مصطفى واعراب
أفريقيا برس – المغرب. لم تهدأ بعد الأزمة الجديدة بين المغرب وإسبانيا، التي انطلقت قبيل أسابيع، عندما نشرت سفارة المغرب بمدريد خريطة على موقعها الإلكتروني، تشمل سبتة ومليلية المحتلتين. وفي سياق آخر ردود الفعل الإسبانية، نشرت مدريد السبت الماضي (2 سبتمبر/أيلول)، فرقاطتين حربيتين في عرض مياه مدينة مليلية المغربية المحتلة، في حركة تهدف إلى استعراض العضلات وتوجيه رسائل طمأنه إلى الرأي العام الداخلي.
على هذا النحو الملتزم بحد أدنى من التوتر، يتوالى الطرفان المغربي والإسباني تبادل رسائل “صامتة”، للتعبير عن مواقفهما من مختلف تطورات هذا النزاع الطويل والمعقد. فما الذي حمل المغرب على نشر “خريطة” يعلم بأنها ستحدث ما أحدثته من أزمة لدى جارته الشمالية؟ وما علاقة ذلك باستقواء مدريد بشركائها الأوروبيين على المغرب؟ وبالضغوط الكبيرة التي يتعرض لها المغرب للدفع به إلى فتح جمارك مع سبتة ومليلية المحتلتين؟
أزمة جديدة/قديمة
على نحو ما سنرى لاحقا في متن هذا المقال، لا تعدو “أزمة الخريطة” أن تكون مجرد فصل ضمن فصول الأزمة الأكبر، بين المغرب وإسبانيا حول مدينتي سبتة ومليلية، التي لا تهدأ طويلا حتى تشتد من جديد.
وفي تفاصيل الحدث أن موقع سفارة المغرب بإسبانيا نشر قبيل أسابيع قليلة خريطة للمملكة، تشمل مدينتي مليلية وسبتة المحتلتين. وعلى عادة الجارة الشمالية للمغرب، لم يكن هذا “الحادث” ليمر مرور الكرام في الوسطين الإعلامي والسياسي، في أجواء الترقب المشحونة لنتائج مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، في أعقاب انتخابات يوليوز الصعبة التي تنافس خلالها بقوة حول رئاستها الحزبان الشعبي والاشتراكي العمالي.
وبينما لم يصدر عن الجانب المغربي أي توضيح أو تعليق – لحد الساعة – حول الخريطة أو الجدل المثار حولها، خرج رئيس مدينة مليلية المحتلة الذي ينتمي للحزب الشعبي خوان خوسي إمبرودا، للتعليق على خطوة السفارة مطالبا بالرد عبر “تقديم احتجاج رسمي للرباط بشأنها”، زاعما أن كل سكان المدينة [يقصد ذوي الأصول المغربية] “فخورون بإسبانيتهم”.
لا تزال تداعيات نشر السفارة المغربية في مدريد على موقعها الإلكتروني خريطة كاملة، تضم مدينتي سبتة ومليلية “المحتلتين”، تثير جدلا واسعا على المشهدين السياسي والإعلامي بإسبانيا، وسط مزايدات بين قيادات الحزبين الكبيرين الشعبي والاشتراكي، بخصوص “مناورات المغرب لضم المدينتين إليه”، في وقت اكتفت الخارجية الإسبانية بالتأكيد على “إسبانية المدينتين”، تفاديا للإشارة إلى المغرب.
وتتعالى الأصوات المنددة من كل جانب في إسبانيا، مستغربة ومحتجة على “الصمت الرسمي” الإسباني، على هذه “الخطوة الاستفزازية” للمغرب، و”مسه الفاضح بالسيادة الإسبانية”… بل إن القراءات والتأويلات تنافست لأقصى حد، وذهبت بعيدا في “شرح” هذا “العدوان” المغربي المتعمد. وذهبت كثير من “التحليلات” إلى ربط نشر الخريطة بالمشاورات السياسية، التي كلف الملك الإسباني في 23 من الشهر الماضي زعيم اليمين ورئيس الحزب الشعبي ألبرتو نونييس فيخو، بالقيام بها، لتشكيل حكومة جديدة. وهي مهمة معقدة، إذ إن حزبه، وإن تصدَّر نتائج الانتخابات، إلا أن حزبه “الشعبي” لم يحصل على عدد المقاعد الضروري لتشكيل حكومة بمفرده. وبالتالي ما يزال هامش المناوة ممكنا أمام رئيس الحكومة الحالي بيدرو سانشيز وحزبه الاشتراكي العمالي، للعودة لقيادة الحكومة القادمة.
وبالتالي صبت “أزمة الخريطة” مياها كثيرة جديدة، في طاحونة التنافس السياسي الداخلي الإسباني المشحون على الدوام، بخلافات ذات خلفيات انتخابية حول كل ما يمت للمغرب بصلة. وأعادت من جديد نظرية المؤامرة إلى واجهة النقاش السياسي العام في الجارة الشمالية. وأتت وفقا للرؤية الإسبانية لتؤكد على “أطماع المغرب في الاستيلاء على سبتة ومليلية!
استراتيجية مغربية “سرية”
منذ ثلاث سنوات تقريبا، أضحى مفهوم الخطر “الهجين” menace hybride أو “الاستراتيجية الهجينة stratégie hybride “، متداولا على نحو واسع في الإعلام الإسباني وفي خطاب نخبها السياسية والعسكرية، للحديث عن استراتيجية “غير معلنة” يقولون إن الرباط تتبناها لفرض حصار حول سبتة ومليلية المحتلتين. وقد ظهر لأول مرة – على ما يبدو – في متن تقرير جيو استراتيجي أنجزه أربعة باحثين إسبان وصدر عن معهد الأمن والثقافة الإسباني، في 10 ديسمبر/كانون الأول 2021، تحت عنوان “مطالبة المغرب بسبتة ومليلية من وجهة نظر المنطقة الرمادية”.
ويدافع التقرير عن أطروحة تزعم بأن لدى المغرب استراتيجية، تهدف من خلال إجراءات تصاعدية وطويلة النفس، إلى استرجاع مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين. وفي سبيل ذلك، “يستخدم المغرب تكتيكات الحرب الهجينة ضد إسبانيا، لإخضاعها لصراع طويل الأمد ومنخفض الحدة”.
وفي كتابه المعنون بـ “الغرفة الخلفية لأجهزة المخابرات”، الصادر العام الماضي، ينقل عميل المخابرات الإسبانية السابق فيرناندو سان أوغستين عن قائد عسكري إسباني مجهول [زعم بأنه طلب عدم الكشف عن هويته]، أسرار ما قال إنها خطة مغربية “لاستعادة سبتة ومليلية”. ويزعم الكتاب بأن الخطة تتضمن أن يدخل عملاء مغاربة المدينتين برا وبحرا “بالأعلام المغربية في يد والقرآن في اليد الأخرى”، وأن شاحنات وحافلات وآليات مغربية ستستخدم “لإسقاط الأسوار الحدودية وتسهيل مرور الناس [يقصد المغاربة]”.
وفي سياق ذلك، سيجد الحرس المدني والشرطة الإسبانيين أنفسهم في مواجهة حشود سيكون حجمها خمسة أضعافهم، ستقتحم المؤسسات والمنازل والشركات.
“لقد حسبوا [يقصد المغاربة] أن كل مدينة سيتم غزوها من قبل 20 ألف شخص. وبينما تنشغل بعض المجموعات باستبدال العلم الإسباني بالعلم المغربي، فإن البقية سيضعون أنفسهم في مكان للصلاة لتقديم الشكر لله وتفادي تدخل الشرطة [يقصد أن القوات الإسبانية لن تجرؤ على مهاجمة مصلين]. وببساطة سيتم تطويق مراكز وثكنات الشرطة لمنع أو تقييد خروج وتحرك الجنود والشرطة “، بحسب المصدر نفسه.
ويتوقع عميل المخابرات السابق في كتابه أن يسيطر المغرب على المدينتين في غضون 48 ساعة فقط، في حال وقوع هجوم مغربي مسلح. ويؤكد على أن المغرب لديه شبكة تجسس واسعة للغاية وجيدة التجهيز في إسبانيا. ويتشكل أعضاؤها من أئمة المساجد وزعماء الجالية المغربية في إسبانيا، ورجال أعمال مغاربة. “هم على الأرجح ليسوا من أنصار الملك، لكنهم من أنصار المغرب”، كما يقول.
وضمن هذه الاستراتيجية المغربية “الهجينة”، يضع معدو التقرير جهود المغرب المتواصلة لتقوية وتسليح قواته المسلحة. فيرون بأن الهدف من وراء ذلك يتمثل في ردع إسبانيا عن اللجوء مستقبلا إلى القوة المسلحة لاستعادة المبادرة. وبالتالي فإن ما يقوم به المغرب في هذا الباب، يسمح لجهوده في “زعزعة الأمن” أن تتواصل في الزمن، على الرغم من أن التقرير يزعم مع ذلك، بأن تحديث الجيش المغربي خلال السنوات الأخيرة، حافزه الرئيس هو تغيير ميزان القوى الإقليمي في ارتباط بالنزاع حول الصحراء.
سجال سياسي لا يتوقف
باعتبار إسبانيا مستعمرا سابقا للمغرب، من الطبيعي أن تجمعها بالمغرب خلافات ونزاعات معقدة، خصوصا أنها -عكس فرنسا – لم تتفاوض معه قبل انسحابها من المناطق التي كانت تحتلها من ترابه. لكن المراقب للعلاقات الإسبانية المغربية يلاحظ أن قضية سبتة ومليلية، هي التي تدور حولها غالبية الأزمات التي تندلع بشكل دوري بين العاصمتين.
فإذا ما أخذنا العام الجاري كمثال، نلاحظ بأنه في فبراير الماضي، وقع المغرب وإسبانيا مذكرات تفاهم ثنائي في عدة مجالات تعزيزا “لشراكتهما الاستراتيجية” في اجتماع وزاري رفيع المستوى، بعدما طوى البلدان أزمة دبلوماسية حادة بسبب قضية الصحراء. لكن في أواخر مايو/أيار الماضي، وجه المغرب رسالة احتجاج إلى المفوضية الأوروبية، بسبب اعتبار نائب رئيس المفوضية الأوروبية المكلف بالهجرة مارغريتيس شيناس، كلا من سبتة ومليلية “حدودا أوروبية، وتتواجدان ضمن التراب الإسباني والأوروبي”.
وردت حكومة مدريد على الاحتجاج المغربي بتقديم شكوى رسمية إلى الرباط، لتصنيفها سبتة ومليلية “مدينتين مغربيتين”، في وثيقة “تذكيرية” أرسلتها الرباط إلى المفوضية الأوربية. وكشف الإعلام الإسباني بأن مدريد عبرت من خلال مذكرة أرسلتها إلى سفارة المغرب في مدريد، عن رفض وزارة خارجيتها “بشكل قاطع” للغة التي يستخدمها المغرب للإشارة إلى المدينتين، مؤكدة أنهما توجدان ضمن “الحدود الإسبانية الوطنية”.
في سياق تفاعل تصريحات مارغيريتس شيناس، نائب رئيس المفوضية الأوروبية، أعلنت الأخيرة بداية شهر أغسطس/آب الماضي، بأن “مراجعة العلاقات مع المملكة المغربية بعد احتجاج الرباط على اعتبار المسؤول الأوروبي مدينتي سبتة ومليلة إسبانيتان، أمر غير وارد”، مشددة في نفس الوقت على أن “المدينتين أوروبيتان”. وقد جاء ذلك خلال جواب لجوزيب بوريل، الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، على أسئلة نواب إسبان بالبرلمان الأوروبي حول ما إذا كانت المفوضية ستراجع الشراكة التي تجمعها مع الرباط، على خلفية احتجاج الأخيرة على اعتبار الإتحاد الأوروبي سبتة ومليلية إسبانيتين، مشيرا [بوريل] إلى أن “المفوضية لن تتخذ تلك الخطوة”.
وبعد “أزمة العلم” التي اندلعت في إسبانيا في العشرين من الشهر الماضي، نشرت مدريد السبت الماضي (2 سبتمبر/أيلول) فرقاطتين حربيتين في عرض مياه مدينة مليلية المغربية المحتلة. وما زال الملف مفتوحا على فصول جديدة من الخلافات.
والواقع أنه منذ 2017، شرع المغرب في تحديث عتاد جيوشه الثلاثة (البرية والجوية والبحرية) وإقامة نواة للتصنيع العسكري المتطور، بغلاف مالي يتجاوز 20 مليار دولار. ونتيجة لذلك، أخذ ميزان القوى مع إسبانيا يتقلص تدريجيا، رغم أن أنه لا زال يميل لصالحها. والمعروف أن القوة العسكرية حتى لو لم يتم اللجوء إلى استعمالها بيد الدول، إلا أنها تمنح الدولة القوية عسكريا قوة ونفوذا سياسيا وديبلوماسيا. ونتيجة لذلك، استشعرت الجارة الشمالية أن مغرب اليوم وغدا ليس هو مغرب يوليو/تموز 2002، عندما قامت مدريد بإنزال عسكري —مطمئنة إلى تفوقها العسكري الساحق—فوق جزيرة ليلى، وعربدت كما شاءت حينها…
الخبراء الإسبان أنفسهم يعترفون بأن تلك الغطرسة لم تعد ممكنة مع المغرب، بالنظر إلى ميزان القوى الحالي. وبسبب ذلك، تستشعر مدريد أكثر فأكثر بأن كماشة الحصار الاقتصادي والعسكري تضغط على سبتة ومليلية، وأن اليوم الذي سيكون عليها التفاوض مع الرباط على حل تخلي بموجبه المدينتين والجزر التي تحتلها بات أقرب مما كانت تتصور.
ولذلك نجدها ناورت لأجل استضافة قمة حلف الأطلسي في صيف 2022، وبذلت الممكن والمستحيل من أجل دفع قيادة الحلف للاعتراف بأن سبتة ومليلية جزء من مجاله وخاضعتان بالتالي لحمايته. لكن القمة رفضت الانجرار وراء لعبة إسبانيا وخيبت آمالها. وبالمثل، سعت إسبانيا منذ سنوات إلى دفع الاتحاد الأوروبي للاعتراف بـ “إسبانية” و”أوروبية” مليلية وسبتة، من خلال حملات منظمة خاضتها ديبلوماسيتها وبرلمانيوها في البرلمان الأوروبي. وقد تكلل هذا المسعى بنجاح للأسف.
رسائل ورسائل مضادة!
في مواجهة هذا النشاط الإسباني الهادف إلى تأبيد احتلال المدينتين السليبتين، يجد المغرب نفسه يصارع على أكثر من جبهة في نفس الوقت، بما يملك من إيمان وأدوات ضغط محدودة. بينما إسبانيا مسنودة من طرف 28 دولة أوروبية عضو في الاتحاد، وحتى من طرف بعض دول الجوار المغاربي. وهذا هو السر الكامن وراء تكرار الأزمات حول قضية سبتة ومليلية…
والواضح أن إسبانيا تطمح إلى موافقة المغرب على إعادة فتح مكتب الجمارك في مليلية [كان مفروضا على المغرب منذ أواخر القرن 19 ضمن الشروط التي فرضت عليه بعد هزيمته في حرب تطوان]، وإنشاء مكتب جديد في سبتة. ومنذ اعتراف مدريد بمغربية الصحراء في ربيع العام الماضي، واصلت ضغوطها على الرباط لأجل فتح الجمارك بين مليلية وسبتة وسائر التراب المغربي، لفك الحصار التجاري والاقتصادي عن المدينتين اللتان تختنقان بسبب غياب تبادل تجاري مع المغرب. لكن المغرب يراوغ على ما يبدو متعذرا بوجود “تعقيدات فنية” تحول دون التعامل الطبيعي جمركيا مع كثرة العابرين في الاتجاهين (يكونون بالآلاف يوميا خلال أشهر الصيف). والواضح أن المغرب لن يفتح أية جمارك مع مدينتيه المحتلتين، لأن من شأن ذلك أن يمثل اعترافا من طرفه بواقع الاحتلال.
في ظل هكذا وضع معقد ومسدود، حيث المغرب متشبت بمدينتيه المحتلتين بينما تعتبرهما إسبانيا “جزءا من ترابها الوطني”، دخل الطرفان المغربي والإسباني دورة تنفيس الأزمات منعا لانفجارها. ويتم ذلك من خلال تبادل “رسائل” ورسائل مضادة، لا تخفى حمولاتها السياسية على كل مراقب للأوضاع بين البلدين.
لقد كان بإمكان المغرب أن يتجاهل تصريحات نائب رئيس المفوضية الأوروبية المكلف بالهجرة اليوناني مارغريتيس شيناس، التي اعتبر فيها سبتة ومليلية “حدودا أوروبية”، كما سبق أن فعلت الديبلوماسية المغربية سابقا في سياقات ومناسبات أخرى. لكن احتجاجه/تعليقه على المفوضية الأوروبية – الذي “كان لا بد منه”، وفق تعبير الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس – حمل رسالة مزدوجة إلى كل من مدريد وبروكسيل. فإلى مدريد كانت رسالة الرباط أن استقواءها بالاتحاد الأوروبي لن يخيف المغرب ولن يثنيها عن النضال لاسترجاع أراضيها المحتلة. وإلى المفوضية والاتحاد الأوروبيين كانت رسالة المغرب أنه لن يرضخ لضغوط الشركاء الأوروبيين في نزاعه مع مدريد.
وبعد تكرار الطرف الإسباني للتأكيد على أن المدينتين المحتلتين هما “إسبانيتان”، خصوصا خلال السجال الانتخابي ليونيو/حزيران ويوليو/تموز الماضيين، مع مواصلة الضغط على الرباط في موضوع الجمارك. كان لا بد للرباط من أن تتعامل بالمثل وتكرر بدورها أن مغربية سبتة ومليلية لا نقاش ولا تفاوض حولها، مع أي كان وتحت أي ظرف كان. وفي هذا الإطار يأتي نشر سفارة المغرب بمدريد للخريطة المعلومة، التي خلخلت قناعات الإسبان بـ “إسبانية” المدينتين بشكل قوي.
وفي سياق الجدل الكبير الذي أشعلته “أزمة العلم” التي اندلع في إسبانيا منذ العشرين من الشهر الماضي، ولم يهدأ بعد، نشرت مدريد السبت الماضي (2 سبتمبر/أيلول) الفرقاطتين الحربيتين في عرض مياه مدينة مليلية المغربية المحتلة، في خطوة تهدف إلى تهدئة الرأي العام الإسباني (خصوصا في مليلية المحتلة)، وطمأنته إلى أن الجيش هو من يضمن “سيادة” البلاد وليست الحكومة. فالمعروف أن الجيش الإسباني ما زال يلعب أدوارا أساسية في سياسة بلاده. كما يضمر تحريك الفرقاطتين رسالة مبطنة للمغرب، مفادها أن جارته الإسبانية جاهزة للدفاع عن ما تعتبره “جزءا من ترابها الوطني”، أي مدينتي سبتة ومليلية.
وهكذا، في غياب حسم سياسي أو عسكري لهذا الطرف أو ذاك، سيستمر تبادل الرسائل المرموزة والرسائل المضادة تنفيسا منهما للأزمات التي ستبقى تتكرر في هذا الملف الشائك.
مدريد تتبنى “استراتيجية أمنية” خاصة بسبتة ومليلية
صادقت الحكومة الإسبانية على استراتيجية الأمن القومي في 28 ديسمبر/كانون الأول2021، باعتبارها خارطة الطريق الرابعة من نوعها منذ نهاية نظام فرانكو الديكتاتوري في العام 1975. وقد أشرف على وضعها مجلس الأمن القومي الإسباني، بحيث تتمحور الوثيقة حول أربعة توجهات: الأمن العالمي وعوامل التحول، وإسبانيا آمنة ومرنة، والمخاطر والتهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي، والتخطيط الاستراتيجي المتكامل. ومن بين أهم بنود هذه الإستراتيجية نجد تخصيص “مخطط أمني شامل لسبتة ومليلية”، تمثل استجابة إيجابية مع مطالب الحكومتين المحليتين للمدينتين المحتلتين من طرف إسبانيا، اللتين دعتا مدريد منذ سنوات إلى وضع استراتيجية خاصة بالمدينتين الاتين تعتبرهما إسبانيا “مستقلتبن”.
وهكذا، فأخذا بالاعتبار “موقعهما الجغرافي في القارة الإفريقية، وخصوصية حدودهما الإسبانية والأوروبية، فإن مدينتي سبتة ومليلية المتمتعتان بالحكم الذاتي، تتطلبان اهتماما خاصا من الدولة الاسبانية لضمان أمنهما”، بحسب ما أكد واضعو الاستراتيجية، دون أن يتطرقوا إلى طبيعة هذه الاستراتيجية ودون المزيد من التفاصيل.
هناك بند آخر في الاستراتيجية الأمنية وجب التوقف عنده، وهو أنها تأخذ بعين الاعتبار “نظرية المنطقة الرمادية” التي سبق أن بلورها باحثون إسبان في الشؤون الجيواستراتيجية. فالاستراتيجية الأمنية تكشف عن تنفيذ خطة عمل لـ “مكافحة التضليل”، وهي المهمة الموكولة بشكل خاص إلى أجهزة المخابرات الإسبانية، بهدف إنشاء إطار تعاون بين القطاعين العام والخاص “يكون قادرا على مراقبة الحملات الإخبارية المزيفة التي تستهدف إسبانيا والرد عليها”.
وتحدد الوثيقة أنه “بالنظر إلى الخطر المحتمل الذي تمثله الأخبار الكاذبة [التي يروجها المغرب]، من المهم الإبلاغ عن استراتيجيات التضليل التي تتبعها الجهات الأجنبية [التلميح إلى المغرب]، سواء كانت حكومية أو غير حكومية، والتي تطور أجهزة دعاية بهدف استقطاب المجتمع [سبتة ومليلية] وتقويض الثقة في المؤسسات”.
وتعكس هذه النقطة ما سبق أن نشره مرصد سبتة ومليلية، التابع لمعهد الأمن والثقافة [تابع للدولة الإسبانية] بمدريد، في 10 ديسمبر/كانون الأول 2021، في تقرير تحت عنوان “مطالبات المغرب بشأن سبتة ومليلية من منظور المنطقة الرمادية”.
وتناقش الدراسة فرضية استخدام الرباط لنظرية جيوسياسية جديدة، هي “نظرية المنطقة الرمادية”، لاستعادة السيطرة على سبتة ومليلية والجزر المتوسطية المحتلة. والهدف الأساسي لهذه النظرية، وفقا لوثيقة معهد الأمن والثقافة المذكورة، هو إما إجبار منطقة من المناطق المحتلة على الاستقلال لإضعافها، أو ضمها بالقوة، أو تسهيل تغيير الحكومات التي تسيرها.
وبالتالي فإن نجاح نظرية المنطقة الرمادية يتطلب إنشاء “سلسلة متصلة”، بحيث تمييز الوثيقة بين أربعة مستويات من التصعيد: تكوين البيئة الملائمة، والتدخل، وزعزعة الاستقرار، والاستخدام المحدود والمباشر للقوة. لكن في حال تنفيذ مثل هذه الاستراتيجية من قبل السلطات المغربية، يظل التقرير غامضا ولا يقدم سوى افتراضات واستقراءات لدعم مزاعمه. ولم يمنع ذلك مؤلفي التقرير من توصية السلطات الإسبانية بضرورة النظر بجدية في “احتمال اتباع السياسة المغربية لنهج هجين بشأن سبتة ومليلية”، وهي توصية مبنية بحسبهم استنادا إلى تحركات الرباط بهذا الشأن، التي يعتبرونها “حقيقية ومحتملة”.
وهي رؤية يتقاسمها معهم أيضا العديد من كبار الضباط العاملين أو المتقاعدين من الجيش الإسباني، الذين يعتبرون المغرب تهديدا وجوديا لإسبانيا، ويستحضرون دائما وجود “مؤامرة مغربية” تعتمد على تضليل الرأي العام الإسباني، لاستعادة سيادة الرباط على مدينتيها وجزرها المحتلة.
لكن خارج العموميات التي أتينا على ذكر أهمها، والتي أوردها الإعلام الإسباني، تتمسك الحكومة الإسبانية بعدم الكشف عن تفاصيل “الإجراءات العملية”، التي تتضمنها “استراتيجية الأمن القومي”. فالحكومة تعتبرها من أسرار الدولة العسكرية، ردا على مطالب ومناشدات مسؤولي ومنتخبي سبتة ومليلية، والأحزاب السياسية، والإعلام، بضرورة تنوير رأيهم العام بتفاصيلها.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن المغرب اليوم عبر موقع أفريقيا برس





