الصين وإيران.. لا يهم لون القط

1
الصين وإيران.. لا يهم لون القط
الصين وإيران.. لا يهم لون القط

أحمد العكيدي، كاتب مغربي

أفريقيا برس – المغرب. لا يهم لون القط”، مقولة منسوبة إلى دنغ شياوبينغ (Deng Xiaoping)، أحد أبرز منظري النهضة الصينية الحديثة المبنية على الانتقال من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق، تقلد ما بين سنتي1978 و1989 رئيس اللجنة العسكرية المركزية، وهي أرفع مكانة قيادية في الصين. هي إذن بضع كلمات تلخص واقع الحال.

منذ الحرب الإسرائيلية الأولى على إيران، أو ما يعرف بحرب الإثني عشر يومًا، المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، اتجهت الأنظار مباشرة إلى الصين باعتبارها نظريًا أحد أبرز أصدقاء إيران، وعمليًا من أهم المتضررين من هذا الصراع. ظل قياديو هذا البلد العملاق يراقبون الوضع دون أي تدخل فعلي من شأنه إنهاء الحرب باستثناء التعبير عن القلق البالغ، والدعوة إلى إنهاء الحرب، والتهدئة والحوار.

في الوقت الذي تسربت فيه بعض الأخبار عن توريد معدات عسكرية إلى إيران، سارع السفير الصيني في إسرائيل إلى نفي ذلك في تصريح خص به صحيفة إسرائيل هيوم:”لا داعي للقلق في إسرائيل.. الكذبة التي تتكرر ألف مرة تظل كذبة”. النفي القاطع لأي فعل يمكن أن يفسر على أنه دعم لإيران، لا ينفي بالضرورة القلق المعاكس حيت أكدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة، في تقرير لها نُشر في 20 أكتوبر 2025، على أن إمدادات الأسلحة مستمرة من الصين نحو إسرائيل في عز الحرب، وفي ذلك إشارة واضحة إلى وقوف الصين على الطرف الأخر من المعادلة، أو على الأقل عدم مبالاتها بما يقع لمن يفترض أنه صديقها، وهذا يعارض تمامًا ما تروج له.

كثيرًا ما افترض خبراء وسياسيون ومراكز أبحاث مرموقة وجود محور صيني-روسي-إيراني في طور التشكل موجه أساسًا ضد الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة مع اشتعال جبهة أوكرانيا-روسيا، وأن الصين لن تقف مكتوفة الأيادي أمام ضياع مصالحها الاقتصادية وجيوسياسية والاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، أحد أهم شرايين النفط في العالم، وهناك من ذهب بعيدًا وتنبأ بأنها ستحول إيران إلى مستنقع تصطاد فيه أكبر منافس عالمي لها، على غرار حرب الفيتنام، وبالتالي المساهمة في بناء نظام عالمي جديد لا يقوم على مفهوم القطب الواحد. غير أن رياح حرب الإثني عشر يومًا عصفت بتلك الأوهام ثم هبت عواصف الحرب الثانية لتنسف ما تبقى منها، فاختفت كلمات مثل: “بالغ القلق” من الخطاب الصيني الرسمي تجاه الحرب الجارية، وحلت مكانها مصطلحات أقل حدة بلغة الديبلوماسية.

لعقود من الزمن، سوقت الصين نفسها بأنها أحد أهم صناع السلام بمنطقة الشرق الأوسط وفي العالم، وأنها لا تتبنى سياسة الاستغلال الامبريالية كما يفعل الغرب، مما أغرى الكثير من البلدان، من بينها بلدان الخليج، بتنويع شركاتها مع هذا البلد الأسيوي بالخصوص، بغية تقوية موقفها الاستراتيجي مستقبلاً لمواجهة الأزمات العالمية المتسارعة وبناء تحالف مواز يخفف عنها عبء الابتزاز الأمريكي المتنامي. بيد أن حسابات الصين ورغبتها بتجنب أي مواجهة عسكرية قد تعطل نهضتها الاقتصادية أو تأتي على ما راكمته من مكاسب علمية وتكنولوجيا وتقنية وغيرها، جعلها تحجم عن أي تدخل، ولو غير مباشر، خشية الاصطدام بالولايات المتحدة الأمريكية، حتى ولو تعلق الأمر بتايوان التي تعتبرها جزء من أراضيها.

لطالما اعتبر الإيرانيون جمهورية الصين الشعبية حليفًا مهمًا، وقد تعزَّز هذا التصور بعد إبرام اتفاقية الشراكة الشاملة سنة 2021 الممتدة لمدة 25 سنة، حينها وصفها جواد ظريف وزير الخارجية الأسبق بأنها علاقة مع “صديق”، وكان الطموح المضمر الالتفاف على العقوبات الأمريكية وتجاوزها. لكنهم أدركوا متأخرًا، تحت أزيز المدافع وانفجارات القنابل، ألا صديق لهم وقت الشدة، وأن لون القط لا يهم، ومن يدري لعل دنغ شياوبينغ كان يقصد براغماتية قائمة على الصين أولا وأخيرًا.

الدرس الإيراني بالغ الأهمية ليس لهذا البلد وحده بل للعالم أجمع، ولكل من يراهن على قوى خارجية لمساندته أو كواجهة للردع الاستراتيجي. كما أنه يعد تمرينًا فكريًا غاية في الإفادة لمراكز الأبحاث والخبراء والاستراتيجيين؛ فما يحدث سيغير الكثير من البديهيات والأولويات.

إذا كانت إيران قد تُركت وحيدة تواجه مصيرها؛ فإنها استطاعت الصمود بفضل ما توفر لديها من قدرات ذاتية رغم الفرق الهائل في القوة. في حين خسرت الصين على مستويات متعددة، أو في أحسن الأحوال هي في الطريق إلى ذلك إن لم تتدارك الأمر: أولاً، تقهقر صورتها العالمية والتصاق وسم الحليف غير الموثوق بها. ثانيًا، تراجع مكانتها الدولية لصالح الولايات المتحدة الأمريكية وما يترتب عن ذلك من انصياع لسلطة الفاعلين على الأرض وما يعملون على فرضه من وقائع جديدة في منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأسها محاولة جعل إسرائيل قوة إقليمية، ذات بعد عالمي، مهيمنة على منطقة الشرق الأوسط ومصادر الطاقة والممرات البحرية. ثالثا، تراجع نفوذها في المنطقة خاصة مع بلدان الخليج المتضررة بشدة مما يحدث، وما يعنيه ذلك من تأثير على اقتصادها ونفودها. في المحصلة يبدو أن على الصين أن تختار القط ولونه وأن تخرج من المنطقة الرمادية إن هي أرادت نظامًا عالميًا تسود فيه.