ما كاد ابن عرفة يدخل قصر الرباط، حتى خرج منه طريدا بلعنات الجماهير، حيث أخذ إلى مدينة فاس. وما كاد يدخل قصرها حتى توفيت والدة محمد الخامس، أم سيدي الياقوت بعد أسبوع من اختطافه، “توفيت بالقصر الملكي في مدينة فاس، وذلك على الساعة الحادية عشرة من يوم الأحد 30 غشت، وصدرت الأوامر عنوة بعدم إشاعة الخبر حتى تدفن في الظلام، فكانت جنازتها صامتة ورافقها كل من شيخ الإسلام وإدريس الغزاوي إلى مثواها الأخير جوار زوجها مولاي يوسف. وكان الخبر مما كدّر حياة محمد الخامس أكثر وهو في منفاه السحيق”.
قبل 77 عاما من الآن، توّج المغاربة التحامهم الوطني الذي انطلق في الثلاثينيات، بانتفاضة وطنية شاملة في وجه الحماية الفرنسية، إثر إقدام المحتل على نفي السلطان الشرعي. يرتبط تاريخ 20 غشت منذ ذلك الحين، باليوم الذي اقتحمت فيه قوات مسلحة أجنبية، على رأسها جنرال فرنسي، قصر الملك في عاصمة مملكته، وأخرجته من فراشه رفقة ابنيه، مولاي الحسن ومولاي عبدالله، وجميعهم بملابس نومهم، موجهة فوهات الرشاشات نحو وجوههم ونحو ظهورهم، كي تأخذهم في رحلة النفي عن البلاد. ولم تكن السلطات الاستعمارية تدرك وقتها، أنها إنما تشعل شرارة ثورة شعبية عارمة، ربطت فيها الجموع مطلب الانعتاق باستعادة الحكم الشرعي، وهو ما سيتحقق بعد سنتين، حيث عاد السلطان محمد الخامس واستقبله المغاربة باحتفاء كبير.
دأب استعماري قديم
تحالفت في ذلك اليوم خيانة الداخل بتكالب الخارج وأطماع معمّريه ولوبياته الاقتصادية، لإجبار ثالث سلطان على اعتزال الأمر والذهاب إلى المنفى، بعدما نجح ذلك مع السلطانين، مولاي عبدالحفيظ الذي رحل إلى المنفى، ومولاي يوسف الذي رحل إلى دار البقاء بطريقة مريبة. بينما كان سلطان آخر اسمه مولاي عبدالعزيز يقبع في منفاه الطنجاوي مجردا من عرشه ومملكته. ورغم وقعه المؤلم في نفوس المغاربة، إلا أنه كان في حقيقة الأمر تاريخ بروز ملكية مناضلة مقاومة، متمتعة بشرعية شعبية وتاريخية ودينية.
فعكس أسلافه الذين تعاقبوا على العرش مستهل القرن 20، كان محمد بن يوسف أول سلطان يشهر سيف مشروعية حكمه في وجه الخصوم الخارجيين. كانت لحظة اصطدام وصراع بين كتلتين عظيمتين، هما الإسلام والعرب وإفريقيا والنضال والوطنية وحقوق الضعفاء من جهة، والاحتلال الصليبي والاستيطان والمصالح الاقتصادية للشركات الغربية العملاقة، من الجهة الأخرى.
اعتقد البعض حينها أنها لحظة تكرار السيناريو الذي راح ضحيته السلطان مولاي يوسف قبل أكثر من ربع قرن، حين قاوم ما يُعرف بـ”الظهير البربري”، لتخطفه الموت سريعا ويُعوّض بابنه الأصغر محمد، والذي وقّع وسط دهشة التنصيب على ذات الظهير. وفي بداية الخمسينيات، عرض الفرنسيون على محمد بن يوسف حزمة مراسيم جديدة، كي يوقّع عليها. وكانت تلك المشاريع تنص على تغييرات مؤسساتية وتشريعية كبيرة، تجعل الفرنسيين، وخاصة منهم المعمرين، يقتسمون دائرة القرار مع المغاربة، ويتولون بذلك الحكم المباشر للمملكة. وتقاطعت طموحات هؤلاء المعمرين والمستعمرين، بأطماع ومواقف قياد وباشاوات وعلماء، اعتبروا أن مصلحتهم تكمن في إضعاف محمد بن يوسف أو إزاحته.
الطابور الخامس
في خلفية المشهد توجد شخوص كثيرة، ساهمت في حبك المؤامرة، من بينها شخصية التهامي الكلاوي الذي سيتزعم عملية عزل سلطان اسمه محمد بن يوسف. لم يكن الأمر في الحقيقة سوى استمرار لقصة انقلاب الأوضاع بين كل من المدني الكلاوي والسلطان مولاي عبدالعزيز.
القصة التي نقلها بول باسكون بقوله: “أدى فشل الحملة العزيزية ضد بوحمارة تلك الحملة التي شارك فيها المدني والتهامي وخسرا فيها أمولا طائلة وتكبدا مشاق صعبة دون فائدة تذكر لا من حيث الغنيمة أو من حيث الاستيلاء على أراضي جديدة لفرض الضرائب عليها، إلى أن ينفصل فريق الكلاوي عن المولى عبدالعزيز. وقد جعلتهما عودتهما غير المظفرة عن طريق الجزائر التي تحتلها فرنسا وعن طريق البحر إلى أن وصلا إلى طنجة، يشكان في قدرة السلطان على القضاء على الفوضى التي عمت تدريجيا كل البلاد. فعاد الأخوان إلى بلدهما وحاولا أن يمدا سلطتيهما على جزء من الأراضي على حساب الكوندافي.
بعد تمكن الاحتلال الفرنسي من وجدة، ونزول الفرق الفرنسية بالدار البيضاء أصبح عجز المولى عبدالعزيز عن إعادة السلطة للدولة المغربية أمرا واضحا للعيان. لذلك اجتمع القياد الكبار في مراكش: المتوكي، والعيادي والكلاوي… ليتشاورا لدفع مولاي حفيظ إلى السلطة. وقد ظل الكوندافي وحده بعيدا عن تلك الحركة لِما كان مولاي عبدالعزيز يغمره به. غير أن المتوكي غيّر بعد ذلك موقفه إذ انهزم أمام تحالف الكلاوي والعيادي ضده، فاضطر إلى أن ينسحب إلى منطقته الجبلية الصغيرة وسينتقم لنفسه بعد ذلك”.
بدا صعود الكلاويين في المخزن الحفيظي بشكل سريع ومدهش، هشا حين اضطر المولى عبدالحفيظ تحت ضغط الممثلين الفرنسيين، إلى إقالة نفس الأشخاص الذين أتوا به إلى الحكم. فخلال بضعة أيام انتقلت السلطات التي كانت بيد الكلاوي إلى أيدي أخرى. وهكذا نهبت ممتلكات كلاوة أو على الأصح الأراضي التي كان يحتلها، والمزروعات، وقام بذلك المغامرون الذين ينتهزون كل هزيمة. وقام كلاوة بدورهم بنهب كل ما كان قريبا من قواعدهم .
تراكمات تاريخية كثيرة إذن أججت توتر علاقة السلطان محمد بن يوسف والباشا الكلاوي، وأزالت الرماد الذي كان يخفي جمرها. فكانت المناسبة دينية، حيث إن القواد والباشاوات كانوا يحجون بهذه المناسبة الدينية إلى قصر السلطان بالرباط، ليؤدوا له التحية ويهنئوه بالمناسبة. وفي اليوم الذي يسبق هذا الاحتفال من سنة 1950، استقبل محمد الخامس باشا مراكش في لقاء خاص، وهو اللقاء الذي سينهي علاقة الرجلين بعدما سمع صوتهما يرتفع بالخصام من خارج القاعة. وينقل عبدالصادق الكلاوي رواية والده لما جرى خلال تلك الجلسة، حيث “رغب السلطان ألا يطرق الباشا أي قضية من القضايا، بما أن عيد المولد يخصص لتقديم التهاني. ومع ذلك، ألح الكلاوي أن يفرج عما يرغب في الإفصاح عنه، وهو ما كان بالمناسبة خطأ شنيعا”.
تواصلت فصول الصراع بين الجانبين، وبعد فشل محاولة 1951 لعزل محمد الخامس، بعدما “أكدوا له أن عزل السلطان سيتم، قبل أن يقع استدعاؤه في عز ليلة 24، ويتم إخباره بصوت مرتجف بأن السلطان لن يعزل”، كما يقول عبدالصادق الكلاوي؛ كانت محاولة العام 1953 أكثر جدية وفعالية. “خصوصا لما نقل محمد بن عرفة من مدينة فاس التي كان يسكنها مهملا بحومة عقبة السبع، إلى مدينة مراكش التي عرفت اجتماعات الكلاوي ومن معه من العملاء والخونة، بإشراف رجال الإقامة العامة منذ يوم 13 غشت 1953 إلى يوم 19 منه، حيث كان تنشيط الأغبياء يتولاه عبدالحي الكتاني، والعميل المتجول ابن عمرو التجاني…”، يقول المؤرخ الراحل عبدالكريم الفيلالي.
في وثيقة من السجلات السرية للأرشيف الأمريكي التي جرى نشرها حديثا، وهي مؤرخة في 14 غشت 1953، أي أسبوعا واحدا قبل نفي فرنسا لمحمد الخامس، يقول مكتب الاستخبارات، التابع لوكالة الاستخبارات المركزية، إن ارتفاعا حادا في التوتر شهده المغرب بسبب “المكائد” (machinations) التي يقوم بها الباشا الكلاوي ضد السلطان “المعتدل والمتمكن سيدي محمد بن يوسف”.
وتذهب الوثيقة الأمريكية إلى أن الخلاف الطويل بين السلطان والباشا الكلاوي، قد جرى اقتراح حلّه من خلال إقامة دولتين منفصلتين، واحدة يرأسها السلطان محمد بن يوسف، والثانية يرأسها الباشا الكلاوي. الاقتراح صدر حسب الوثيقة الأمريكية عن الإقامة العامة الفرنسية بالمغرب، “وليست هناك أية مؤشرات عن احتمال قبوله في باريس”.
لا حكم للفرنسيين
عاد الجنرال كيوم من فرنسا في أول صباح يوم الخميس 20 غشت 1953، حيث استقبل بمطار النواصر، ومنه انتقل إلى مراكش التي كان قد حلّ بها ابن عرفة في اليوم الذي سبقه، حيث استقبله فيها الباشا الكلاوي على الساعة الخامسة صباحا، وإثرها عاد كيوم إلى الرباط، حيث اتصل بمحمد الخامس المحاصر في قصره، “ليكرر عليه النهيق المزعج باسم المراسيم، وهذه المرة بطريقة تختلف نغمتها عن السابق، فكان وكأنه يخاطب عدوا وليس العاهل الذي ساهم في إنقاذ فرنسا من ذل الألمان الذين كانوا بالأمس يوجهون الصفعات إلى وجه كيوم وأمثاله”، يروي المؤرخ الفيلالي.
الهدف من تلك المراسيم كان هو إشراك الفرنسيين في التشريع في البلاد، “وبالتالي اغتصاب السلطة من صاحبها الشرعي محمد الخامس… لقد تعرض محمد الخامس من أجل مقاومته لتلك المراسيم الظالمة، وفي سبيل المحافظة على الذاتية المغربية للتهديد وقال له المقيم العام الجنرال كيوم وبكل وقاحة: “إن حكومة فرنسا لم تعد مسؤولة عن حماية محمد الخامس وأسرته كما تقضي بذلك معاهدة الحماية”.
لقد رفض محمد الخامس عرض الجنرال كيوم بطريقة لم تتحملها أعصاب المقيم. وهنا تقول المصادر الفرنسية، إنه اتصل هاتفيا بوزير الخارجية جورج بيدو، ثم قال له بالحرف: “إن جواب السلطان هو لا مطلقا”. فأجابه بيدو: “اطلبوا منه أن يتنازل لابنه الثاني، واحذروا أن يلجأ إلى المنطقة الإسبانية. وإذا رفض أبعدوه بالطائرة إلى جزيرة كورسيكا”. كما ينقل عبدالكريم الفيلالي من كتاب “مأساة سلطان مراكش” لعبدالمجيد بنجلون، وكتاب “عش الزنبور” من تأليف كلود بايار. “لكن لماذا الابن الثاني كما يقترح بيدو؟ لأن الأول وهو ولي العهد، كان وقتها على سنن والده، ولأن الأمير عبدالله وقتها كان في سن الطفولة بعيدا عن السياسة”، يوضح المؤرخ عبدالكريم الفيلالي.
ما إن سمع الجنرال كيوم أمر وزير الخارجية الفرنسي، حتى جمع كوكبة من العسكريين، وكان في مقدمتهم “دو تهيل” الذي كان مديرا للأمن، بل قيل إنه هو الذي أشار على كيوم أن يكون الهجوم على القصر وقت القيلولة، وتحديدا الساعة الثانية والنصف بعد الزوال. “وهنا يأتي دور محمد الخامس الذي حسبه الجبناء من الفرنسيين أنه كان سيفاجأ ولا يتحمل المفاجأة، ونسي كيوم وعصابته أن محمد الخامس المسلم المؤمن كان يعد لكل هول لا إله إلا الله، ولكل مصيبة لا حول ولا قوة إلا بالله. ولذلك كان قد قام بإحراق كثير من الوثائق التي ربما تدين الآخرين، والتي ربما لم يعد ثمة معنى لبقائها، وأمر بتهييء بعض الحقائب ترقبا لشيء مجهول لا يزيد على مغادرة القصر الملكي بالعاصمة إلى جهة أخرى من المغرب. لكنه لم يكن أبدا ليتصور ما سيحصل من اختطاف وقرصنة تبعده عن شعبه ووطنه”، يروي الفيلالي في كتابه: “التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير”.
بعد الاجتماع الطارئ الذي عقده كيوم بالإقامة العامة، والاقتراح الذي اقترحه دوتهيل، قدم لاتور دوبان، المستشار للحكومة المغربية على الملك محمد الخامس مُخبرا بقدوم الجنرال كيوم. على أن رواية أخرى تقول إن الإخبار كان بالهاتف، والصحيح حسب ابن الدار عبدالكريم الفيلالي، “هو ما سبق لأن هاتف القصر كان مقطوعا من قبل، يقول محمد لمعمري وأحمد ابن مسعود، وكلاهما عاش المأساة وعاين المسرحية من أولها إلى نهايتها”.
زوار ساعة القيلولة
كان الموعد الذي أخبر فيه السلطان بقدوم المقيم العام وقتا غير عادي ولا يتفق مع قواعد البروتوكول، مما دفع العاهل إلى تبادل الرأي فيه مع بعض المقربين، حيث حصل شبه اتفاق على خطورة الموقف. مما دفع بالسلطان أن يخبر أسرته ومن في القصر حتى يستعدوا لكل ما يتوقع، كما أمر وبالحرف: “شوفوا سميت سيدي” وبه يُعرف ولي العهد، لان اسمه مولاي الحسن و”سيدي العزيز” به يُعرف المولى عبدالله… واحتقارا للجنرال كيوم، كان الانتظار على الحالة التي هم عليها من لباس وقت القيلولة.
بعدما نقل خبر قدوم المقيم في الساعة الثانية بعد الزوال، بل دخل “لا تور دوبان” إلى مكتب محمد لمعمري وزير التشريفات والقصور الملكية الذي يقع في منتصف سلم المنزه. “دخل دوبان مكتب المعمري وإن بغير استئذان فبطريقة فيها تصنع مجاملة، وقد تبيّن أنه لم يفعل إلا قصد مشاهدة الموقف الرهيب من قريب، خصوصا أنها الساعة الثانية إلا عشر دقائق بعد الزوال. ويقول البعض إنه فعل ذلك خوفا مما يمكن أن يحصل من بعض الحراس أو الخدم إذا ما عرفت مقاصد المقيم. “وبينما دوبان ولمعمري في حديثهما، قدم أحمد بن مسعود الذي لوح بإشارة هز الرأس للمعمري حتى يغادر مقعده ويلتحق به إلى سلم المنزه، ليخبره أن الجيش يطوق القصر، وكان قد رآه من نافذة سلم المنزه، حيث ظهر له رتل مكون من 12 دراجة نارية يركبها جنود فرنسيون يحيطون بسيارتين كان في الأولى الجنرال دوفال ودوتهيل عميد الشرطة مدير الأمن الإقليمي، وفي الثانية الجنرال كيوم. وكان معه ضابطان مسلحان وجنود يحملون السلاح في حالة تدل وكأن القوم في طريقهم لارتكاب جرمة”.
ما إن وصل كيوم أبواب القصر، حتى كان الضباط المرافقون والجنود الفرنسيون بسلاحهم السريع الطلقات، قد احتلوا الساحة الأولى، مشور خيل الكادة، ثم أحاطت كوكبة منهم بمن كان فيه من الحرس الملكي حيث جردوهم من السلاح، كما فعلت فرقة أخرى بمعسكر الحرس الملكي، وقد جمعوا أعوان القصر (المخازنية) في ناحية، ثم صففوهم وأمروهم بإدارة وجوههم إلى الحائط بالبهو الغربي أسفل المنزه المذكور، كما وزع آخرون على مختلف أبواب القصر بأسلحتهم مع أوامر مشددة بإطلاق النار على كل مشبوه.
وصل الجنرال إلى ساحة المشور، ومع أنه كان محروسا بالسلاح، فإنه كان، حسب من شهدوا ذلك اليوم، مرعوبا يلتفت يمينا وشمالا، وأحيانا إلى الخلف، بل كان يرفع بصره في اتجاه سطوح وأبهاء المشور، محملقا في حالة تدل على أنه خائف ومرعوب. ثم اتجه كيوم ومن معه نحو سلم المنزه ذي التسع وخمسين درجة، والذي كان في أسفله محمد المعمري وأحمد بن مسعود والحاج الحسن بن يعيش وفرجي الروكي وقائد المشور بناصر العبدي. “وعلى غير العادة، صعد المقيم العام ومن معه من الضباط والجنود الذين احتلوا مكتب المعمري ومنعرجات سلم المنزه، في حين توجه الجنرال خلف وزير التشريفات والقصور لإتمام بقية السلم الموصل إلى حيث جلالة العاهل. ثم صاح قائد المشور معلما كالعادة وحسب تقاليد البروتوكول: “المقيم العام نعام آ سيدي”، وتقدم المقيم تبدو عليه علامة الرعب الواضح من ملامح وجهه ونظراته وهو يتقدم نحو العاهل الذي لم يغادر المقعد الجالس عليه، وإذا ما تقدم كيوم خطوات من غير أن يطأطئ رأسه وينحني كالعادة، فإنه وقف ليقول موجها الخطاب إلى العاهل الذي كان شبه غير مهتم، ويتجه ببصره تارة بعد أخرى نحو المشور الذي تحول إلى معسكر”.
لا مجال للتنازل
فوجئ محمد الخامس بقدوم كيوم، لكنه كان قوي العزيمة رابط الجأش، والرواية التي تؤكد ذلك أوردها ابنه الحسن الثاني في كتابه “التحدي” وقال فيها: “لم يكن أمام والدي من الوقت أكثر مما يلزمه لارتداء جلابة فوق ثياب نومه. الحر خانق والمقيم العام يتوجه إلى الملك قائلا له باختصار: “إن الحكومة الفرنسية لدواعي الأمن، تطلب منكم التنازل عن العرش، فإذا قبلتم ذلك عن طيب خاطر استطعتم أنتم وأسرتكم أن تقيموا في فرنسا أحرارا معززين مكرمين”. وأجاب والدي بهدوء زائد وقال: “ما من شيء في أعمالي وأقوالي يبرر أن أتخلى عن أمانة اضطلع بأعبائها بصفة مشروعة، وإذا كانت الحكومة الفرنسية تعتبر أن الدفاع عن الحرية والشعب بمثابة جريمة يعاقب عليها، فإنني أعتبرها فضيلة يفاخر بها وتورث لصاحبها المجد” فرجا الجنرال من السيد لمعمري الذي كان اتصالنا به شديدا أن يترجم إلى العربية كلماته بدقة: “إذا لم تتنازلوا حالا عن العرش بالرضا، فإني مكلف بإبعادكم عن البلاد صيانة للأمن”.
ولكي يستطيع السيد المعمري أن يترجم بأمانة، أجاب الملك بكلمات متمهلة قائلا: “إني ملك المغرب الشرعي، ولن أخون الأمانة التي ائتمنني عليها شعبي الوفي المخلص، إن فرنسا قوية فلتفعل ما تشاء”.
وهكذا كان كل شيء قد قيل، فطلب الجنرال إحضار أخي مولاي عبدالله وإحضاري، ثم التفت إلى الملك وقال: “هيا بنا لنأخذك أنت وولديك”. ثم أشار إلى ضابط من الدرك الفرنسي، والذي تقدم فدفع، والمسدس بقبضة يده، والدي أمامه، وخشيت أن يرديه في نفس المكان قتيلا، وتبعناه نحن، أخي وأنا، أيضا مدفوعين والرشاشات مصوبة إلى أظهرنا، ثم أركبونا سيارات دون أن يسمحوا لنا بتبديل ملابسنا، ولا أن نحمل أقل ما يمكن من متاع نحتاجه، وقادونا إلى المطار العسكري في السويسي حيث وُضعنا تحت الحراسة. وطلب والدي أن نشرب، ولكنهم أصدروا الأوامر إلينا بأن نأخذ مقاعدنا في طائرة “دي سي 3″، التي كانت محركاتها تدور، فتدخلت عندها قائلا: “أبي مريض ولا يتحمل إلا بصعوبة زائدة السفر بالطائرة”، واستدعوا طبيب الملك الدكتور ديبوا روكبير، الذي أسرع بالحضور، وأيد ما أبديت من مخاوف، ولكنهم لم يعيروا أي التفات إلى أقواله، ومد دركي إناء حديديا فيه الماء ليشرب فشكر ورفض. ودفعوا بنا نحو الطائرة التي أقلعت باتجاه مجهول، وكانت الساعة عندئذ تشير إلى الثالثة إلا ربع ظهرا”.
بثياب النوم الخفيفة
أما رواية محمد المعمري وزير القصور وابن مسعود الكاتب الخاص للملك، فينقلها عبدالكريم الفيلالي عن مقابلات عفوية “حصلت في أكثر من مرة عندما كنت أمضي الوقت في انتظار خروج العاهل، وقد سجلتها قبل أن يصدر كتاب التحدي: بعد جواب العاهل برفض التنازل، عاد الجنرال كيوم وهو واقف ومعه الجنرال دوفال ودوتهيل ومجموعة الضباط والجنود الذين كانوا في انتظار الأوامر بسلم المنزه، وفي حالة عصبية وقد تبدلت سحنته وارتعش شنبه الأزعر وتهدج صوته.
ثم قال: “إذا رفضتم فلدي أوامر بإبعادكم حماية لحياتكم وحياة أسرتكم. ولذلك آمركم بالانضمام إلى المدير دوتهيل الذي ينتظركم في الغرفة المجاورة”. ثم انصرف في شبه فرار ليقتحم مكانه في التو جنود مسلحون أحاطوا بالملك الأسير، وقتها وقف جلالته، وكان مرتديا ثيابا خفيفة عبارة عن جلباب أبيض فوق منامة وحذاء أبيض كذلك بلا جوارب.
وما كاد يتقدم خطوة، حتى كان بجانبه وحسب الأوامر التي أصدرها المقيم بقوة وعنف، كل من سمو الأمير ولي العهد وشقيقه المولى عبدالله. وكان كلاهما خلف الستار الخشبي المزركش المخروط، وكان سمو ولي العهد لا يرتدي غير ثياب المنزل، منامة خفيفة تناسب قيلولة العشرين من شهر غشت. فتقدم بجانب والده كما هو بمنامته حيث وقف عن شماله وهو يقول بصوت غاضب: كنا ننتظر هذا اليوم منذ مدة طويلة. ثم التفت ليرى شقيقه يدفع بيد جنديا ليلتحق بوالده وشقيقه، وأخذ الثلاثة طريقهم وسط زبانية من الجنود، تحوطهم تطبيقا للأوامر التي تلقاها دوتهيل من الجنرال كيوم”.
ومن التفاصيل التي نقلها الفيلالي في كتابه، أن الوزير محمد لمعمري، كان في طريق اقتياد الملك وابنيه، فنزع عنه جلبابه وألبسه لولي العهد مولاي الحسن “والذي لولاه لرأى العالم أروع صورة للأمير بمنامته”.
وفاة أم محمد الخامس بعد أسبوع
انطلقت الطائرة نحو المجهول في الساعة الثالثة من زوال ذلك اليوم، وأقلعت بعد اثنتي عشرة دقيقة على تحريكها، “ثم ما لبثت أن اختفت في الجو تسابق السحاب فرارا، وفي جوفها ملك عظيم، بل أنبل عظيم في عصره. ومن لطف الله بالمغاربة، أنهم لم يعلموا بما حصل إلا في الوقت الذي علمت به شعوب العالم، ذلك لأن الذين يحملون الخبر من أعوان القصر والخدم ظلوا محبوسين، أيديهم مرفوعة فوق رؤوسهم ووجوههم إلى الحائط مشدودة وهم تحت حراسة مشددة”، يقول المؤرخ عبدالكريم الفيلالي.
قطعت الطائرة المسافة بين الرباط وجزيرة كورسيكا في ظرف سبع ساعات لم يتلق خلالها محمد الخامس ولو حبة أسبرين أو قطعة خبز، وهو الذي لا يحتمل المكوث في الأماكن المغلقة. وطيلة مدة الرحلة، ظل الملك المعزول ممسكا بسبحته ولم يتفوه بكلمة. “وكان معنا وحولنا عدد من رجال الأمن الفرنسيين دون أن ينظروا إلينا وهم يتناولون ساندوتشات تحتوي على لحم الخنزير”، يحكي الحسن الثاني.
حطت الطائرة بأجاكسيو في جزيرة كورسيكا في الساعة العاشرة وسبع دقائق ليلا حسب إذاعة فرنسية بثت الخبر يومها، ثم لحقت بها طائرة تحمل أفراد الأسرة الملكية التي حطت الرحال هي الأخرى في عاصمة كورسيكا “التي لم يكن أهلها كباقي أهل الأرض يعلمون شيئا من الغدر الحقير الذي أشرفت عليه حكومة فرنسا… كان مطار أجاكسيو منذ الساعة الثامنة صباحا قد غص بالجنود المدججين دون أن يعلم أحد أسباب وجودهم إلا المسيو “سافرو” محافظ المدينة، واختلق الفرنسيون فِرية ضد محمد الخامس وهي أنه أبعد عن بلاده مؤقتا بسبب ثورة قام بها الشعب”.
وزيادة في التحدي، يضيف الفيلالي، قامت السلطات الفرنسية إثر نفي محمد الخامس، بنقل محمد ابن عرفة من مدينة مراكش إلى قصر محمد الخامس في الرباط، حيث دخله يوم 22 غشت 1953 على الساعة الرابعة والنصف بتوقيت غرينيتش، وكان برفقته التهامي الكلاوي وعبدالحي الكتاني، كما أدى له فروض الطاعة محافظ مدينة الرباط العباس التازي.
وما كاد ابن عرفة يدخل قصر الرباط، حتى خرج منه طريدا بلعنات الجماهير، حيث أخذ إلى مدينة فاس. وما كاد يدخل قصرها حتى توفيت والدة محمد الخامس، أم سيدي الياقوت بعد أسبوع من اختطافه، “توفيت بالقصر الملكي من مدينة فاس، وذلك على الساعة الحادية عشرة من يوم الأحد 30 غشت، وصدرت الأوامر عنوة بعدم إشاعة الخبر حتى تُدفن في الظلام، فكانت جنازتها صامتة ورافقها كل من شيخ الإسلام وإدريس الغزاوي إلى مثواها الأخير جوار زوجها مولاي يوسف. وكان الخبر مما كدّر حياة محمد الخامس أكثر وهو في منفاه السحيق”.
خيارات المنفى
وثيقة استخباراتية أمريكية أخرى مؤرخة في 17 يناير 1954، أعدت لحساب مجلس الأمن القومي الأمريكي، وتضمنت بورتريها لكل من السلطان المعزول، محمد بن يوسف، وذلك الذي نصبته فرنسا والكلاوي، محمد بن عرفة.
الوثيقة تقول إن فرنسا وبعدما نقلت محمد الخامس من جزيرة كورسيكا القريبة في البحر الأبيض المتوسط، نقلته إلى جزيرة مدغشقر في أقصى جنوب القارة الإفريقية، بعد إدلائه بانتقادات للسياسة الفرنسية.
وتضيف الوثيقة أن باريس حضّرت بدائل أخرى لنفي محمد الخامس وجعله معزولا تماما عن الأحداث الجارية في المغرب. هذه الاحتمالات تتمثل في كل من جزيرة “نيو كاليدونيا” وجزيرة “تاهيتي” التابعتين لفرنسا جنوب المحيط الهادي، قرب أستراليا.
