الحوار الاجتماعي في المغرب: أي تطلعات؟

2
الحوار الاجتماعي في المغرب: أي تطلعات؟
الحوار الاجتماعي في المغرب: أي تطلعات؟

د. رشيد أعمر

أفريقيا برس – المغرب. بعد أن عرف وطننا مؤخرا تحركا شبابيا واعيا يهدف أساسا إلى إصلاح قطاعي الصحة والتعليم، بِسُرعةٍ اتسم الوطن بالأمل في مستقبلٍ واعدٍ تم تحديد أهم محاوره في بلاغ الديوان الملكي الصادر عن المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 19 أكتوبر 2025. وتضمن البلاغ عدة محاور ذات أهمية قصوى شملت عدة مجالات حيوية من ضمنها إجراءات ذات طابع اجتماعي من قبيل ما توخاه مشروع قانون المالية رقم50.25 للسنة المالية 2026 (أضحى قانونا للمالية ونشر بالجريدة الرسمية »= ج.ر » عدد 7465مكرر بتاريخ 16 ديسمبر 2025) من تحقيق تنمية وطنية تجمع بين العدالة الاجتماعية والتنمية المجالية المندمجة، ومن تأكيد على مواصلة توطيد أسس الدولة الاجتماعية، لاسيما توسيع الانخراط في أنظمة التقاعد وتعميم التعويض عن فقدان الشغل.

ولئن كان المجلس الوزاري يتداول في التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة (الفصل 49 من الدستور، ج.ر عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011)، فإن مجلس الحكومة يتداول في السياسة العامة للدولة قبل عرضها على المجلس الوزاري والسياسات العمومية والسياسات القطاعية (الفصل 92 من الدستور م.س « =مرجع سابق »)، والتي من مشتملاتها الحرص على دورية الحوار الاجتماعي (لاحظ أنه بناء على الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في المنتدى البرلماني الثاني للعدالة الاجتماعية بتاريخ 20 فبراير 2021 بغاية مأسسة الحوار الاجتماعي تم التنصيص على مأسسته بواسطة اتفاق الحوار الاجتماعي في جولة 30 أبريل 2022)، الذي يتعين أن يكون حوارا جادا وفعالا ومنتجا، مما يدفعنا للتساؤل هل جولة الحوار الاجتماعي لدورة سبتمبر 2025 تتسم بهذه الصفات والسمات؟ لاسيما أن هذه الدورة، التي نحن في عمق بَحرِها اللُجِي، يكتنفها الكثير من الغَبشِ ومن الغموض.

وبغاية التنوير، يجدر بنا الحديث عن جولة الحوار الاجتماعي المركزي-دورة أبريل2025 لِتلافِي مطابتِها وهَزالَة مُخْرجاتِها المُعبَّر عنها ببلاغ صحفي لا يُسمن ولا يُغني من جُوع.

وفي هذا السياق نتساءل ألم يكن من اللازم والمفروض، وليس من المُفترض، في دورة أبريل 2025 إبرام اتفاق بين الفرقاء الاجتماعيين والاقتصاديين والحكومة يعالج مشاكل جَمَّة حارقةٍ تعيشها بمرارةٍ الطبقة العاملة (موظفون ومستخدمون وأجراء) سواء إِبَّان سيرورة عملها أو بعد إحالتها على التقاعد، غير أن التَغَافُل عن اعتماد مثل هذا الاتفاق كان سَيِّد الموقف مع التَبَجُّح الحكومي « بما تم إنجازه » في غياب عزيمة سياسيةٍ حاسمةٍ لطرح حلول واقعية عاجلة لمعاناة الطبقة العاملة. وبَدَلاً من إبرام اتفاق ثلاثي الأطراف صدر بلاغ صحفي حول جولة الحوار الاجتماعي لدورة أبريل 2025، فهل أَشْفَت هذه الجولة وبلاغها صُدورَ أقوام عاملةٍ ومتقاعدةٍ؟ خصص هذا البلاغ بعض فقراته للتذكير بأهمية الحوار الاجتماعي، ومؤكدا بأنه إِعمالاً للميثاق الوطني لمأسسة الحوار الاجتماعي بادرت الحكومة بدعوة النقابات الأكثر تمثيلية والاتحاد العام لمقاولات المغرب والكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية إلى سلسلة من الاجتماعات برئاسة السيد رئيس الحكومة.

كما شَكَّلت هذه الاجتماعات مناسبة للوقوف على أهم منجزات الحوار وتتبع تنفيذ الالتزامات المتبادلة مع رَسْمِ معالم المرحلة المقبلة، لاسيما أن سياق انعقاد جولة أبريل 2025 يتميَّز بحصيلة غنيَّة من المنجزات وهو ما مَكَّنَ من الرفع من الدخل وتحسين القدرة الشرائية للشغيلة وتعزيز حمايتها الاجتماعية حسب البلاغ الصحفي المذكور. أما بقية فقرات البلاغ الصحفي فقد تم تخصيص بعضها لما سُمي بالمنجزات والبعض الآخر للالتزامات، وبناء عليه نخصص المحور الأول للمنجزات والمحور الثاني للالتزامات لِنخلُص إلى ختمِ المناقشة في انتظار مخرجات جولة سبتمبر 2025 الجارية.

المحور الأول: المنجزات

تَجسَّدت هذه المنجزات حسب البلاغ الصحفي للحكومة في تحسين الدخل على مستوى القطاع العام (1) وفي الزيادة في الحد الأدنى القانوني للأجر(2) وفي تعزيز الحماية الاجتماعية(3) وفي المراجعة الضريبية(4).

• تحسين الدخل على مستوى القطاع العام

استفاد موظفو ومستخدمو الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، غير المستفيدين من مراجعة أجورهم من الزيادة العامة في الأجور، من زيادة عامة في الأجور محددة في مبلغ شهري بقيمة ألف (1000) درهم صافية على مرحلتين (ابتداء من فاتح يوليوز لسنتي 2024 و2025) على غرار تحسين دخل موظفي قطاعات التربية الوطنية والتعليم العالي والصحة بأغلفة مالية إجمالية تبلغ على التوالي حسب القطاعات المذكورة 17 مليار درهم و2 مليار درهم و3.5 مليار درهم.

وحيث أن مصدر هذه المبالغ هي الميزانية العامة التي من أهم مواردها الضرائب لاسيما الضرائب غير المباشرة، علاوة على أن النصيب الأكبر من الضريبة على الدخل يتأتى من الاقتطاعات من المنبع أي من أجور الموظفين والمستخدمين والأجراء، أفلا تستحق هذه الفئات على الأقل الحفاظ على قدرتها الشرائية إبَّان عملها أو بعد إحالتها إلى التقاعد؟ ثم هل المبالغ المالية المذكورة كافية لتواجه الفئات المتعددة من موظفين ومستخدمين وأجراء الارتفاع المهول للأسعار وما لَحِق قدرتها الشرائية من نقصٍ فظيع؟

قد يقول قائل إن مُبتغَى القول هو تخصيص نصيب من المداخيل الضريبة لتحسين الأجور؟ ونحن لا نساير هذا الاستنتاج المغلوط والذي يتعارض مع مبدأ عدم تخصيص المداخيل الذي يُفيد بعدم جواز استعمال مداخيل معينة لتغطية نفقات معينة إلا استثناء، بل تُستعمل مجموع الموارد لتغطية مجموع التحملات (انظر كتاب ميزانية الدولة منشورات وزارة المالية والخوصصة الصفحة 48 الطبعة الأولى 2004)، ولكن نؤكد على الدور الاقتصادي للفئات السالفة الذكر مما يستلزم حماية قوتها الشرائية إن تعذر الرفع منها.

فهل استطاع الحوار الاجتماعي تحقيق هذه الغاية المتمثلة في تحسين الأجور فعلا أم اقتصَر على تكرار واجتِرَار ما سبق الاتفاق عليه مع مُسْحَةٍ من المِنَّةِ في تناقض مع ما ظلت تَعرِفُه الأجور من تقليص مُهوِل بفعل غلاء السلع والخدمات ضاربةً بِعرض الحائط ما يُسمَّى بالتحسين الحقيقي للأجور، لِيَغْرق الموظف والمستخدم والأجير في دورة سِيزيف المُرَّة ويعود إلى نقطة انطلاق الحوار رافعا من جديد عَقِيرتَه مُطالبا بالحفاظ على قدرته الشرائية ليس إلا!!

• تحسين الدخل على مستوى القطاع الخاص

بخصوص القطاع الخاص تم الاقتصار على الزيادة في الحد الأدنى القانوني للأجر في النشاطات غير الفلاحية (SMIG)بنسبة 15% والحد الأدنى القانوني للنشاطات الفلاحية (SMAG)بنسبة 20 %، مما يدفع للتساؤل عن علة إغفال الزيادة في أجور العاملين بالقطاع الخاص بصفة عامة؟

نعم، قد يُنافِح البعض دفاعا عن ضرورة استحضار عنصر المنافسة بين السلع والخدمات محليا ووطنيا ودوليا باعتبار أن الأجر يندرج ضمن عناصر تحديد الثمن…لكن ألاَ يُمكن أن يتَّصِف القطاع الخاص خاصة الشركات الكبرى بروح المواطنة وبعقلية البورجوازية الوطنية، بدلا من طغيان البورجوازية الكمبرادورية، وتتنازل عن قسط يَسيرٍ من أرباحها والتي سَتؤُول إليها حَتماً من عدة أبواب ونوافذ وفي إطار قانونيٍّ صِرْفٍ عبر تَزايُد مبيعاتها جَرَّاء الرفع من القوة الشرائية.

أما الزيادة في الحد الأدنى القانوني للأجر فلا يجادل أحد في أهميتها ولا يمكن إلا تثمينها، لكنها تظل عاجزة عن تمكين الأجير من مواجهة الغلاء الحارق باعتبار هزالة الحد الأدنى القانوني للأجر في القطاع الخاص وانكماشه أمام سُعَار ارتفاع الأسعار رغم الزيادة في مبلغه.

• على مستوى الحماية الاجتماعية

كانت مقتضيات الفصل 53 من نظام الضمان الاجتماعي (ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.72.184 بتاريخ 27 يوليوز 1972 يتعلق بنظام الضمان الاجتماعي كما تم تغييره وتتميمه، ج.ر عدد 3121 بتاريخ 23 أغسطس 1972) تفيد بأن المؤمن البالغ سن التقاعد (60 أو 55سنة حسب الأحوال) يُخوَّل راتبا عن الشيخوخة إذا أثبت توفره على ثلاثة الآلف ومائتين وأربعين(3240) يوما من التأمين.

وعدم استيفاء كثير من الأجراء لشرط الأقدمية المذكور أفضى إلى حرمانهم من راتب الشيخوخة، غير أنه إعمالا لاتفاق أبريل 2024 الذي اعتُمِد تنفيذا لالتزامات الاتفاق الاجتماعي بتاريخ 30 أبريل 2022 تم تخفيض مدة الأقدمية من 3240 يوما إلى 1320 يوما وذلك بأثر رجعي يشمل المؤمن لهم الذين أحيلوا على التقاعد من فاتح يناير 2023 (قانون رقم 02.24 بتغيير وتتميم الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.72.184 بتاريخ 27 يوليوز 1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي، ج.ر عدد 7383 بتاريخ 3 مارس 2025).

كما تم تخويل المُؤَمَّنِين البالغين السن القانوني للإحالة على التقاعد والمتوفرين على أقل من 1320 يوم اشتراك، وذوي حقوقهم في حالة الوفاة، الحق في استرجاع حصة اشتراكات المُشغِّل علاوة على حصة الاشتراكات الأجرية بعد تحيينهما (لاحظ إنه في حالة مغادرة موظف لأسلاك الإدارة دون الحق في الحصول على معاش التقاعد يسترجع فقط حصة اشتراكاته دون حصة مساهمات المشغل).

• مراجعة الضريبة على الدخل

تمت مراجعة جدول الضريبة على الدخل بالنسبة للشغيلة في القطاعين العام والخاص لِتضْحى ابتداء من فاتح يناير 2025 معفاة من الضريبة على الدخل شريحة الدخل إلى غاية 40.000 درهم سنويا بدلا من 30.000 درهم مع ما ترتب عن ذلك من تغيير في شرائح الدخل الموالية والنسب المائوية المفروضة عليه (انظر المادة 73 من المدونة العامة للضريبة حسبما وقع تغييرها وتتميمها بواسطة المادة الثامنة من قانون المالية رقم 60.24 للسنة المالية 2025، ج.ر عدد 7362 بتاريخ 19 ديسمبر 2024).

المحور الثاني: الالتزامات

إلى جانب هذه « المنجزات » تم تجديد العزم على مواصلة تنفيذ الالتزامات المُضمَّنة في الاتفاقات الاجتماعية من خلال الالتزام بمواصلة تحسين الدخل(1) وبالتفاعل مع بعض الملفات (2) وبفتح نقاش حول مراجعة بعض الأنظمة الأساسية(3) وبإحداث لجان متخصصة بخصوص تشريعات العمل(4) وبإحداث لجنة وطنية لإصلاح أنظمة التقاعد(5).

• الالتزام بمواصلة تحسين الدخل

بخصوص القطاع العام تم الالتزام بصرف الدفعة الثانية من الزيادة العامة في الأجور والمقدرة قيمتها 500 درهم في يوليوز 2025، أما في القطاع الخاص فقد التُزِم بالرفع على التوالي في فاتح يناير وفاتح أبريل 2026 من مبالغ الحد الأدنى القانوني للأجر في النشاطات غير الفلاحية والفلاحية بنسبة 5 % في أفق التوحيد التدريجي للحد الأدنى القانوني للأجر سنة 2028، وذلك تنفيذا لاتفاق الحوار الاجتماعي في دورة أبريل 2022.

• الالتزام بالتفاعل مع ملفات

والمقصود هنا مواصلة النقاش حول النظام الأساسي لموظفي الجماعات الترابية الذي استغرق مساحة زمنية طويلة نسبية لمعالجته دون انتهاز فرصة هذا الحوار الاجتماعي واعتباره مُكْنَةً ومُنَاسَبة للإعلان عن اعتماد النظام المذكور بتوافق بين جميع الأطراف المعنية وليس فقط الالتزام بمواصلة النقاش حوله!

• فتح نقاش حول مراجعة بعض الأنظمة الأساسية

إن الالتزام بفتح نقاش حول مراجعة بعض الأنظمة الأساسية يعتبر من ثالثة الأثافي حيث أن بعض منتسبي هذه الأنظمة تناضل منذ ما يقارب من 15 سنة من أجل تنفيذ التزامات مُضمَّنة في اتفاقات سابقة للحوار الاجتماعي من قَبِيل الالتزام بإحداث درجة جديدة لهيئة المتصرفين المشتركين بين الإدارات ولهيئات مماثلة.

قد يقول قائل إن الالتزام بإحداث درجة جديدة قد تمت المصادقة عليه من لدن حكومة سابقة وغير مُلزِم للحكومات الموالية، وهذا القول مردود على أصحابه على مذهب أجلاء الفقهاء القانونيين، لأنه يتعارض مع مبدأ استمرارية المرفق العمومي بما يفيد ديمومة تَحمُّل المهام والالتزام بتنفيذ الاتفاقات.

وفي هذا الصدد لابد من التأكيد على أن إحداث درجة جديدة للترقي من الالتزامات المصادق عليها منذ سنة 2011 بواسطة محضر الحوار الاجتماعي في جولة أبريل 2011 في الشق المتعلق بالقطاع العام بخصوص منظومة الترقي حيث تم الاتفاق على » مراجعة الأنظمة الأساسية بالنسبة للهيئات ذات المسار المهني المحدود التي لا تسمح بالترقية إلا مرة واحدة أو مرتين من خلال إحداث درجة جديدة… » و تم التنصيص في اتفاق الحوار الاجتماعي لدورة أبريل 2019 على متابعة الحوار الاجتماعي بخصوص القضايا القطاعية والفئوية (هيئات المتصرفين والتقنيين والأطباء وغيرهم)، كما تم الالتزام في اتفاق الحوار الاجتماعي لدورة أبريل 2022 بإحداث درجة جديدة للترقي في حين أن اتفاق أبريل 2024 تنفيذا للاتفاق الاجتماعي لدورة أبريل 2022 نص على أنه »..فيما يتعلق بالملفات الفئوية، ستتم مواصلة العمل على معالجتها وفق مقاربة تشاركية،….. »دون أن يعرف هذا السيل من الالتزامات بخصوص هيئة المتصرفين المشتركين بين الإدارات والفئات المماثلة مساره إلى التفعيل والتطبيق.

بل الأدهى من كل هذا يأتي البلاغ الصحفي حول جولة الحوار الاجتماعي المركزي لدورة أبريل 2025 للالتزام، وكأنه نَسِيَ أو تنَاسَى الالتزامات السابقة، بفتح نقاش حول مراجعة بعض الأنظمة الأساسية كان من المفروض الانتهاء منه وختمه قبل حوار أبريل 2025 بسنوات وتخصيص الحوار الاجتماعي الأخير لمعالجة مواضيع أخرى شائكة وحارقة !!

• إحداث لجان متخصصة بخصوص تشريعات العمل

من ضمن ما تم التوافق بشأنه في اتفاق ثلاثي الأطراف أبريل 2019-2021 بخصوص مجال التشريع والحريات النقابية الالتزام بالتشاور مع جميع الشركاء الاجتماعيين حول مشروع القانون التنظيمي المرتبط بالإضراب والقضايا التي تخص مدونة الشغل ومايتعلق بمشروع قانون النقابات والمنظمات المهنية ومراجعة منظومة الوظيفة العمومية.

أما اتفاق الحوار الاجتماعي لدورة أبريل 2022 فقد أفاد على أن اللجنة المحدثة في إطار الهياكل المنصوص عليها في الميثاق الوطني للحوار الاجتماعي تعتبر الفضاء الأمثل لمناقشة وتحديد محاور تعديل ودراسة مشروع القانون التنظيمي للإضراب، الذي أضحى قانونا قائما الذات مع سريانه ابتداء من 24 سبتمبر 2025 (القانون التنظيمي رقم 97.15 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب ج.ر عدد7389 بتاريخ 24 مارس 2025)، ومشروعي قانونين يتعلقان بالمنظمات النقابية وبمدونة الشغل ومشاريع قوانين الانتخابات المهنية.

في حين نصت جولة الحوار الاجتماعي لدورة أبريل 2024، في الشق المرتبط بإعادة النظر في تشريعات العمل، على المراجعة التدريجية لبعض مقتضيات مدونة الشغل مع إغفال تام لمآل مراجعة قانون المنظمات النقابية والمهنية.

أما جولة الحوار الاجتماعي لدورة أبريل 2025 فقد أشارت إلى إحداث لجان مختصة تضم في عضويتها ممثلين عن جميع الفرقاءالاجتماعيين والاقتصاديين تَعْكِفُ على إعداد صيغ لتشريعات العمل خاصة المتعلقة بالمنظمات النقابية والمهنية وتعديل مدونة الشغل بخلاف اتفاق أبريل 2024 الذي تغافل عن ذكر ما خصص لمشروع قانون يتعلق بالمنظمات النقابية والمهنية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن دستور سنة 2011 خول للمنظمات النقابية دورا محوريا في الدفاع عن الحقوق والمصالح الاجتماعية والاقتصادية للفئات التي تمثلها، وهكذا نص في فصله الثامن على أن « يحدد القانون، بصفة خاصة، القواعد المتعلقة بتأسيس المنظمات النقابية، وأنشطتها، وكذا معايير تخويلها الدعم المالي للدولة، وكيفية مراقبة تمويلها »، كما أكد نفس الفصل من الدستور على ضرورة أن تكون هياكل المنظمات النقابية وتسييرها مطابقة لمبادئ الديموقراطية والتي، مع الأسف الشديد، يفتقدها العمل النقابي حاليا مما يستلزم الانكباب على إعداد التشريع المتعلق بالمنظمات النقابية عبر اللجان المختصة في هذا الشأن، والتي يتعين أن تعمل في إطار تشاركي مع تحديد آجال معقولة ومقبولة لمعالجة هذا الموضوع.

وهنا نتساءل لِمَا اقتصر فَيْضٌ من الالتزامات المُضمَّنة في مجموعةٍ من الاتفاقات (2019 و2022 و2024 و2025) بخصوص تشريعات العمل على نشر قانون يتيم يعتبر قانونا تنظيميا يتعلق بشروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب دون غيره من الالتزامات التشريعية الأخرى؟

• إحداث لجنة وطنية لإصلاح أنظمة التقاعد: بعد دخول ما سمي بالإصلاح المقياسي لسنة 2016 حيز التنفيذ نص اتفاق 25 أبريل 2019 على إدراج ملف التقاعد ضمن الحوار الاجتماعي مع إطلاق مسلسل الإصلاح الشمولي لمنظومة التقاعد من خلال التشاور بشأن إرساء نظام للقطبين العام والخاص، كما عَزَم اتفاق 30 أبريل 2022 على إطلاق إصلاح شامل لأنظمة التقاعد من خلال حوار مفتوح مع الفرقاء الاجتماعيين في أفق وضع نظام موحد خاص بالقطاع العام وآخر يتعلق بالقطاع الخاص.

وأفاد اتفاق أبريل 2024 على أن مباشرة إصلاح منظومة التقاعد من خلال إصلاح شمولي استلزمت «..مواصلة دراسة تفاصيل هذا الإصلاح وكيفيات تنزيله، باعتماد منهجية الحوار مع السعي على التوافق مع مختلف الفرقاء الاجتماعيين والاقتصاديين، وذلك في أفق وضع تصور موحد لهذا الإصلاح وعرضه خلال الجولة المقبلة للحوار الاجتماعي (سبتمبر 2024)، على أن يتم عرضه على المصادقة التشريعية خلال دورة أكتوبر 2024 للبرلمان »

ورغم هذا السيل العَرِم من الالتزامات لإصلاح منظومة التقاعد منذ 2019 المقترن بالنُذُر الصادرة عن عدة مؤسسات دستورية تُنذِر بخطورة وضعية أنظمة التقاعد لاسيما نظام المعاشات المدنية وتُلِح على ضرورة واستعجالية الإصلاح، يأتي البلاغ الصحفي حول جولة الحوار الاجتماعي لدورة أبريل 2025 لِيُخبرنا ويبشرنا بأن الحوار الاجتماعي عرف نقاشا حول إصلاح أنظمة التقاعد أفضَى إلى إحداث لجنة وطنية لإصلاح أنظمة التقاعد تعمل على إعداد تصور توافقي لإصلاحٍ يأخذ بعين الاعتبار المبادئ الأساسية المتفق عليها في إطار الاتفاق الاجتماعي لأبريل 2024 !!

في الختام

تبعا لما سلف تفصيله أعلاه بخصوص الإنجازات والالتزامات يمكن إبداء ما يلي:

• إن تضمين الحوار الاجتماعي لمجموعة من الإنجازات التي تم تنفيذ بعضها على أرض الواقع وبعضها في طريق الأجرأة، من قبيل تحسين الأجور والزيادة في الحد الأدنى القانوني للأجور غير الفلاحية والفلاحية، يدفعنا للتساؤل هل يتسق إلزامية وجود حوار جاد مع ملء محاور الحوار الاجتماعي بالمنجزات المتفق عليها سابقا؟

• ثم ألا تُعتبر هذه « المنجزات ذات الطابع المالي » مكتسبات انتهى النقاش حولها وتم الاتفاق بشأنها وتتسلل تدريجيا إلى التنفيذ، وبالتالي فإن أي استضافةٍ لاتفاقات سابقة تحت ذريعة الالتزام بتنفيذها يعتبر « حشوا غير مبرر » وهروبا من إدراج مسائل حيوية هامة تتطلب نقاشا وحلولا واقعية من شاكلة الحفاظ على القدرة الشرائية للعاملين والمتقاعدين،

• وفي الجانب المقابل يتعين نقل بعض الالتزامات المتكررة من مجال الالتزام إلى التنفيذ في أقرب الآجال لأن كل تأخير يترتب عنه بسبب الإحالة على التقاعد حرمان أجيال من الموظفين من الاستفادة من حقوق مرتبطة ارتباطا وثيقا ووطيدا بتنفيذ التزامات حكومية من قبيل إحداث درجة جديدة لهيئة المتصرفين المشتركة بين الإدارات ولهيئات المماثلة.

وفي خضم النار الحَامِية لجولة سبتمبر 2025 الحالية يُقترح إيلاء بعض المواضع أولوية قُصوَي تتمثل أساسا في:

• العمل على توطيد أسس الدولة الاجتماعية خاصة فيما يتعلق بتعميم التعويض عن فقدان الشغل وبتوسيع الانخراط في أنظمة التقاعد، مع ملاحظة أن القانون -الإطار رقم 21-09 المتعلق بالحماية الاجتماعية قد حدد جدولةً لتوسيع الانخراط في أنظمة التقاعد تستغرق كامل سنة 2025 دون تطبيق لهذا المقتضَى (انظر القانون – الإطار رقم 09-21 المتعلق بالحماية الاجتماعية ج ر عدد 6975 بتاريخ 5 أبريل 2021)،

• تعزيز تطبيق الحماية الاجتماعية حتى تعم التغطية الصحية فعلا وحقا جميع المستحقين لها،

• مراجعة منظومة الدعم الاجتماعي حتى تكون فعالة وناجعة ودائمة لفائدة مستحقي الدعم،

• العمل في أقرب الآجال على تنفيذ الالتزامات المتعلقة باعتماد التشريعات المتعلقة بالمنظمات النقابية والمهنية وبمراجعة مدونة الشغل وغيرها من النصوص التشريعية والتنظيمية الملتزم بها،

• العمل في إطار تشاركي لاعتماد إصلاح عادل ومنصف لمنظومة التقاعد لا يمس بالمكتسبات ولايُرهِق كاهل المنخرط عامِلاً كان أو متقاعداَ، ويُقِرُّ آلِيَةً قانونيةً تتمسَّك بديمومة الزيادة في مبالغ المعاشات لمواجهة الغلاء دون المساس بالتوازن المالي لأنظمة التقاعد. وفي متم الحكاية لا يسع المرء إ لا أن يَرْنُو بِبَصرِه إلى نهاية جولة سبتمبر 2025 بروح الأمل لَعَلَّ مخرجات حوارها الاجتماعي تتضمن مستجدات تُلبِّي تطلعات أقْوامٍ عاملةٍ ومتقاعدةٍ وتكون أكثر فعالية ونجاعة وعدلا وإنصافا وبعيدةً عن اجترار الماضي وعن تكرار مضامين اتفاقات سالفة وعن تَبَنِّي التزامات بعضها فوق بعض دون تفعيل!!

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن المغرب عبر موقع أفريقيا برس