أفريقيا برس – المغرب. انتشرت صور رائدي الفضاء اللذين عادا من محطة الفضاء الدولية الأسبوع الماضي، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وسط شعور بالراحة، بعدما علقا لنحو تسعة أشهر في المحطة، إثر فشل “ناسا” في إعادتهما، وإصرار إيلون ماسك على المساعدة، وتمكنه أخيراً عبر شركته سبايس إكس من إنجاز المهمة. بوتش ويلمور وسوني ويليامز، وهما رائدا فضاء من ذوي الخبرة في وكالة الفضاء الأميركية “ناسا”، انطلقا في يونيو/ حزيران إلى المحطة الفضائية في مهمة مدتها ثمانية أيام، لكن إقامتهما طالت بسبب أعطال رُصدت في مركبة “ستارلاينر” التي نقلتهما. وفضّلت “ناسا” إعادة المركبة التي صنّعتها شركة بوينغ فارغة في إجراء احترازي، وإسناد مهمة إعادتهما إلى “سبايس إكس”. وهكذا، غادرا محطة الفضاء الدولية على متن مركبة “سبايس إكس كرو دراغون” في وقت مبكر من الثلاثاء الماضي، بمرافقة رائد الفضاء الأميركي نيك هيغ ورائد الفضاء الروسي ألكسندر غوربونوف، وهبطوا قبالة سواحل فلوريدا بعد رحلة هبوط استغرقت 17 ساعة.
يد ماسك كانت مكفوفة عن “ناسا”، بوصفها محطة وطنية وذات علاقات عالميّة، لكن مع تصاعد خصخصة الرحلات الفضائية، وزيادة تجارب إيلون ماسك الناجحة، أتاح له الرئيس الأميركي دونالد ترامب التدخل. ولم يكن الحدث الأخير إلا تأكيداً إضافياً أننا دخلنا مرحلة جديدة من “عوالم الفضاء”، تلك التي لم تعد جبهة إضافية في الحرب الباردة بين الدول العظمى، بل باتت حرباً بين شركات خاصة تحاول أن تتسابق لتحقيق إنجازات تضاف إلى سجلها، وتزدي من رأسمالها وأرباحها.
قد يكون السبب الأول والبديهي للصراع القديم بين “ناسا” وماسك هو أن الأولى مؤسسة حكومية تخضع لبيروقراطية وميزانيّة وبطء في التنفيذ إذ تخضع لرقابة الدولة الأميركية ولا تمتلك رفاهية “التجريب” و”اللعب”، كما هي حال الأخير الذي لا يمانع انفجار صواريخه في الهواء أو أثناء الهبوط.
بصيغة أخرى، تتجنب وكالة الفضاء الأميركية التهوّر، خصوصاً أنها تحمل سردية وطنية وعالميّة، استخدمتها الولايات المتحدة أثناء الصراع مع الاتحاد السوفييتي، وتواصل استخدامها وتقديم إنجازاتها هدية للأميركيين والعالم أجمع. وهو ما يمكن تلخيصه بالعبارة الشهيرة التي قالها نيل أرمسترونغ حين وطأت قدماه القمر: “هذه خطوة صغيرة لإنسان، لكنها خطوة كبيرة للبشريّة”.
البشرية هذه تمثلنا نحن، سكّان كوكب الأرض، ومعها ملايين الأطفال الذين حلموا أن يصبحوا يوماً ما رواد فضاء. لكن هذا الحلم مهدد حالياً مع صعود سلطة إيلون ماسك وجيف بيزوس، وانغماسهما في رحلات الفضاء الخاصة. فلم يعد التفوق الدراسي والمهارة الجسديّة هما المعيار لمغادرة الغلاف الجوي، بل المال والمال فقط. وما تسلط ماسك على “ناسا”، إلا تفعيل لسلطة “المدير التنفيذي” في خصخصة بطيئة لكن ثابتة لقطاع الفضاء.
محاولات ماسك للترويج لاحتلال الفضاء عبر الفيديوهات التي يشاركها عبر حسابه على منصة إكس، عن هبوط الصواريخ والتسجيلات التي ترصد الفضاء ومحاولة التأكيد على نجاح “استثماراته”، يقابلها تدخل في “ناسا” ومحاولة تقويض جهودها، وربما الحد من مشاريعها، بسبب السلطات التي منحه إياها ترامب. ولم يتردد هذا الأخير في ترشيح جاريد إيزاكمان، مليونير آخر وصديق لماسك، لرئاسة “ناسا”، الذي نقرأ في صفحة “وكيبيديا” الخاصة به أنه “طيار” و”رائد أعمال” والأهم “رائد فضاء تجاريّ”.
ربما صفة “رائد فضاء تجاري” هي التي تكشف أننا دخلنا عصراً لم تعد الاستثمارات الكبرى الخاسرة التي تتبناها الدولة عادة، كشق الطرق والتعليم، شأناً سيادياً بل تنتقل إلى الملكية الخاصة وعقلية إدارة الشركة.
عاد رائدا الفضاء العالقان إلى الأرض، ورسخ الآن أن الفضاء أصبح مساحة للعب الأغنياء ومغامراتهم، ولم يعد العلماء هم الأقدر، بل أصحاب الشركات ورؤوس الأموال، الذين كانوا حاضرين يوم تنصيب ترامب. أولئك الذين يبدو أن أحلامهم تتجاوز الأرض نفسها، نحو مساحات الفضاء اللامتناهية.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن المغرب عبر موقع أفريقيا برس