عبد القادر الشاوي، كاتب ودبلوماسي مغربي
تابعتُ، في أحوالي من الحزن والألم والغضب، هذا الخزّان من اليأس، مثلما تابع غيري، منظر ذلك الحشد الرهيب بمختلف صوره الموثقة والمثيرة للفجيعة الذي وصل إلى المعبر الحدودي في الشمال المغربي، بين الفنيدق وسبتة، بمختلف الطرق والوسائل والإمكانات التي أتيحت لأفراده من النساء والرجال والأطفال، وبينهم رُضّع سابحون فوق الماء. فاقتحموا، في جنون وفوضى، جميع الأبواب الحديدية المشرّعة تحت أنظار متعبة، وتخلّوا عن جميع الأوهام التي شحنتهم في المغرب بالوعود المعسولة حين وطئوا تلك الأرض المحلوم بها. من يستطيع الجزم بأنّ لأولئك الشباب الحلم الوطني نفسه الذي يفترض، افتراضاً تاريخياً، أنّ سبتة أرض محتلّة، وأنّها توجد منذ القرن الخامس عشر الميلادي غريبةً في مرمى التحرير المتصوَّر؟
كان من الظاهر، في المنطقتَين اللتَين تقعان في الجغرافيا المغربية، أي في بوابة القارّة الأفريقية إذا شئنا، بنوعَين مختلفَين من السيادة، الإسبانية والمغربية، أنّ القوات الأمنية، التي تراقب المنطقة وتحرس أبوابها بمختلف وسائل المراقبة، وما لا يُحصى من أشكال الحراسة من البحر والبرّ، لم تتمكّن مطلقاً من السيطرة على الواصلين أحياءً يرزقون، وقد التصقت بأغلبهم أثوابهم الصيفية الرثّة بثنايا الأجساد المرهقة. أمّا الأموات الذين تُركوا وراءهم، لأكثر من سبب، فقد داستهم أقدام المرشَّحين للهجرة والباحثين عن الأمل، وكانت أرواح الأجساد الثقيلة الغارقة قد فارقت أصحابها، فلم تعد الأجساد تتنفّس تحت الماء، لأنّها توقّفت عن الهجرة ولم تتقن فنّ العوم.
وقد لاحظ المتابعون، عندما علموا بهذه الهجرة الجماعية لأكثر من خمسين ألفاً من المتعطّشين إلى السياحة خارج الحدود، أنّ الشباب المتدافع، ما إن استقبلته المدينة على مضض، حتّى أغلقها الخوف في وجه الغزاة الجدد. وما هي إلّا ساعات حتّى انتظمت المدينة لمقاومة الغزو وتتصدّى للطموح، ولتقف سدّاً في وجه التيه والفرح والوهم والجوع والتعب. خرج بعض أفراد اليمين المتطرّف يحملون الهراوات، وبأيدي بعضهم أسلحةٌ قاتلةٌ، فأخذوا يرمون الشباب بما لم يتوقّعوه من المدينة السليبة، كما يقول الوطنيون، من عنف وإهانات وجوع.
أصبحت سبتة، من الوجهة الوطنية الأسيفة، مدينةً محرّرةً تقريباً، وأمست المدينة نفسها، من وجهة نظر سكّانها والجيش المرابط على الحدود الأفريقية لإسبانيا والسلطة المنتخبة، بما في ذلك محجّبات سبتاويات لهنّ لسان ذَرب في الدفاع عن هُويّة هي بنت الأرض لا ربيبة الموالاة… أمست سبتة مدينةً محتلّةً. وقال بعضهم، وهم غلاة متطرّفون جوَّف: إنّها مستعمرة جديدة للتوسّع المغربي الذي يقوده “النظام العلوي” لاسترداد الأمجاد التاريخية التي لم يتمكّن المغاربة من تحقيقها، بسبب الضعف والتخلّف، على امتداد المعارك التي جرت في تاريخهم، كما هو مخطوط في إضبارة الهزائم التي لحقت بهم.
أريد معالجة هذا الموضوع، في ضوء هذا الوصف المتعمَّد، من زاوية مختلفة، لأنّ التأويل السياسي لطبيعة الأحداث المتسارعة في أيّام قليلة مشحونة يحتاج إلى معطيات لا يمكن الوصول إليها حاليّاً، ولا أتصوّر أنّ جهة ما، في المغرب أو في إسبانيا، تملك منها شيئاً كثيراً. وكلّ ما يقال عنها لا يعدو أن يكون ترديداً لتصوّرات تقوم، في معظمها، على تأويل عداوة الجوار التاريخية والتباساتها بين البلدَين، خصوصاً أنّها تتجدّد في كلّ مرحلة تغلب عليها الأهواء، وتتغلّب فيها الأطماع والحسابات السياسية والاستراتيجية المختلفة على ما عداها.
أمّا العنصر المثير الذي يشوّش المعطيات الحقيقية التي كانت وراء الهجرة الجماعية، على الرغم من أنّ الإسبان قدّموا عنها تأويلاً، وتابعهم فيه المغاربة بعد صمت، وربطوه بـ”حكم قضائي”، وعلّلوا انتشاره على نطاق واسع بأساليب العصابات الإجرامية المتاجرة بالبشر، فيتعلّق بما روّجه المروّجون من طريق الذكاء الاصطناعي، و”تشات جي بي تي” (مفتي الديار)، وغيرهما من الوسائط التي تتحكّم في الفهم والوعي، من أخبار ومعلومات وصور مثيرة ومحزنة، لتزويد الانفعالات بأقصى درجات الشحن، وهو ما تصادف، يومها، مع ما كان يماثله في كثير من البقاع الإسبانية، وأساساً على مشارف العاصمة مدريد، من نيران يتلاعب بها الهواء وتقتل كلّ شيء: الزرع والبشر والحيوان.
وربّما كان الأمر المثير، في ذلك كلّه، أنّ خبر الهجرة الجماعية وصورها المحزنة، المثيرة لكلّ عقل، طار بسرعة جنونية، ونزل على كلّ أجهزة الدفع والبثّ والشاشات الملوّنة على الصعيد العالمي، فتضرّرت صورة المغرب، بحسب الصورة التي كانت عليها بالنسبة إلى المتلقّين والمشاهدين، وتضرّرت معها صورة شعبه اليائس، الذي ظهر، في جميع التأويلات وبجميع اللغات والقدرات العقلية على التحليل وصوغ الخطاب، على غير ما هو عليه في نظر مَن بلور، بطريقة مجّانية، شعار “أجمل بلد في العالم”، أي بقدر وافر من الاتهام المرادف للاحتقار، وبالتشفّي المشفوع، لحسن الحظ، بالتعاطف والشفقة.
ولم يبقَ محلّل أو ملاحظ، ولا أيّ شخص في مقدوره أن يركّب تعليقاً على حدث، إلّا وتكلّم في الموضوع بالتعبير الذي راج في عقله وخاطره، ولاعب عواطفه وشعوره الآني بجسامة الحدث وغرابته الإنسانية أمام الصورة الحقيقية، أو المركَّبة، التي وثّق بها المهاجرون أقوى لحظات بؤسهم ومغامراتهم وجنون أفعالهم، وهم لا يطلبون إلّا الوصول إلى يابسة سبتة، لكي يعلنوا في وجه العالمين شارات النصر، المصحوبة بالصرخات المزمجِرة والعنف الطفولي الذي يتحدّى اليأس.
لكنّ الذي لم يكن متوقّعاً في هدف الهجرة الجماعية هو أن ينتهي المهاجرون، بناءً على ما تكشّف لوعيهم من أوضاع استثنائية تعارضت تلقائياً مع الوهم الذي كان لديهم عن المكان المحلوم به، إلى موقف غريب لم يتوقّعه منهم سكّان مدينة سبتة أنفسهم، ولا الشرطة التي حمت وجودهم، وهو الذي أعني به: العودة الطوعية. وكأنّ الرحلة كانت نزهةً خالصةً لوجه المتع التي من الممكن أن تكون قد طافت بخيالاتهم.
كانت العودة الطوعية من دون أيّ نقاش أو تعليل، ولا مراجعة لمنطق الهجرة نفسه، ولا كذلك لطبيعة الأوهام التي كانت مركَّبة عشوائياً في فصوص “الدماغ المغربي” على كثير من المغريات والرغبات والأوضاع المتصوَّرة حُلمياً. وأوّل حالة خاصّة واجهت المهاجرين، وهم في سبتة، أنّهم، أولاً وقبل كلّ شيء، مهاجرون سرّيون على الرغم من العلانية التي كانت باديةً عليهم، وأنّهم في مواجهة مدينة مغلقة هبّ كثير من سكّانها إلى الاختباء في منازلهم والاحتماء بخوفهم. أمّا المراكز والمحالّ التجارية فقد أُغلقت في وجوههم. لم يجدوا ماء ولا خبزاً، إلا قليلاً من التضامن الذي شعروا بجفائه من بعض المغاربة السبتاويين المجنَّسين، فلم يقنعهم بأيّ عاطفة. والواقع أنّهم، عندما أخذوا يركضون في الشوارع من دون هدف، كانت في أعقابهم شرطة تصرخ فيهم بكلّ الألقاب العنصرية، دافعة إيّاهم إلى التوجّه قصداً إلى الحدود التي دخلوا منها. أمّا اليمينيون المتطرّفون، أشياع أباسكال من حزب فوكس، فقد حميت فيهم تلك العدوانية التي ترى في جميع المهاجرين غزاةً، فطاردوهم من دون هوادة، وربّما قتلوا منهم أفراداً حاولوا مقاومة المطاردة.
وأستطيع الجزم بأنّه لم يبقَ في سبتة، التي تتّسع بصعوبة لثمانين ألفاً من السكّان في رقعة محدودة، إلّا “الشعب” المهاجر، والشرطة المحلّية، وأفراد من الجيش الذين وصلوا متأخّرين. وصورة مثل هذه كانت كافيةً للتفكير المطلق في الفرضية التي لم يفكّر فيها أيُّ مهاجر، أي العودة إلى الديار على قدر كبير من الأسى والفشل والانهيار والذلّ، ونسيان تلك الدواعي الوطنية التي حرّضتهم على الهجرة، وصوّرت لهم سبتة مدينةً محتلّةً يمكن تحريرها بالوعود بالعبور نحو إسبانيا بأيسر الطرق.
يجب ألّا نسأل، في الهجرة الجماعية، عن الذين حملوا أمّهاتهم على ظهورهم، ولا عن الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا عن الأطفال المتلاعبين بالمصير، ولا عن النساء المحجّبات، ولا عن فتيات رسمن شارة النصر احتفاءً بالفوز المفترض… إلخ، لأنّ مَن يجب أن يُساءل، بعد المسؤولين المباشرين عن التخلّف والاستبداد، هو التاريخ المعاصر لمغرب لم يوفَّق في شيء بالقدر الذي تفوّق فيه في قتل مفهوم التغيير، بمحموله الباعث على التقدّم، في عقول الأجيال المتلاحقة. ألا يمكن أن نصف تلك الهجرة الجماعية أيضاً بالهزيمة المحقَّقة التي أصابت وعي المغاربة في معارك النضال من أجل الديمقراطية؟
