قراءة في تحول إيران من ولاية الفقيه إلى ولاية المؤسسة

1
قراءة في تحول إيران من ولاية الفقيه إلى ولاية المؤسسة
قراءة في تحول إيران من ولاية الفقيه إلى ولاية المؤسسة

عبد الحي السملالي، كاتب مغربي

أفريقيا برس – المغرب. بينما لا تزال أصوات المدافع تُسمع في ساحات المواجهة المباشرة، وتتعرض بنية النظام لضغوط غير مسبوقة، تجد طهران نفسها مضطرة لحسم سؤال الخلافة لا في غرف الدرس الهادئة، بل في خضم “إدارة الأزمة”. إن الحرب التي لم تنتهِ بعد، لم تعد مجرد تحدٍ عسكري خارجي، بل أصبحت المحرك الأساسي لإعادة صياغة هوية القمة. ففي زمن الحرب، تسقط الخيارات “المثالية” لصالح الخيارات “الوجودية”، وتتحول الشرعية من “التراكم الفقهي” إلى “الكفاءة الميدانية” المقرونة بمرونة المناورة.

من “المرجعية” إلى “البصيرة”: المواءمة الدستورية تحت الضغط

لا يمثل الإطار القانوني في إيران بنية ساكنة، بل هو مرآة لتحولات موازين القوة. فقبل عام 1989، استدعى انتقال السلطة مواءمة دستورية قدمت “البصيرة السياسية” على “الأعلمية الفقهية”. واليوم، يتكرر المشهد بصورة أكثر حدة؛ حيث يُدفع بالنص الدستوري لخدمة “منطق الدولة المحاربة”. إن مجلس خبراء القيادة يبحث عن “مرشد الطوارئ” الذي يجمع بين ولاء الحرس الثوري وبين العقلانية البراغماتية اللازمة لإخراج الدولة من عنق الزجاجة.

مجتبى خامنئي: وريث “غرفة العمليات” والواقعية السياسية

في قلب هذا المشهد، يبرز مجتبى خامنئي بوصفه “رجل الظل” الذي خرج من “قلب النظام الإداري والأمني”. إن قيمته تنبع من كونه “البراغماتي العارف” بأسرار الدولة، والأقدر على ممارسة “فن الممكن” في لحظات الخطر الوجودي، وهو ما يجعله خياراً يتجاوز المعايير الحوزوية لصالح “ولاية المؤسسة”.

استشراف مابعد الحرب: هندسة المساومة والبراغماتية القسرية

بالنظر إلى مآلات المواجهة، فإن استشراف مرحلة “ما بعد الحرب” يشير إلى ولادة نظام يعيد تعريف القوة من خلال منظورين:

1. عسكرة القرار الديني: تحول منصب المرشد إلى “رئيس أركان سياسي بمرجعية دينية” تتبع متطلبات الأمن القومي.

2. ممارسة البراغماتية: القيادة الجديدة لن تكتفي بامتلاك مفاتيح القوة، بل ستستخدمها كأدوات للتفاوض. إنها براغماتية الفصل بين “الشعار” و”القرار”؛ حيث يتم الانحناء أمام العواصف الدولية لانتزاع اعتراف بشرعية البقاء. المرشد القادم سيكون مطالباً بتحويل “أوراق الميدان” إلى “اتفاقات استقرار”، وممارسة “الانفتاح المشروط” لترميم ما دمرته الحرب.

3. إغلاق القوس الأيديولوجي: الانتقال نحو “دولة القوة” الصرفة، حيث تُختزل الشعارات لتصبح أدوات لخدمة المصالح الجيوسياسية، بقيادة “فقيه الضرورة” الذي يتقن فن المساومة بقدر إتقانه فن الحشد.

الخاتمة: صياغة البقاء

إن تسمية المرشد القادم، في ظل حربٍ لم تضع أوزارها، ستكون البيان السياسي الأكثر دقة عن مستقبل الجمهورية الإسلامية. فالحرب أصبحت “المختبر” الذي يُعاد فيه تعريف القيادة. وفي النهاية، سيثبت التاريخ الإيراني أن الدولة، حين تُحاصر بالنار، تصيغ “فقيهها البراغماتي” الذي يمتلك مفاتيح القوة والقدرة على المساومة بها، لا العالم الذي يمتلك مفاتيح الاجتهاد المنفصل عن الواقع.