمن قوة هذا الطرح في منطقه الاستراتيجي المتماسك، لكن حدوده تتكشف عند إخضاعه لاختبار الزمن وتحولات البيئة الدولية.
خلاصة المقال:
نحن أمام لحظة إقليمية مفصلية قد تعيد رسم خرائط النفوذ ومعادلات القوة في الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة. فما يجري من عدوان صهيوأمريكي على إيران ليس مواجهة تقليدية، بل شكل من حرب الاستنزاف الاستراتيجية متعددة الساحات، والتي تجمع بين الضربات المباشرة والعمليات غير المتماثلة.
فإذا تمكنت إيران من الصمود ومنع خصومها من تحقيق أهدافهم القصوى، فإن ذلك سيعزز موقع المعسكر الداعي إلى التعددية القطبية، سيرسخ معادلة ردع جديدة تُعيد توزيع موازين القوة في الإقليم. أما إذا تحقق تغيير جذري في طهران، فإن المنطقة ستدخل طوراً مختلفاً تماماً، عنوانه إعادة تشكيل عميقة قد تمتد آثارها إلى العراق واليمن ولبنان وفلسطين، مع ما يحمله ذلك من تحولات في طبيعة التحالفات وأوزان الفاعلين المحليين والإقليميين.
إنها، في جوهرها، ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل صراع على شكل النظام الإقليمي ذاته: هل يستمر نموذج أحادي القطبية تقوده الولايات المتحدة، أم يتكرس نظام متعدد الأقطاب تتقاسمه قوى دولية كبرى وفق توازنات جديدة؟
أما الحديث عن “قرب التحرير” أو “حتمية الانتصار”، فيبقى رهين عامل واحد حاسم: قدرة الفاعلين على تحويل الشعارات إلى توازنات قوة مستدامة، وعلى إدارة الصراع بعقل استراتيجي طويل النفس، بدل الاكتفاء بلحظة اندفاع عاطفي تشتد في زمن الحرب ثم تخبو آثارها مع تبدل الظروف.
لذلك فإن المرحلة القادمة لن تحدد فقط مآلات الصراع الإيراني – الصهيوني، بل قد ترسم أيضاً ملامح النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط.





