الهجرة الجماعية.. صورة مغربية قاتمة ومأزق عربي عميق

3

وليد القططي، باحث سياسي

لم تكن صورة الزحف البشري بعشرات الآلاف من المملكة المغربية إلى مدينة سبتة المغربية المُحتلة مجرد محاولة مُكررة ومشهد مُعاد للهجرة إلى إسبانيا والغرب، بل كانت قصة وجع عربي مُتجدد يكتبها البؤساء بمدادٍ من بحر الدم والدمع، وحكاية جرح عربي مفتوح يرويها التُعساء بكلماتٍ من بئر الحرمان والفقدان. صورة زحف بشري أشبه بجنازة حزينة الميت فيها حلم جيل عربي كامل، أو أشبه بمأتم تأبين كئيب المؤبّن فيه قتيل صُرع بين مطرقة الحرمان وسندان الغربة… قصة وجع ظاهرها صورة مغربية قاتمة، وحكاية جُرح باطنها مأزق عربي عميق.

صورة قاتمة تُعّبر عن مأزقٍ عميق، ظاهر الصورة هجرة مغربية وعربية إلى الغرب على جانبي الأطلسي هرباً من العُسر والبؤس والإملاق وأملاً في اليُسر والرغد والغنى، وباطن الصورة ظاهرة اجتماعية مُركّبة تختزل مأزقاً بنيوياً عربياً عميقاً، تؤكده الإحصائيات الرسمية الدولية والوطنية التي تُشير إلى أنَّ عدد المهاجرين العرب خارج الوطن العربي متوسطه (35) مليون شخص، وتؤكده استطلاعات الرأي حول الراغبين في الهجرة إلى خارج الوطن العربي، والتي تراوحت نسبهم بين (25-50%) من الشباب، كاستطلاع شبكة (البارومتر العربي) عام 2018 م الذي تبين فيه أنَّ نصف الشباب العربي يرغبون بالهجرة، واستطلاع (المؤشر العربي ) عام 2025 الذي تبين فيه أنَّ ربع الشباب العربي يرغبون بالهجرة.

الإحصائيات العددية للهجرة العربية الفعلية في الماضي، والبيانات الرقمية للراغبين في الهجرة من العرب في المستقبل، تدل على واقع المأزق العربي العميق، الواقع الذي أصبحت فيه معظم الدول العربية بيئات غير صالحة للحياة وطاردة لشبابها ولافظة لكفاءاتها، وهو واقع تتحمل مسؤوليته الأنظمة السياسية الحاكمة، التي أدخلت شعوبها في أزمات مُتجذرة، أهم مظاهرها المعرفية خلط المصطلحات والتباس المفاهيم، فسُميَّ الاستبداد نظاماً لتدجين القمع، والفساد (شطارة) لتطبيع الجريمة، والجمود استقراراً لدفن الإبداع، والتقليد التزاماً لتعطيل الاجتهاد، والتطرف وسطية لتزيين التعصب، والتطبيع سلاماً لشرعنة الكيان، والتبعية دبلوماسية لتجميل الاستعمار، والاغتراب حداثة لتبرير الاستلاب، والجبن حكمة للتعايش مع الإذلال، والعجز صبراً للتعوّد على الهوان.

المأزق العربي لم يكن في خلط المصطلحات والتباس المفاهيم فقط، التي تُعدّ الجانب المعرفي للمأزق وانعكاساً لجوانبه الأُخرى وأهمها وأقربها للجانب المعرفي هو المأزق الديني، فقد أنتجت الأنظمة العربية الحاكمة مؤسسات دينية وعلماء دين، غُيّب من خطابهم الديني قضايا الشعب والأمة الكُبرى مثل: النهضة والوحدة والعدالة والاستقلال وفلسطين، واستُحضر في خطابهم الديني قضايا تخدم الأنظمة وتُلهي الشعب، مثل: تأييد طاعة أولي الأمر، وتفريغ الشورى الثورية من مضمونها المُلزم، وتحويل العبادات إلى طقوس تفصيلية باردة، وإثبات أنَّ المرأة عورة وفتنة، وأنَّ الفنون فعل مُحرم ورجس ملعون. مؤسسات وعلماء لم يستطيعوا حل إشكاليات التداخل بين ثنائيات عديدة منها: الإخوة الإسلامية والمواطنة المتساوية، الإيمان والعلم أو النقل والعقل، الأصالة والتحديث أو التراث والتجديد، الثابت والمتغير في الدين، الإبداع والبدعة…

إضافة إلى مأزق الأنظمة في الجانبين المعرفي والديني يوجد المأزق السياسي، وأهم مظاهره ممارسة الاستبداد بمختلف صوره، مثل: احتكار السلطة والثروة، وغياب التداول السلمي للسلطة، وقمع الحريات العامة، وانتهاك الحقوق المدينة، وإقصاء المعارضة والرأي الآخر، وممارسة الفساد بمختلف أشكاله، مثل: غياب الشفافية والرقابة والمساءلة، وانتشار المحسوبية والواسطة، وتراجع سيادة القانون، وتزوير الانتخابات أو توجيهها بسطوة السلطة والمال. وممارسة الأُحادية الإقصائية من أوسع أبوابها، ففشلت في إدارة التنوّع والاختلاف الداخلي، ولم تُطبق مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، وربطت الحقوق بالولاء، وفرّقت بين الأعراق والأديان والمذاهب، وممارسة التغوّل السلطوي والأمني بطريقة وحشية، فغاب الأمان الشخصي والاستثماري، وكممت الأفواه وطاردت المبدعين وقمعت التجديد، وعمقت شعور العجز الجماعي والقهر النفسي، فانتشر النزوح القسري واللجوء السياسي.

ولعل أهم جوانب المأزق العربي كان وما يزال في الجانب الاقتصادي كسببٍ جوهري للهجرة، في ظل وجود أنظمة عربية حاكمة: أهدرت ثروات شعوبها فأنفقتها للحفاظ على وجودها وسيطرة النُخبة المُترفة المرتبطة بها على السلطة والثروة وتوريثهما للأبناء والأحفاد، بدلاً من إنفاقها على التنمية الاقتصادية والبُنية التحتية والخدمات الأساسية. ورسخت بناء اقتصاد استهلاكي طفيلي تابع للاقتصاد الغربي، بدلاً من بناء اقتصاد إنتاجي مستقل في مجالي الزراعة التجارية والصناعة التحويلية. وأساءت توظيف الكفاءات البشرية بعدم المساواة بين المواطنين في الوصول إلى الوظائف العامة والفرص الاستثمارية، بدلاً من معايير الكفاءة والجدارة والاجتهاد ومقاييس العلم والعمل والإبداع. وتسببت في زيادة نسبة البطالة بعدم توفير فرص للشباب والخريجين، ولم تُخطط لسد الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل. وتراجعت جودة الخدمات الأساسية: كالتعليم والصحة والمياه والكهرباء والطرق. وشحت ميزانيات البحث العلمي والتطوير التقني.

حقيقة الهجرة الفردية والجماعية القانونية وغير القانونية لمواطني المملكة المغربية ومعظم الدول العربية في المغرب العربي والمشرق العربي ووادي النيل هي مرآة لحقيقة أُخرى، مضمونها أنَّ معظم الدول العربية بلاد طاردة لسكانها وأوطان لافظة لأهلها، دلالة على أنها لا تصلح للحياة الحرة الكريمة في الحاضر ولتحقيق الأحلام البسيطة المُشرقة في المستقبل، فتأتي الهجرة بحثاً عن تلك الحياة والأحلام في مكانٍ آخر. هذه هي الحقيقة التي ترسم صورة قاتمة لمأزقٍ عميق، لكنها ليست قدراً محتوماً ومساراً لازباً، هذا القدر والمسار يُمكن تغييرهما ليكونا قدراً مُشرقاً ومساراً مُضيئاً، بشرط أنْ تمتلك الأنظمة الحاكمة إرادة سياسية فاعلة للتغيير نحو الأفضل، وأنْ يمتلك الشباب العربي إرادة عملية إيجابية لصناعة التغيير، لتتحول الصورة القائمة إلى صورة جميلة، وليتبدل المأزق العميق إلى أملٍ جديد.