السكن الوظيفي لأطر التعليم: إصلاحات واختلالات

14
السكن الوظيفي لأطر التعليم: إصلاحات واختلالات
السكن الوظيفي لأطر التعليم: إصلاحات واختلالات

عبد اللطيف بركة

أفريقيا برس – المغرب. أعادت المذكرة الوزارية الأخيرة الصادرة عن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والمتعلقة بتمكين أطر الإدارة التربوية من السكن الوظيفي وتعجيل قضاء أغراضهم، ملفًا شائكًا ظل لعقود من الزمن مطلبًا نقابيًا مؤجلًا ومصدر توتر صامت داخل المنظومة التعليمية.

فالمذكرة، وإن بدت في ظاهرها استجابة قانونية وتنظيمية لوضعية غير سليمة، فإنها تطرح في العمق أسئلة جوهرية حول توقيتها، وآليات تنزيلها، وقدرتها الفعلية على معالجة إرث ثقيل من الاختلالات.

ملف قديم بتداعيات مستمرة

يعود تفجر ملف السكن الوظيفي بشكل علني إلى عهد الوزير الأسبق محمد الوفا، حين أثيرت على نطاق واسع قضية الاستغلال غير القانوني لعشرات الدور السكنية التابعة لوزارة التربية الوطنية. فقد كشفت المعطيات حينها أن عددًا كبيرًا من هذه المساكن، المخصصة حصريًا للأطر التربوية التي تزاول مهامها داخل المؤسسات التعليمية، ظلت محتلة من طرف أشخاص انتقلوا إلى مدن أو أقاليم أخرى، أو غادروا المنظومة نهائيًا عبر التقاعد، دون إفراغها أو تسوية وضعيتهم القانونية.

ورغم إحالة العديد من هذه الملفات على القضاء، فإن المعالجة ظلت بطيئة وغير مكتملة، بعضها حُسم فيه بأحكام نهائية، بينما لا يزال البعض الآخر رهن التداول، ما عمّق الإحساس بالحيف لدى أطر إدارية جديدة تجد نفسها محرومة من حق يكفله القانون.

مذكرة جديدة في ظرف إصلاحي حساس

في هذا السياق، تأتي المذكرة الوزارية الجديدة لتؤكد من جديد على حق مديري المؤسسات التعليمية في السكن الوظيفي، وتدعو إلى صيانته، وإنجاز المعاينات التقنية عند التسليم والتسلم، وتفعيل مسطرة إفراغ المحتلين، مع تحسين ظروف استقبال أطر الإدارة التربوية وتسريع معالجة ملفاتهم الإدارية.

غير أن توقيت صدور هذه المذكرة، المتزامن مع ورش إصلاحات عميقة يعرفها القطاع التربوي في إطار تنزيل القانون الإطار 51.17 وخارطة الطريق 2022-2026، يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الوزارة تسعى إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي، أم أنها تؤجل مواجهة جذور الإشكال عبر حلول إدارية قد تصطدم بواقع اجتماعي وقضائي معقد.

بين إنصاف قانوني وخطر الصراع الداخلي

يرى بعض المتتبعين أن المذكرة تمثل خطوة إيجابية طال انتظارها، وتعيد الاعتبار لأطر الإدارة التربوية باعتبارهم قيادة ميدانية للمدرسة العمومية، تحتاج إلى شروط استقرار مهني واجتماعي لضمان نجاعة الأداء. كما يعتبرون أن تفعيل مساطر الإفراغ قد يشكل مدخلًا لتسريع البت في الملفات العالقة داخل المحاكم، خاصة في ظل وضوح النصوص القانونية المؤطرة للسكن الوظيفي.

في المقابل، يحذر آخرون من أن تنزيل المذكرة دون معالجة اجتماعية موازية قد يُدخل الأطر التربوية نفسها في صراعات داخلية، بين مستفيدين سابقين يعتبرون أنفسهم في “وضعية أمر واقع”، وأطر جديدة تطالب بحقها المشروع. وهو ما قد يحول ملفًا تنظيميًا إلى بؤرة احتقان جديدة داخل الأسرة التعليمية، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى الحد الأدنى من الاستقرار لإنجاح الإصلاحات الجارية.

الحاجة إلى مقاربة شمولية لا تقنية فقط

يُجمع كثير من الفاعلين على أن حل إشكال السكن الوظيفي لا يمكن أن يقتصر على إصدار مذكرات أو تفعيل مساطر إدارية وقضائية فحسب، بل يتطلب رؤية شمولية توازن بين احترام القانون، ومراعاة الأبعاد الاجتماعية، وتسريع البت القضائي في الملفات المتراكمة منذ سنوات.

فبدون جرد دقيق وشفاف، وجدولة زمنية واضحة للإفراغ، وضمان بدائل إنسانية في بعض الحالات الاجتماعية الحرجة، قد تتحول المذكرة من أداة إصلاح إلى عامل توتير، يضاف إلى تحديات أخرى يواجهها قطاع التعليم العمومي.