إسماعيل بويعقوبي
أفريقيا برس – المغرب. تتجه التحليلات الإسبانية إلى عدم حصر الاهتمام في احتمال مواجهة عسكرية مباشرة، بل إلى قراءة متزايدة لتصاعد نمط من التوتر يوصف ب”الحرب الهجينة” البطيئة والمعقدة في محيطها الجنوبي، وهو التصور الذي على تداخل أدوات متعددة، عسكرية ودبلوماسية واقتصادية، تتقاطع فيها الحسابات الاستراتيجية مع التحولات السياسية في المنطقة، لتبرز في قلبها قضيتا سبتة ومليلية باعتبارهما نقطتي حساسية جغرافية وأمنية في العلاقة مع المغرب.
ويستند هذا الطرح وفق تحليل نشره موقع “Xataka” المتخصص في قضايا التكنولوجيا والاستراتيجية والجغرافيا السياسية، إلى قراءة تمتد إلى الخلفية التاريخية للعلاقات الثنائية، حيث يستحضر حادث جزيرة “ليلى” في عام 2002، عندما نزلت مجموعة من الجنود المغاربة ورفعت العلم المغربي على الجزيرة، قبل أن ترد إسبانيا بعملية عسكري، في واقعة بقيت من أكثر الأزمات الدبلوماسية والعسكرية التي شهدتعا العلاقات بين مدريد والرباط مطلع الألفية الثالثة.
ويشير التحليل إلى أن السياق الحالي أكثر تعقيدا، إذ لم تعد المخاوف الإسبانية مرتبطة فقط بميزان القوى التقليدي في شمال إفريقيا، بل أيضا بإعادة تشكيل الاهتمام الاستراتيجي الغربي، مع تركيز أوروبا على الحرب في أوكرانيا والجبهة الشرقية لحلف الناتو، مقابل تنامي النقاش حول ما يجري جنوب مضيق جبل طارق.
وفي هذا الإطار، يبرز عامل إضافي يتمثل في تحول لافت في بعض الخطابات داخل الولايات المتحدة، حيث بدأت وثائق ومقاربات سياسية تصف سبتة ومليلية بكونهما تحت “إدارة إسبانية داخل أراض مغربية”، وهو تحول يعتبره مراقبون تحولا في التوازن الدبلوماسي التقليدي الذي كان يحسم هذا الملف ضمن إطار الحلفاء الغربيين.
وتتعمق هذه المخاوف مع بروز مواقف داخل الكونغرس الأمريكي، من بينها تصريحات النائب الجمهوري ماريو دياز- بالارت، القريب من دوائر سياسية منسجمة مع مقاربات داعمة للرباط، والذي دعا إلى إعادة فتح النقاش حول الوضع القانوني للمدينتين، في وقت يتزامن فيه ذلك مع توترات أوسع في العلاقات بين مدريد وواشنطن، مرتبطة بملفات الإنفاق العسكري داخل حلف الناتو، وباختلاف وجهات النظر حول قضايا دولية مثل الحرب على إيران والدور الأوروبي في المنظومة الأمنية الأطلسية.
ويبرز المغرب، وفق القراءة ذاتها، كلاعب إقليمي يشهد تسارعا في تحديث قدراته العسكرية وتعزيز بنيته الدفاعية عبر شراكات متنوعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وفرنسا، إلى جانب تطوير صناعات دفاعية محلية تشمل تقنيات الطائرات المسيرة وأنظمة التسليح الحديثة، كما عززت الرباط موقعها الدبلوماسي بعد اعتراف الولايات المتحدة بسيادتها على الصحراء، ما منحها زخما إضافيا في علاقاتها الدولية، ورسّخ حضورها داخل التوازنات الجديدة في غرب المتوسط.
ويرى التحليل أن هذا التحول يقابله شعور متزايد داخل بعض الدوائر الاستراتيجية الإسبانية بأن مدريد لم تعد مركزا محوريا داخل شبكة التحالفات العسكرية الجديدة في منطقة المغرب الكبير، حيث تعزز إيطاليا تعاونها الدفاعي مع الجزائر، بينما يواصل المغرب توسيع شراكاته مع قوى دولية كبرى، في حين تبقى إسبانيا في موقع أقل كثافة من حيث الاتفاقات الدفاعية المباشرة في محيطها الجنوبي.
وتتجه هذه القراءة إلى اعتبار سبتة ومليلية نقطتي حساسية متزايدة، ليس فقط من منظور عسكري تقليدي، بل ضمن منظومة أوسع تشمل الأمن السيبراني وإدارة الأزمات والمرونة المؤسساتية وحماية البنى التحتية الحيوية، إضافة إلى تأثير الضغوط غير المباشرة مثل الأزمات الحدودية وتدفقات الهجرة والتوترات الدبلوماسية المتقطعة.





