عبد الحي السملالي، كاتب مغربي
أفريقيا برس – المغرب. عند مراجعة تاريخ المواجهات مع إيران، يبرز سؤال محوري: هل اعتمدت واشنطن على منطق الردع التقليدي وتجاهلت عاملاً نفسياً–اجتماعياً أثبت التاريخ تأثيره العميق، وهو ما يمكن تسميته بـ”سيكولوجية نكبة الشهيد”؟
هذا المصطلح – وهو أداة تحليلية لا مفهوم أكاديمي راسخ- يصف قدرة الذاكرة التاريخية على تحويل المأساة إلى طاقة تعبئة وصمود. وهو ليس اجتهاداً معزولاً، بل يستند إلى تراث نظري متراكم؛ فقد أرسى المفكر الإيراني علي شريعتي في محاضراته عن الشهادة – التي ألقاها في حسينية الإرشاد بطهران بين عامَي 1969 و1972- أسس “تسييس الاستشهاد”، محوّلاً الحدث الديني إلى أداة نهضوية للتعبئة. وقد صاغ مقولته المحورية: “كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء”—عبارة أعاد استخدامها خميني لتأطير الثورة الإيرانية ذاتها. ولم تكن هذه المقولة شعاراً عاطفياً، بل نموذجاً رمزياً يُضفي معنىً على الأحداث الراهنة من خلال إسقاط معركة كربلاء عليها. وقد ميّز شريعتي بين “التشيع الأحمر” – تشيع الفداء والمقاومة الفعّالة- و”التشيع الأسود”، تشيع الحداد والبكاء والاستسلام، داعياً إلى الأول صراحةً. وأكمل علماء الاجتماع السياسي ما بدأه، إذ رصدوا كيف تحوّل مفهوم الشهادة في الجمهورية الإسلامية من ظاهرة روحية إلى مفهوم سياسي في جوهره. غير أن ما يُميّز “سيكولوجية نكبة الشهيد” عن هذه المقاربات هو تركيزها على الآلية النفسية تحديداً: القدرة على تحويل الهزيمة المادية إلى صمود رمزي وهو البُعد الذي يغيب عن التحليلات الاستراتيجية الغربية.
فالحدث المؤسس في الوجدان الشيعي، استشهاد الإمام الحسين (ع) في كربلاء، لا يُستعاد كواقعة تاريخية فحسب، بل كرمز مكثّف للمظلومية والصلابة. وقد تحوّلت تفاصيله إلى جزء من الذاكرة الرمزية الجمعية، تتجلى في الطقوس والخطاب السياسي على حدٍّ سواء، ومن أبرز تجلياتها رمز التربة الحسينية التي تعيد إنتاج الحدث في الوعي الجمعي جيلاً بعد جيل.
وليس هذا العامل نظرياً مجرداً، بل أثبت التاريخ فاعليته في أكثر من محطة. ففي أزمة الرهائن عام 1979، تحوّل الحصار الاقتصادي الطويل إلى سردية صبر وصمود تُقارن بحصار “شِعب أبي طالب”؛ فلم يُقرأ الحرمان كفشل اقتصادي، بل كاختبار روحي يعزز التماسك الداخلي. ثم تكرّر المشهد على نطاق أوسع في الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988)، حين استطاعت إيران – رغم التفوق العسكري الهائل لصدام والدعم الدولي الواسع له – أن تعبئ عشرات الآلاف من المتطوعين باستحضار الرموز التاريخية، وتحويل المعارك إلى مشاهد طقسية تحمل أسماء كـ”كربلاء 1′′ و”كربلاء 10”. في تلك المرحلة، لم تُقرأ الخسائر بمنطق عسكري بحت، بل بمنطق رمزي يربط التضحية بجسد الإمام الحسين.
وما يجعل هذه الفلسفة بالغة الأهمية استراتيجياً في سياق الحرب الراهنة هو ما يرصده المراقبون: أن جنازات المدنيين الذين سقطوا في الغارات باتت مناسبات عامة للتضامن، يجتمع فيها الناس للترنيم والسير معاً – وهذه التجمعات ليست حداداً فحسب، بل تعبيرات سياسية تصل الألم الراهن بذاكرة روحية ممتدة عبر قرون. وبهذا المعنى، فإن كل غارة تُوقع ضحايا مدنيين لا تُضعف هذه المنظومة الرمزية، بل تُعيد تغذيتها.
وعندما صعّدت الولايات المتحدة ضغوطها – ضرباتٍ عسكريةً وعقوباتٍ واستهدافاً للقيادة – راهنت على أن زيادة الألم ستؤدي إلى الانهيار. غير أن هذا الرهان تجاهل أن بعض الخطابات السياسية تعيد تعريف الألم نفسه كقيمة، وأن استهداف القادة أو تشديد العقوبات قد يُستخدم لإحياء سردية المظلومية بدلاً من إضعافها. فمن منظور طهران، تُقرأ الضربات لا كخسائر عسكرية بحتة، بل كعقاب جماعي يُعزز سردية الاضطهاد – وهو المحرّك النفسي الأعمق لهذه الثقافة. صحيح أن لهذه السيكولوجية حدوداً – إذ لا يمكنها وحدها تفسير صمود المجتمعات دون الأخذ بعوامل أخرى كالجغرافيا السياسية والبنى المؤسسية – إلا أن تجاهلها كلياً يُفضي إلى تقدير خاطئ للنتائج.
“سيكولوجية نكبة الشهيد” تمنح المجتمعات قدرة على تحويل الخسارة إلى صمود، وتجعل الرموز أقوى من الضغوط المادية مهما اشتدت. وما لم تُراجع واشنطن أدواتها التحليلية لتشمل هذا البُعد، فإنها ستظل تُكرر الرهان ذاته وتحصد النتيجة ذاتها.





