محمد مسيح، كاتب مغربي
أفريقيا برس – المغرب. لم يعد الصراع في النظام الدولي المعاص، يقرأ بمنطق المواجهات المباشرة أو العداوات المعلنة، لأنها سطحية تجعل من فهم الصراع الدولي مشوه و ناقص لتفسير الواقع،و إنما بالنظر إلى الصورة كاملة، بربط التوترات الإقليمية التي توظف وفق هندسة معقدة تدار عبر شبكات توتر موزعة جغرافيا، تستثمر فيها الأزمات الإقليمية كأدوات لإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي.
فإيران رغم موقعها الجيوسياسي الحساس، وقدرتها على التأثير في توازنات الشرق الأوسط، تظل قوة إقليمية محكومة بسقف طموح واضح، لا يرقى إلى التهديد البنيوي للنظام الدولي الذي تقوده واشنطن.
كما أن انخراطها في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وخضوعها لمنظومة ضغط دولي مستمر، يجعلون من سلوكها الاستراتيجي قابلا للاحتواء، و للتوظيف ضمن ترتيبات و توافقات كبرى. مع العلم أن بعض الأزمات الإقليمية تخدم أهداف محلية أيضا.
الصين واجهة الصراع الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية
لفهم عمق التوتر بين الصين و أمريكا، لابد من تجاوز الخطاب الظاهري و الوقوف بتأمل و افتحاص الأهداف الاستراتيجية طويلة الأمد التي تسعى بكين لتحقيقها، فالمسألة ليست مجرد صعود قوة، بل مشروع يحاول إعادة تعريف النظام الدولي، بضرب الأسس التي قامت عليها الهيمنة الأمريكية منذ الحرب الباردة.
اليوم أمريكا ترى في الصين تهديد وجودي لعدة أسباب أهمها:
كسر هيمنة الدولار من خلال تقليل الاعتماد عليه في التبادلات الدولية، وخلق أنظمة دفع بديلة تضعف أهم أسلحة واشنطن، وهي العقوبات الاقتصادية.
في مجال التكنولوجيا تعمل الصين على أن تصبح القوة الرائدة في الذكاء الاصطناعي و الحوسبة الكمية و الصناعات الرقمية، وبالتالي الهدف ليس التفوق التقني، بل من يحدد المعايير اليوم، يحدد قواعد اللعبة الاقتصادية و الأمنية في المستقبل.
مشروع الحزام والطريق الذي لا تختزله أمريكا كأكبر مشروع اقتصادي في تاريخ البشرية، بل أداة استراتيجية لإعادة هندسة النظام الدولي، فالمسألة لا تتعلق ببناء الطرق و الموانئ، بل إعادة رسم خرائط القوة و النفود على مستوى العالم.
فالبيت الأبيض يلاحظ تآكل القوة التاريخية له في التحكم في الممرات البحرية و نقط الاختناق الاستراتيجية (مضيق هرمز و المندب…)، عبر مشروع الحزام والطريق الذي يعمل على خلق ممرات برية بديلة تربط آسيا بأوروبا، و الموانئ استراتيجية خارج السيطرة الغربية، وبالتالي تآكل القدرة الأمريكية على خنق الخصوم اقتصاديا. و نقل الصين النفوذ الاقتصادي إلى هيمنة جيوسياسية، بخلق تبعية اقتصادية وسياسية طويلة الأمد للدول المنخرطة في المشروع، يجعل منها غير ملائمة لقالب السياسات التي تقودها واشنطن.
وبالتالي أمريكا تري في مشروع الحزام والطريق إعادة توزيع مراكز القوة العالمية، بنقل الثقل الاقتصادي نحو آسيا، وبناء إمبراطورية بلا قواعد عسكرية، من خلال شبكة نفود ممتدة جغرافيا (الموانئ، السكك الحديدية، و المناطق الصناعية).
أمريكا تعلم إن نجاح أهداف بكين ليس اسقاطها بل جعلها غير قادرة على قيادة العالم. وهنا تحديدا يكمن التهديد الموجودين.
كيف تعطل أمريكا مشروع الصين العالمي؟
الولايات المتحدة الأمريكية تعي جيدا أنها غير قادرة على مواجهة مباشرة مع الصين، وخير مثال على ذلك حرب الرسوم الجمركية التي لم تستطع أمريكا مجاراة الصين، إلا بعد توظيف باكستان كورقة ضغط في التفاوض بحرب بوكالة الهند الأخيرة للتوصل لهدنة الحرب التجارية.
وبالتالي أمريكا تعتمد على استراتيجية قائمة على استنزاف المشروع الصيني من الداخل و الخارج، وتحويل مصالحها الحيوية في الدول المستهدفة إلى نقط ضغط. في الخليج و إيران تستهدف خطوط الطاقة ورفع المخاطر الأمنية على الصين، في باكستان و جنوب شرق آسيا تعزز التوترات الإقليمية لتقويض الممرات البرية و البحرية، في أمريكا اللاتينية و إفريقيا، بضغط على الحكومات المحلية لدعم النفود الغربي منافس، يقلل من العوائد الاقتصادية و الاستراتيجية للصين.
عبر هذه الشبكة من الأزمات و التوترات تقوم أمريكا بخلق بيئة غير مستقرة، مرتفعة التكلفة، وعنصر مربك لخطط الصين، يؤدي إلى ابطاء التنفيذ و استنزاف أكبر للموارد. بمعنى كل أزمة يبدو أنها محلية أو إقليمية، في الواقع جزء من استراتيجية شاملة لإبطاء مشروع الحزام والطريق.
موقف الصين من الاحتواء الأمريكي و إدارة التوترات؟
في مواجهة شبكة الفرملة الأمريكية، تختار الصين استراتيجية مزدوجة، تقوم على الصبر الاستراتيجي و التحرك التكتيكي داخل كل عقدة جغرافية للمشروع على أساس مراكمة النفود بأقل المخاطر.
و الصين أيضا، تستثمر في اللعب على الوقت و الموارد باستنزاف المحاولات الأمريكية دون تصعيد صريح، عبر خلق شبكة موازية من النفوذ السياسي و الاقتصادي في المناطق الحساسة، بحيث تصبح أي محاولة أمريكية لتعطيل مكلفة ومعقدة، مثل ما يحدث اليوم في إيران.
أي كل ممر بحري أو بري أو استثمار يعتبر خطا أحمر صينيا بخلق شبكة حماية متعددة الطباقات ( الدبلوماسية الاقتصادية و التمويل الذاتي و الاستثمارات المشتركة و الدعم الاستخباراتي و اللوجستيكي)، الهدف إبقاء المشروع مستمر رغم كل التوترات مع الحفاظ على تكامل الشبكة الاستراتيجية.
في الختام الصين تمضي بخطى مدروسة، و صبر استراتيجي، تصبح هيمنتها مسألة وقت لا غير، لكل خطوة في الحزام والطريق تثير السؤال الأكبر، كيف سيبدو العالم اذا نجح المشروع الصيني؟ وكل أزمة و توتر إقليمي ليس سوى اختبار للقدرة الصينية على إعادة رسم قواعد النفود، تاركة خلفها احتمالات جديدة لشكل النظام العالمي القادم.





