مصطفى واعراب
أفريقيا برس – المغرب. حتى قبل أن يتولى رئاسة الجزائر، كان عبد العزيز بوتفليقة ولزمن طويل – بحسب عديد الشهادات – أفضل وزير خارجية عرفته البلاد. وبعد توليه الرئاسة في العام 1999 ظل يمسك بملف الديبلوماسية، حريصا على أن تبقى بلاده غير منحازة للشرق أو الغرب. وفي عالم ما بعد الحرب الأوكرانية الذي يُعاد تشكيله، تحاول جزائر تبون-شنقريحة إعادة رسم تحالفاتها الدولية على أسس مغايرة لما جرت عليه الأمور خلال عهد الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019).
ولعل أهم ما يستحث القيادة الجزائرية على البحث عن تحالفات جديدة، هو كون المغرب (الذي تعتبره عدوا أبديا) قد جَذَّر علاقاته التقليدية مع الغرب (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا) ووثقها بعلاقات جديدة/قديمة لعل أبرزها مع الكيان الإسرائيلي. لكن “الخطر المغربي” ليس مبررها الوحيد…
وفي هذا الإطار، قام الرئيس الجزائري عبد العزيز تبون خلال الأسابيع الأخيرة، بزيارات اعتبرها الإعلام الرسمي “تاريخية” إلى كل من روسيا، والصين، وتركيا وقطر. وذهب المحللون في الجزائر إلى أنها تهندس للتحالفات الجديدة للبلاد، في مواجهة المتغيرات الجارية على الصعيدين الإقليمي والدولي. فكيف تقرأ وجهة النظر المغربية هذه الزيارات والتحالفات الجديدة، التي تعنيها قبل غيرها؟
السِّياق والمَساق
لم تهدأ بعد حدة النقاش المحتدم الذي أثارته جولة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال الأسابيع الأخيرة، والتي قادته إلى دول قطر، والصين، وتركيا، وقبلها إلى روسيا. فقد توزعت تفسيرات المحللين الجزائريين، بين من رأى في جولة تبون “توجها صريحا للجزائر نحو الشرق بعدما ضاق عليها الخناق من الغرب”، وبين من رأى أنه يمكن قراءة هذه الزيارات “في إطار ممارسة الجزائر لضغوط على الغرب، بهدف تحقيق مصالح وتعزيز القدرة التفاوضية، أكثر من أن كونها معاداة للمعسكر الغربي وقطيعة معه”.
بينما قرأت أغلب التحليلات المغربية خطوة الرئيس تبون، بأنها مجرد “محاولة من الجزائر لتضييق الفارق العسكري بينها وبين المغرب [الذي سبق أن وصفه الفريق شنقريحة بـ “العدو التقليدي”]”، ومعاكسة المصالح الوطنية للمغرب في ما يخص وحدته الترابية [قضية الصحراء]. بالإضافة إلى تقوية العلاقات الاقتصادية مع بكين، خاصة في ظل الوضع الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد نتيجة اعتمادها الكامل على صادراتها من الغاز، في وقت اتجهت فيه أغلب الدول النفطية إلى تقليل اعتمادها على النفط والغاز عبر البحث عن بدائل جديدة.
لكن أوساط المعارضة الجزائرية، ممثلة بالأساس في النشطاء المؤثرين على شبكات التواصل، ترى أن جولة تبون الأخيرة لا تحتمل القراءات السياسية التي أعطيت لها. وأقصى ما حملته هو الحرج للجزائر على المستوى الدولي، لكونها أتت في وقت تشتد فيه حدة الصراع ما بين روسيا والصين، من جهة، والولايات المتحدة والغرب، من جهة ثانية. وهي لم تكن محسوبة النتائج سياسيا، لأن من بين ما حملته زيارة تبون إلى موسكو هو سقوط رهان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على تحقيق تقارب فرنسي مع الجزائر.
فقد اصطدمت التحضيرات لزيارة تبون إلى باريس بعقبة جديدة عقب تصويت نواب حزب الرئيس الفرنسي بالبرلمان الأوروبي يوم 11 مايو/أيار الماضي، على قرار ينتقد وضع حقوق الإنسان في الجزائر، مخلفة غضبا عارما على فرنسا في قصر المُرادية. وهو ما دفع الرئيس تبون إلى اختار القيام بزيارة دولة إلى روسيا، بدل زيارته إلى باريس التي كانت مقرّرة في النصف الثاني من يونيو/حزيران الماضي.
ولم تفوت الرئاسة الجزائرية، من جانبها، المناسبة، حيث أصدرت بيانات لمواكبة زيارات الرئيس تبون إلى كل من قطر والصين وتركيا، معتبرة أن ما ميز هذه الجولة الخارجية، هو كونها “تندرج في سياق تصويب اتجاه بوصلة السياسة الخارجية للجزائر في دوائر جديدة، وإعطاء الأهمية لأولوية دبلوماسية التنمية، لاسيما عبر الدبلوماسية الرئاسية. وهو ما جعل الجولة تتميز بالصبغة الاقتصادية، بالنظر إلى الإرادة السياسية، التي تحدو الجزائر في بناء اقتصاد متنوع ومتين، من منطلق أن امتلاك الدولة اقتصادا قويا يتيح لها هامشا كبيرا من الحركة الدولية وقوة التأثير. في زيارات طغى عليها الطابع الاقتصادي، بالنظر لحاجة الجزائر لتطوير اقتصادها وتنويع شراكاتها مع الدول القادرة على الاستثمار وتنفيذ المشاريع وسعيها لدخول منظمات دولية على رأسها الـ (بريكس)”.
كما بثت قنوات التلفزيون الجزائري مساء الخميس 27 يوليو/تموز، برنامجا وثائقيا خاصا حول تلك الزيارات، التي جرى مدحها من الأحزاب ومسؤولي الدولة والإعلام، باعتبارها “فتحا تاريخيا” يُنتظر أن ينقل البلاد إلى عصر جديد.
روسيا ليست “الإتحاد السوفياتي” !
قضى الرئيس عبد المجيد تبون 5 أيام في روسيا من 13 إلى 17 يونيو/حزيران 2023، وأسفرت عن توقيع “إعلان الشراكة الاستراتيجية المعمقة بين البلدين” دون الكشف عن فحواها، والتي أتت لتحل محل “اتفاق الشراكة الاستراتيجية” الموقع بين البلدين عام 2001. وبعد حوالي شهر ونصف، زار العاصمة الروسية، أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء الماضية (31 يوليو/تموز إلى 2 أغسطس/آب)، الفريق أول السعيد شنقريحة رئيس أركان الجيش الجزائري.
لم يكف قادة الجزائر – مدنيين وعسكريين – عن مطالبة نظرائهم الروس، بلا كلل، بأن تدخل العلاقات الجزائرية الروسية “الاستراتيجية” منعطفاً جديدا، يخلصها من الاقتصار على مجال الأسلحة وتفاهمات السياسة، وينقلها إلى شركات واستثماراتٍ في مختلف القطاعات الاقتصادية، وخصوصا في قطاع الصناعات البتروكيماوية والبنوك وسواها، بما من شأنه أن يخرج العلاقات الجزائرية الروسية من خانة التعاون العسكري المحض، ذي الاتجاه الوحيد، والذي ظل يهيمن عليها منذ أيام الاتحاد السوفياتي.
كما لا يمل القادة والمسؤولون الجزائريون، بمناسبة وبدونها وحيثما حلوا وارتحلوا، من الترويج لبضاعتهم القديمة “القضية الصحراوية”، في مسعى للإضرار بمصالح المغرب العليا. وفي هذا الإطار، لا يتوقفون عن محاولة جر القيادة الروسية إلى تبني مواقف لصالحها. لكن ما يغيب عن صانع القرار الجزائري، أن روسيا لم تعد هي الاتحاد السوفياتي المنهار. فلو أن موسكو رأت في الجزائر فرصا ناجحة للاستثمار لاقتنصتها، دون انتظار إلحاح القادة الجزائريين، بحيث يبدو أن موسكو قانعة بدورها كتاجر للسلاح الذي لا محيد للجيش الجزائري عنه.
والمعروف في غضون ذلك، أنه منذ أزيد من عقد، أصبح المغرب شريكا اقتصاديا هاما لروسيا في إفريقيا، حيث تضاعفت المبادلات التجارية بين البلدين خلال السنوات الأخيرة بـ15 مرة. وبعد إقرار العقوبات الأوروبية على روسيا، أصبح المغرب مصدرا رئيسا للخضر والفاكهة ومنتجات البحر لروسيا. وبحسب المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، فإن العلاقات بين روسيا والمغرب “متميزة، وتجسد انفتاح إفريقيا على روسيا وانفتاح روسيا على إفريقيا”.
وأوضحت المسؤولة الروسية، في تصريحات على هامش انعقاد القمة الروسية-الأفريقية التي احتضنتها سانت بطرسبرغ قبل أيام، بأن المغرب بات من بين الشركاء الثلاثة الأوائل لفدرالية روسيا في إفريقيا. مشيرة في هذا الصدد إلى أن المملكة تأتي في المرتبة الثانية من حيث الصادرات والثالثة من حيث الواردات. وبخصوص آفاق تطوير العلاقات التجارية مع المغرب، أشارت المتحدثة باسم الدبلوماسية الروسية إلى أن “الشركات الروسية مهتمة بتطوير قطاع الطاقة، وتنفيذ مشاريع في مجالات التكنولوجيا المتطورة، والخدمات اللوجستية”.
ولتأكيد متانة العلاقات بين موسكو والرباط، نشير إلى أن الروس تجاهلوا الضغوط التي مارستها كل من الجزائر وجنوب أفريقيا، وهما أكبر حلفين لجبهة البوليساريو في العالم، ولم توجه الدعوة لـ “دولة الصحراء”، للمشاركة في “قمة روسيا-أفريقيا” التي احتضنتها سانت بطرسبرغ يومي 27 و28 يوليو/تموز الماضي، وشاركت فيها 49 دولة أفريقية من أصل 54 معترف بها دوليا.
وفي وقت تأمل الجزائر أن تستميل روسيا لتبني موقف معادي من المغرب، بسبب تقوية هذا الأخير لتحالفاته العسكرية مع الغرب بما فيه إسرائيل، تواصل موسكو اعتماد لغة حذرة. فعلى هامش اجتماع الفريق أول سعيد شنقريحة بوزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، اكتفى هذا الأخير بتصريحات هادئة، من قبيل أن “روسيا والجزائر تهدفان إلى نهج سياسة خارجية مستقلة، والدفاع عن مصالحهما الوطنية رغم الضغوط الغربية”، معبرا في نفس الوقت عن استعداد بلاده “للمساعدة في تعزيز القدرات القتالية للقوات المسلحة الجزائرية”.
الصين.. الاقتصاد أولا وأخيرا
تعد زيارة تبون إلى الصين والتي وصفتها الأوساط الجزائرية الرسمية بـ”الاستكشافية”، الأطول ضمن جولته الآسيوية، قياسا بمدة 5 أيام التي استغرقتها (من 17 وحتى 21 يوليو/تموز2023)، والأجندة المكثفة التي تضمنتها. وقد كانت “مثمرة وإيجابية جدا”، بحسب وصف الرئيس تبون لها. وكانت الجزائر أعلنت نهاية 2022 عن توقيع خطة تعاون استراتيجي مع الصين تمتد إلى عام 2026، وتشمل قطاعات الاقتصاد والطاقة والفضاء والمجالات الثقافية.
وتأتي الزيارة في وقت تراجعت فيه المبادلات بين الجزائر والصين إلى نحو 7,3 مليار دولار في عام 2021، منها أكثر من 6,3 مليار دولار صادرات صينية، وفق موقع “ذا أوبسرفاتيف إيكونومي كومبلكسيتي”، في غياب إحصائيات عن العام الماضي.
وكان على طاولة المفاوضات القضايا الدولية التي تناضل من أجلها الصين والجزائر، وفي مقدمتها المطالبة بإعادة تأسيس نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، وإنهاء الأحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة. والآلية التي يقترحها البلدان من أجل تحقيق هذا الهدف، تتمثل في إصلاح منظومة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، “على النحو الذي يضفي عدالة أكثر في صيغته التمثيلية، وأكثر شفافية في طرق عمله”. وفي سياق ذلك، تطالب الجزائر – بدعم من الصين – بتخصيص مقعدين دائمين للقارة الأفريقية في مجلس الأمن الدولي، على أمل أن تشغل أحدهما.
كما تباحث الرئيسان الصيني والجزائري “قضية هيمنة الدولار على المعاملات التجارية الدولية”، وفقا لمحللين جزائريين مستقلين. وسبق لتبون أن تباحث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول قضية التحرر من هيمنة الدولار نفسها.
في الجانب الاقتصادي ووفقا للتلفزيون الجزائري، فقد توجت زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى الصين بالتوقيع على حزمة اتفاقيات حكومية، بلغ عددها 19 في عدد من القطاعات الحيوية، إضافة إلى 12 اتفاقية بين الشركات والمؤسسات الجزائرية ونظيرتها الصينية. فيما أعلن الرئيس الجزائري أن الصين التزمت بضخ استثمارات في بلاده بقيمة 36 مليار دولار. وتشمل الاتفاقيات والمذكرات الموقّعة بين البلدين قطاعات كالنّقل بالسكك الحديدية وتحويل التكنولوجيا، والتعاون الفلاحي والاتصالات، فضلا عن الرياضة والاستثمار والتعاون التجاري، كما شملت مجالات الداخلية والتهيئة العمرانية والبحث العلمي والقضاء والتنمية الاجتماعية والطاقات المتجددة والهيدروجين وقطاعات أخرى.
لكن عبدو السمار الصحفي الجزائري المتخصص في التقصي، يرى في تحليل له حول زيارة رئيس بلاده إلى الصين، بأن ما يروج عن حصيلتها من مشاريع ضخمة، لا تعدو أن تكون “مذكرات تفاهم” جرى التوقيع عليها في غياب مشاريع ملموسة ودقيقة بين الجانبين.
بالمقابل، تعد المشتريات العسكرية من ضمن أبرز الملفات على الطاولة الجزائرية الصينية، وفقا لخبراء مغاربة. فعلى إثر إبداء الجزائر رغبتها في التزود بمنظومات دفاعية من خارج السوق الروسية، بحسب عدة تقارير محلية، فإنه من المُتوقع العمل بين الجزائر والصين على تطوير مُستوى التعاون بينهما في المجال العسكري، لا سيما فيما يتعلق بالطائرات المسيرة. فالجزائر تسعى إلى الحصول على أسلحة متطورة تعتمد التكنولوجيا الصينية، خاصة فيما يتعلق بالطائرات المسيرة، سعيا منها إلى تقليص الفارق الكبير بينها وبين المغرب في هذا المجال. فالمنظومة الدفاعية المغربية أصبحت تتشكل من أسلحة نوعية بتقنيات متطورة وتكنولوجيا دقيقة ودقة عالية في تحديد وضرب الأهداف العسكرية، نتيجة الشراكات المغربية مع عدد من الدول في هذا الإطار على غرار الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
قطر وتركيا لمواجهة السعودية والإمارات!
بدأ الرئيس الجزائري جولته بزيارة قطر، التي دامت يومين، وختمها بزيارة تركيا التي استغرقت أيضا يومين.
هكذا، وقبل وصوله إلى الصين اختار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، زيارة دولة قطر، حيث التقى خلالها أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وبحثا العديد من القضايا الثنائية والإقليمية، ووقعا على عدد من الاتفاقيات. وتعد هذه الزيارة الثالثة لتبون إلى قطر، منذ توليه الرئاسة في أواخر 2019. وبحسب الرئاسة الجزائرية فقد كانت “زيارة عمل في إطار متابعة تطور العلاقات بين البلدين، خاصة في ظل المشاريع الضخمة التي تم إطلاقها سابقا”.
ووفقا للإعلام الرسمي الجزائري، تعتبر قطر أكبر مستثمر عربي في الجزائر بنحو 115 شركة مختلطة، حيث تستحوذ على 74 % من مجموع الاستثمارات العربية في البلاد. وبذلك انتقلت العلاقات الجزائرية – القطرية إلى مرحلة “الشراكة الاستراتيجية”، خاصة بعد أن فتحت الجزائر أبوابها أمام عدد من الاستثمارات من الدوحة أهمها في قطاع الغاز والنفط.
وكانت تركيا آخر محطة للرئيس تبون، في جولة امتدت إلى 9 أيام كاملة، أجرى خلالها محادثات مع الرئيس طيب رجب أردوغان، فضلا عن محادثات موسعة شملت وفدي البلدين. وتعد هذه الزيارة الثانية من نوعها لرئيس الجمهورية الجزائرية إلى تركيا، بعد تلك التي سبق أن قام بها في 2022. وترى الرئاسة الجزائرية أنها “تندرج أيضا في إطار تعزيز العلاقات الثنائية، التي دخلت مرحلة تقارب سياسي وشراكة اقتصادية”، خاصة وأن أنقرة باتت أول مستثمر أجنبي، حيث بلغ حجم الاستثمارات التركية بالجزائر 6 مليارات دولار. كما بلغت المبادلات التجارية بين البلدين 5 مليار دولار، فيما يسعى الطرفان لرفعها إلى 10 مليار دولار على المدى المتوسط.
وقد شهدت علاقات التعاون الاقتصادي بين الجزائر وتركيا، طفرة خلال السنوات الـ16 الأخيرة، حيث أصبحت أنقرة أول مستثمر أجنبي خارج قطاع المحروقات بالجزائر. حسب بيانات رسمية لسفارة تركيا في الجزائر، فإن أزيد من 1300 شركة تركية تنشط بالبلاد، الأمر الذي ساهم في خلق ما يزيد على 30 ألف وظيفة، في حين كان العدد مطلع القرن الحالي 7 شركات فقط.
لكن خارج الاعتبارات الاقتصادية المذكورة، التي باتت معروفة وتتكرر عند كل زيارة يقوم بها الرئيس الجزائري إلى قطر أو تركيا، تتوارى أسباب سياسية يقال إنها هي ما أملى على الرئيس تبون اللجوء إلى قوى إقليمية مثل تركيا وقطر، في هذا الظرف بالذات. فلم يعد يخاف على أحد أن علاقات الجزائر بكل من السعودية والإمارات العربية، تمر بمنطقة زوابع شديدة، لا يسع المجال للتفصيل فيها. ووفقا لمصادر مغربية وجزائرية (كموقع “ألجيريا بارت” المستقل المتخصص في التقصي والتحقيق)، فإن لجوء الجزائر إلى تركيا وبدرجة أقل إلى قطر، هو بدافع إقناعهما بتشكيل حلف يوفر الحماية للجزائر من الإمارات والسعودية، اللتين لديهما أكثر من يد طولى وفي أكثر من مكان.
فالمعروف منذ سنوات أن جماعات ليبية مسلحة تخوض حروبا بالوكالة، لحساب السعودية والإمارات وتركيا وقطر. وأبرزها “الجيش الليبي” برئاسة المشير خليفة حفتر، الموال للرياض وأبو ظبي، وهو معروف بعدائه للجزائر، حيث تتسبب قواته للجزائر في مشاكل عويصة على حدودها الطويلة مع ليبيا.
كما سبق أن تطرق الإعلام الجزائري لتوجس سلطات بلاده من حرص الإمارات، على إقامة قواعد عسكرية لها بمنطقة الساحل والصحراء، قرب الحدود مع الجزائر.
وسبق أن أثيرت أنباء عن إقامة الإمارات العربية لقاعدة عسكرية بشمال النيجر، وأخرى بموريتانيا، وكلتاهما على الحدود مع الجزائر؛ حيث صدرت منشيتات كبريات الصحف الجزائرية بعناوين من قبيل “ماذا تفعل الإمارات على حدود الجزائر الجنوبية؟”
وفي ضوء ما يجري بمنطقة الساحل حاليا من تطورات، في أعقاب الانقلاب العسكري في النيجر، تروج أنباء عن مخاوف جزائرية كبرى من أن يؤدي أي تدخل خارجي بمنطقة الساحل (خاصة النيجر التي لديها حدود شاسعة مع الجزائر)، إلى المس باستقرار جنوب البلاد. فالمعروف أن الجزائر كانت – قبل الانقلاب العسكري الأخير- تعتمد على التنسيق مع جيش النيجر، لإبعاد أي خطر عن حدودها الجنوبية التي تصعب جدا مراقبتها. وبعد الانقلاب باتت الجزائر مهددة بشكل جدي. سيما أن النيجر مليئة بالجماعات والقواعد العسكرية لدول تناصب الجزائر العداء.
ومن هنا نفهم سر مبالغة القيادة الجزائرية في إظهار الود لتركيا، ومنحها الكثير من الصفقات الاقتصادية على حساب المقاولات الجزائرية نفسها. فتركيا قوة إقليمية يُحسب لها ألف حساب، حيث لها اليد الطولى في ليبيا، كما أن حمايتها لقطر قد حمتها من المخططات العدائية التي كانت تعدها لها السعودية والإمارات إبان فرض الحصار عليها.
عيون الجزائر على الـ “بريكس”، ولكن…
كشف الرئيس الجزائري قبل أشهر عن سعي بلاده الحثيث إلى الانضمام إلى تكتّل بريكس (BRICS)، الذي تأسس في 2009 ويضم في عضويته خمسة من أبرز الاقتصاديات الناشئة في العالم: روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا. فقد أعلنت الجزائر في السابع من نوفمبر 2022، نيتها تقديم طلبا رسميا للانضمام إلى المجموعة، بعدما تمت دعوة الرئيس تبون في يونيو 2022 للتحدث خلال قمة المجموعة التي انعقدت بالصين.
ويرى رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بأن انضمام الجزائر للمجموعة من شأنه أن “يفتح آفاقا اقتصادية جديدة”. وكشف تبون، خلال مقابلة أجرتها معه شبكة التلفزيون المركزي الصينيCCTV، على هامش زيارته الأخيرة للصين، بأنه قدم : “طلبا رسميا للانضمام إلى مجموعة بريكس و إلى بنك بريكس، وقد راسلنا مديرة البنك (رئيسة البرازيل السابقة) لكي تكون الجزائر عضوا مساهما في البنك وبمساهمة أولى قدرها 1,5 مليار دولار”.
بل وذهب أبعد عندما صرح قائلا: “نحن نطالب مع الصين بمراجعة الكثير من الأمور المتعلقة بالهيئات الأممية، خصوصا صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، اللذين لم يصبحا فيهما فائدة للدول الفقيرة والنامية. وعليه فإن مجموعة بريكس تساعدنا أكثر”.
وقد استبقت زيارتا تبون إلى الصين وقبلها إلى روسيا قمة بريكس، التي من المنتظر أن تنعقد بعد نحو أسبوعين، بجنوب أفريقيا، حيث يبدي الرئيس الجزائري اهتماما كبيرا بالانضمام إلى هذه المنظمة، بحثا عن مجد شخصي وحصيلة إيجابية لفترته الرئاسية، كما تصفها المعارضة الجزائرية. ويراهن بشكل رئيس على الثقل الذي تمثله الصين داخل مجموعة الـ “بريكس”، في إقناع بقية الدول الأعضاء بالموافقة على انضمام الجزائر إلى المنظمة، كعضو ملاحظ أولا، ثم عضو كامل الصلاحيات لاحقا.
ومن المقرر أن تعقد قمة بريكس في جنوب أفريقيا، خلال الفترة ما بين 22 و24 من أغسطس/آب، حيث ينتظر أن تبت في نحو 20 طلب لدول طلبت انضمامها إلى المجموعة، بينها السعودية ومصر والإمارات ونيجيريا وإثيوبيا والسنغال.
وسبق أن عبرت الصين عن “دعمها الكامل وترحيبها بانضمام الجزائر إلى مجموعة بريكس”، خلال لقاء السفير الصيني بالجزائر لي جيان بالأمين العام السابق لوزارة الخارجية الجزائرية عمار بلاني، في مارس الماضي. كما سبق لروسيا أن أعلنت، على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف، بأن “الجزائر بمؤهلاتها هي المنافس الرئيس” للانضمام إلى بريكس.
بيد أن الانضمام إلى بريكس محكوم بتوفر جملة من الشروط التي لا تتوفر في الجزائر، حيث يربطها العديد من المحللين والسياسيين بقوة الاقتصاد، وتنوعه، وانفتاحه على الأسواق الدولية، وحجم الصادرات، ونسبة النمو، والتعداد السكاني، والمساحة الجغرافية، واستقلالية القرار السياسي. ويرون بالتالي بأن أبرز العقبات أمام انضمامها إلى بريكس، هي عدم تنوع اقتصادها واعتمادها على مداخيل النفط والغاز، وتواضع ناتجها الداخلي الخام، وعدم انفتاحها على الأسواق العالمية بالشكل الكافي.
وإلى جانب ذلك، تواجه الجزائر دون غيرها من المتنافسين الآخرين على الانضمام إلى تكتل “بريكس”، معارضة اثنين من أعضائها هما الهند والبرازيل. وبحسب المحلل السياسي الجزائري عبدو السمار، مؤسس ورئيس تحرير موقع “ألجيري بارت”، فإن كل تلك العوامل قد تُضعف فرص قبول طلب الجزائر، خلال قمة البريكس القادمة.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن المغرب اليوم عبر موقع أفريقيا برس





