عزالدين سر، كاتب مغربي
أفريقيا برس – المغرب. على ضوء تطورات الأحداث التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، بسبب الحرب الجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فإنها تنذر بأزمة طاقية حادة تلوح في الأفق، نظرا لما تمثله المنطقة من أهمية جيوسياسية وجيواستراتيجية على مستوى خارطة الطاقة العالمية، والتي تظم أكبر الاحتياطات من النفط والغاز، وأي توتر عسكري بها، وإن كان إقليميا، فإنه يعرقل سلاسل الإمدادات ويساهم في اضطراب الأسواق العالمية، وتبقى هذه الحرب مفتوحة على جميع الاحتمالات، والتي تجاوزت الخطوط الحمراء التي ميزت الصراع الأمريكي- الإيراني لسنوات، ويمكن أن تخرج عن السيطرة، إذا ما انضمت قوى أخرى حليفة للولايات المتحدة كبريطانيا من جهة، وبعض الدول الحليفة لإيران، من جهة أخرى، بصفة غير مباشرة، مع وجود شبكة واسعة من الحركات والأذرع العسكرية غير النظامية بمختلف دول الجوار الموالية لطهران، يجعل ردها يمتد على نطاق إقليمي يشمل البنية التحتية وممرات الطاقة والملاحة البحرية في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط.
ولخلط أوراق الحرب لجأت إيران إلى استغلال مجموعة من التكتيكات العسكرية، من بينها إغلاق مضيق هرمز، ومنع السفن المارة عبره، واستهداف البعض منها، ما دفع شركات الشحن الكبرى لتعليق عملياتها بهذا الممر الاستراتيجي، إضافة إلى ضرب البنية التحتية للطاقة بمختلف دول المنطقة، ما يؤشر على بوادر أزمة طاقية أكثر خطورة من تلك التي شهدها العالم سنة 2022 بسبب الحرب الروسية – الأوكرانية. يمكن استعراض أسبابها وتأثيراتها في النقط التالية:
أولا: يبقى إغلاق مضيق هرمز، الذي يعتبر شريان اقتصادي عالمي، كسلاح استراتيجي بيد النظام الإيراني، سببا مباشرا في الارتفاع الحاد المرتقب في سعر النفط والغاز، حيث تمر عبره 11 بالمائة من التجارة الدولية، منها ربع النفط العالمي المنقول بحرا، ما يعادل 20 مليون برميل يوميا، وخمس إمدادات الغاز المسال عالميا معظمه من قطر، والمتجه إلى الأسواق الأسيوية، كالصين والهند، وكذلك الأسواق الأوروبية، إضافة إلى الأسمدة والمعادن النادرة، التي تمر عبر المضيق، وأن تغيير مسار الملاحة يؤدي إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين وكذلك المضاربات، علما أن ارتفاع الأسعار لا يتأثر فقط بتوقف وتعطيل الإمدادات، بل بمجرد التنبؤ بحدوث اضطراب على مستوى العرض والطلب.
ثانيا: من العوامل الأخرى المباشرة لهذه الأزمة، التي تلوح في الأفق، استهداف المنشآت الطاقية، بدول الخليج وكذلك داخل إيران، بضرب المصافي والخزانات والموانئ وخطوط الأنابيب، سواء من طرف الدول المتحاربة أو من طرف الخلايا المتحالفة مع إيران المنتشرة بالمنطقة، كالهجوم الذي تعرضت له مصفاة نفط تابعة لشركة أرامكو السعودية بطائرة مسيرة، وتعرض الحقول النفطية بالعراق للاستهداف، كما أعلنت “قطر للطاقة” عن توقف إنتاج الغاز المسال، علما أن قطر تعتبر من أبرز المنتجين والمصدرين بنسبة 20 بالمائة من الإنتاج العالمي، إضافة إلى الهجمات السبرانية التي تعرضت لها البنية التحتية الرقمية بدول المنطقة، وهو ما سيخلق نقصا حادا في الإنتاج والتصدير، من الصعب تعويضه، في ظل بيئة إقليمية تتجه لمزيد من التوتر.
ثالثا: إن تداعيات الحرب الحالية لن تقتصر فقط على ارتفاع أسعار النفط والغاز، بل ستمتد لتشمل جميع القطاعات الحيوية الأخرى، كالصناعة والنقل والكهرباء، والبيئة وكذلك الغذاء لارتباطه بالأمن الطاقي. الوضع الذي يمكنه أن يؤدي إلى تضخم عالمي، في حالة استمرار تلك الحرب لعدة أسابيع. ما سيؤثر بشكل كبير ليس فقط على الدول المنتجة للطاقة بالشرق الأوسط، بل كذلك على الدول المستوردة لها، خاصة تلك التي تفتقر لمخزونات استراتيجية وبدائل طاقية أخرى، كالمغرب الذي لن يبقى بمنأى من هذه التداعيات، لارتباطه المباشر بالأسواق الدولية، من خلال تبعية طاقية تصل اليوم ل87.5 بالمائة، وفي ظل غياب مخزون استراتيجي طويل الأمد، قادر على التخفيف من تلك الصدمات الطاقية، واستمرار إغلاق محطة التكرير سامير، والتي كانت تضمـن حوالـي 64 بالمائة مـن حاجيـات السـوق الوطنيـة من المـواد المكـررة، ما سيرفع من الفاتورة الطاقية للبلاد إلى أرقام قياسية قد تتجاوز 150 مليار دولار، وهي الفاتورة التي سيدفعها المستهلك المغربي، كضريبة لحذف صندوق المقاصة وتحرير الأسعار.
ختاما، فإن استمرار الحرب وتوسعها، والإعلان عن إغلاق مضيق هرمز من طرف الحرس الثوري الإيراني، وتعرض المنشآت الطاقية للاستهداف بمختلف دول الجوار، سيضع العالم أمام أسوأ سيناريو لأسواق الطاقة، سيؤدي لأسعار قياسية للنفط قد تصل ل150 دولار للبرميل، وارتفاع سعر الغاز، الذي بدأت بوادره بالدول الأوروبية بزيادة تجاوزت 30 بالمائة، منذ بداية هذه الحرب، ولن تقتصر تلك التداعيات على القطاع الطاقي، بل ستشمل تحولات جيوسياسية مهمة، من خلال إعادة تشكيل موازين القوة والتحالفات بمنطقة الشرق الأوسط، وانعكاسات اقتصادية وإنسانية وبيئية خطيرة. فهل ستدفع الدول ثمن تأخرها في عملية التحول الطاقي، الذي كان بإمكانه أن يحميها من تلك الصدمات الطاقية؟





