مصطفى واعراب
أفريقيا برس – المغرب. بعد فترة غموضٍ طويلة، وافق المغرب قبل ثلاثة أسابيع على منح شركة “نيوميد إنيرجي” الإسرائيلية الإذن بتفعيل الترخيص الذي سبق أن منحه إياها منذ أكثر من سنتين، للتنقيب عن المحروقات في منطقة بحرية شاسعة في مياه الصحراء المقابلة لجزر الكناري التابعة لإسبانيا. ومع شروع الشركة في القيام بالخطوات الأولى للتنقيب، يتجدد النقاش الغاضب في إسبانيا حول الموضوع في ظل صمت مطلق لحكومة البلد.
فلماذا يلجأ المغرب إلى شركات إسرائيلية للتنقيب عن المحروقات؟ وما الذي يثير غضب الجيران الإسبان؟
وفي مقال نشره موقع “إل كونفيدينسيال” الإخباري الإسباني، قبل يومين، كشف الصحفي “إغناسيو سيمبريرو” (المعروف بأنه لا يحمل المغرب في قلبه)، بأن المغرب أعطى أخيرا الضوء الأخضر للتنقيب عن المحروقات في حقل “بوجدور أتلانتيك” البحري لشركة “نيوميد إنرجي” الإسرائيلية، في منطقة بحرية شاسعة جدا تناهز مساحتها 34 ألف كيلومتر مربع تقع في مياه الصحراء الغربية. وعلى سبيل المقارنة، فإن هذه المساحة أكبر بقليل من مساحة إقليم كتالونيا الإسباني الذي يطالب بالانفصال، أو من مساحة دولة مثل بلجيكا أو حتى ثلاثة أضعاف مساحة لبنان.
في الواقع، تتقاسم شركة “نيوميد إنيرجي” هذا الترخيص، الذي أصبح رسميا فقط في 17 فبراير 2025 بعد نشره في “الجريدة الرسمية” للمغرب، مع شركة أخرى هي “أداركو إنيرجي” التي يديرها رجل الأعمال الإسرائيلي المغربي “ياريف الباز”، الذي يعد─ وفقا لما ذكره سيمبريرو─ أحد الشخصيات الرئيسية في تعزيز العلاقات بين المغرب وإسرائيل.
حقل “بوجدور أتلانتيك”
على هذا النحو، تتقاسم رخصة التنقيب البحري الشاسعة كل من شركة “نيوميد إنرجي” التابعة لمجموعة “ديليك” وشركة “أداركو إنرجي المملوكة لرجل الأعمال اليهودي المغربي ياريف الباز، الذي يعمل منذ سنوات على تعميق العلاقات بين بلاده وإسرائيل. وتمتلك كل من الشركتين حصة 37,5% لكل منهما وفقا للترخيص، في حين أن الـ25% المتبقية ستكون في حوزة المؤسسة المملوكة للدولة المغربية والمشرفة على قطاع المحروقات: “المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمناجم”.
وسبق أن تم توقيع اتفاقية منح الترخيص للتنقيب في الرقعة البحرية، التي تحمل اسم “بوجدور أتلانتيك” في ديسمبر 2022، وفقا لصحيفة “غلوبس” الرقمية الإسرائيلية المتخصصة في أخبار الأعمال، ثم استغرق الأمر بعد ذلك أكثر من عامين قبل أن يتم نشرها في الجريدة الرسمية بتاريخ 17 فبراير 2025، بتوقيع وزيرة الانتقال الطاقي في الحكومة المغربية ليلى بنعلي.
وبذلك أصبح بإمكان الشركتين الإسرائيليتين الآن الشروع في العمل، من خلال إجراء تحليل جيولوجي وجيوفيزيائي أولا على مدى 30 شهرا، لدراسة المنطقة وتحليل مؤهلاتها. وفي حال ما إذا كانت النتائج إيجابية، سوف تبدآن بعد ذلك أولى عمليات الحفر الاستكشافية. ويسري الترخيص لمدة ثماني سنوات في وقت تبدو الآفاق واعدة، بحسب توقعات الخبراء. فالمنطقة المشمولة بالتنقيب تتمتع بالخصائص الجيولوجية نفسها الموجودة في المناطق البحرية القريبة منها بكل من موريتانيا والسنغال، حيث تم اكتشاف كميات ضخمة من الغاز الطبيعي خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا الصدد، سبق أن صرح يوسي أبوYossi Abu، الرئيس التنفيذي للشركة للصحفيين قبل عامين قائلا: “لقد حددنا منذ فترة طويلة الإمكانات الهائلة للمغرب [في إشارة إلى الصحراء الغربية] وإعلان اليوم [التوقيع على اتفاقية الترخيص]هو جزء من خطوة استراتيجية أوسع نطاقا، سوف تجعل من شركة “نيو ميد إنرجي” اللاعب الرائد في مجال الطاقة في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا”.
حقل “الداخلة أتلانتيك”
قبل التوقيع على اتفاقية الترخيص بالتنقيب عن المحروقات في حقل “بوجدور أتلانتيك”، حصلت شركة إسرائيلية أخرى على ترخيص بالبحث عن المحروقات قبالة سواحل مدينة الداخلة الصحراوية المغربية. فبعد أقل من عام على تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل في ديسمبر 2020، وتحديدا في أكتوبر 2021، وقّع المكتب الوطني المغربي للهيدروكاربورات والمناجم اتفاقية مع شركة “راتيو بتروليوم” الإسرائيلية، للتنقيب عن المحروقات قبالة سواحل الصحراء الغربية للمغرب، مع المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمناجم للتنقيب في ما يُعرف بـ “كتلة الداخلة أتلانتيك”.
و”تمتد هذه الرقعة على مساحة 106,000 كيلومتر مربع وعمقها 3,000 متر مربع”، أي أنها تمتد على طول نصف ساحل الصحراء الغربية وحتى الساحل الموريتاني، وفقا لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” العبرية. وظهرت هذه المعلومات في الأصل على موقع “إينيرجيانيوز” الإسرائيلي المتخصص في قضايا الطاقة، كما نُشرت أيضا في وسائل إعلام مغربية مقربة من السلطات، نظير الموقع الإلكتروني “Le 360″، الذي كشف بدوره أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه “يمنح المجموعة الإسرائيلية المذكورة حقوقا حصرية للبحث والتنقيب عن مواقع تواجد الغاز والنفط في “كتلة الداخلة أتلانتيك”.
للتذكير، فإنه وفقا للقانون المغربي، سوف تحصل الدولة على بنسبة 7% إذا تم اكتشاف النفط على عمق أكثر من 200 متر تحت الماء بإنتاج يزيد عن 500 ألف طن، وبالنسبة للغاز الطبيعي، 3,5% لإنتاج أكثر من 500 ألف متر مكعب. ووفقا لموقع “لو 360” المغربي المقرب من السلطات المغربية، تتواجد مجموعة “راتيو بتروليوم”، التي تمتلك 15% من حقل “ليفياثان” الذي يعد أكبر حقول التنقيب عن المحروقات في إسرائيل، بالإضافة إلى حوضين آخرين في كل غيانا – سورينام (أمريكا الوسطى) والفلبين (آسيا).
“قلق” إسباني يتجدد
وتحمل المنطقة البحرية التي سيتم استكشافها اسم مدينة بوجدور، التي هي رابع أكبر مدينة في الصحراء من حيث عدد السكان، وتقع على بعد 213 كيلومتر من جزر الكناري المقابلة لها على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي. كما أن بعض الكتل الـ17 التي تتكون منها مواقع التنقيب بوجدور أتلانتيك “قريبة” من جزر الكناري، بحسب مزاعم الإعلام الإسباني.
وبحسب مزاعمه أيضا أن المغرب قد منح الترخيص في المنطقة الاقتصادية الخالصة التي “خصصها لنفسه من جانب واحد في يناير 2020″، كما تشير إنماكولادا غونزاليس أستاذة القانون الدولي العام في جامعة قادس الإسبانية، التي تصر على التأكيد بأن “هذا الترسيم المغربي باطل، ليس فقط لأنه يعني مياه الصحراء الغربية المحتلة، ولكن أيضا لأن الرباط لم تبلغ الأمم المتحدة به”. وتخلص غونزاليس إلى أن “ترسيم الحدود الحالي هو الذي قدمته إسبانيا إلى الأمم المتحدة في عام 1981″، وبالتالي فإن ما يقوم به المغرب ─بحسب رأيها─ غير قانوني.
وكان توسيع المجال البحري، الذي أقره المغرب في عام 2020بموجب قانونين، أثار مخاوف كبرى في إسبانيا لأنه “يتداخل مع المنطقة الاقتصادية الخالصة” التي تطالب بها جزر الكناري، التي تقع مقابلة للصحراء المغربية. فقد حذر حينها رئيس جزر الكناري، أنخيل فيكتور توريس، الذي يشغل حاليا منصب وزير، من أن سواحل جزر الكناري “يجب ألا تُمس”. لكن مع ذلك، وكما حدث بالفعل قبل عامين عندما أغلق المغرب مكتب الجمارك في مليلية المحتلة من جانب واحد، ولم تحتج الحكومة الإسبانية رسميا على ذل لدى الرباط، فإن المغرب شرع في استغلال المجال البحري للصحراء، على الرغم من إصرار الأحزاب القومية في جزر الكناري على المطالبة بتدخل حكومة بلدهم، بحسب رواية الإعلام الإسباني دائما.
بيد أن المثير في الموضوع هو أن الجميع في إسبانيا (حكومة ومجتمعا سياسيا وهيئات مدنية ورأيا عاما) لا يجرؤون على مجرد مناقشة قيام الشركات الإسرائيلية بالتنقيب، لأن ذلك “خط أحمر”!
لماذا الشركات الإسرائيلية؟
في سياق ذلك، يطرح السؤال نفسه: لماذا يلجأ المغرب الرسمي إلى التعاون مع الشركات الإسرائيلية للتنقيب عن المحروقات، بدل الأوروبية مثلا (بريطانية أو إيطالية أو فرنسية، الخ)؟
في المقام الأول، لجأ المغرب إلى الشركات الإسرائيلية بعد صدور قرار محكمة العدل الأوروبية في سبتمبر 2021. وتبعا لذلك، ووفقا لوسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية، فإن أحد أسباب التزام الرباط تجاه إسرائيل في الصحراء هو توجسها من أن الشركات الأوروبية قد تتردد في الاستثمار في المستعمرة الإسبانية السابقة، في أعقاب صدور أحكام محكمة العدل الأوروبية. ففي أكتوبر 2024، ألغى قضاة المحكمة اتفاقيتي الصيد البحري والشراكة مع المغرب، لأنهما شملتا تصدير منتجات الصحراء الغربية إلى دول الاتحاد الأوروبي، “دون موافقة سكانها الأصليين”.
وهذا التوجس حاضر ─ربما─ على الرغم من أن المغرب اعتبر نفسه “غير معني” بقرار محكمة العدل الأوروبية إياه.
لكن التزام المغرب تجاه الدولة العبرية يتجاوز حدود الطاقة والتنقيب عن المحروقات. فهو يغطي العديد من المجالات الأخرى، بدءا من القطاعين العسكري والأمني، إذ في مقابل اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية في ديسمبر 2020، أقام المغرب علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، ازدادت هذه العلاقة قوة، على الرغم من أن المغرب ربما يكون البلد العربي الذي خرج فيه أكبر عدد من المتظاهرين إلى الشوارع للاحتجاج على غزو غزة، وفي أثناء ذلك، نددوا بـ “تطبيع” الرباط مع الدولة اليهودية.
وفي هذا الإطار، يبدو أن الرباط أخذت تبتعد فعلا و بخطى حثيثة عن دول الاتحاد الأوروبي وفي مقدمتها فرنسا، التي تعتبر ثاني أكبر مزود لها بالأسلحة وتستبدلها بإسرائيل. وقد كشف معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) في تقريره الأخير، بهذا الصدد، بأن المغرب استورد خلال الفترة ما بين عامي 2019 و2023، 11% من أسلحته من إسرائيل التي أصبحت بالفعل ثالث مورد له بعد الولايات المتحدة وفرنسا.
والدليل على اهتمامه المتزايد بالمعدات الإسرائيلية هو الإعلان عن شراء الجيش المغربي 36 قطعة مدفعية ذاتية الدفع من طراز “أتموس 2000” من شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية، بدلا من قطع المدفعية الفرنسية “سيزار” الفرنسية التي سبق له أن اشتراها سابقا. وأيضا الاستعاضة عن قمري التجسس “محمد السادس أ” و”محمد السادس ب” اللذين أنتجتهما شركتا “طاليس” و”إيرباص” الفرنسيتين، واختارت الرباط أن تشتري القمر الصناعي الإسرائيلي الأكثر تطورا “أوفك-13” من شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI)، والتي ستدفع مقابل الحصول عليه مليار دولار.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن المغرب عبر موقع أفريقيا برس





