انتهى نهائي كأس أمم إفريقيا بخيبة أمل عميقة لدى المغاربة، بعدما كانت هذه المباراة تمثل أفضل فرصة للمنتخب الوطني للتتويج باللقب القاري منذ عقود. غير أن النهائي شابته سلسلة من الأحداث التي أثقلت أجواءه، من بينها محاولة بعض مشجعي السنغال اقتحام أرضية الملعب، واحتجاجات من المنتخب المنافس أدت إلى توقف مؤقت للعب، إضافة إلى إضاعة ركلة جزاء بأسلوب “بانينكا”. لحظات متلاحقة عمّقت الإحباط وزادت من قسوة الخسارة.
وفي الأيام التي تلت المباراة، عكست مواقع التواصل الاجتماعي حالة جماعية من الغضب والحزن وخيبة الأمل، مع شعور عام بأن الكأس أفلت من أيدي المغاربة. وانتشرت مقاطع الفيديو والقصص و”الميمات” التي عبّرت عن الأسى، أو حمّلت سوء الحظ وقرارات التحكيم مسؤولية الإخفاق، أو لجأت إلى السخرية كوسيلة للتنفيس عن إرهاق عاطفي عميق. هذا الواقع أثار تساؤلات حول ما إذا كان ما يعيشه المغاربة يُشبه اكتئاب ما بعد المباراة، ولماذا بدا تقبّل الخسارة بالغ الصعوبة.
وأوضح محسن ابن زاكور، اختصاصي علم النفس الاجتماعي أن “هذه البطولة، والحملة الإعلامية التي رافقتها، خلقت شعورا قويا بالأمل والفخر”. وأضاف أن الحماس الكبير المحيط بالحدث، وظروف الاستضافة التي نالت إشادة واسعة داخل المغرب، إلى جانب الأداء القوي للمنتخب الوطني، “عززت هذا الأمل وحولته إلى قناعة متزايدة” بأن المغرب سيتوج بلقبه الثاني في كأس الأمم الإفريقية بعد مرور خمسين عاما. وأشار بن زاكور إلى أن “هذا الأمل والرغبة تحولا نفسيا إلى واقع راسخ في الأذهان”، مؤكدا أنه عندما انهارت هذه التوقعات “سادت مشاعر الغضب والذهول”.
وسائل التواصل الاجتماعي تعيد فتح الجرح
من جانبه، اعتبر عالم الاجتماع شكيب جسوس أن استضافة المغرب للبطولة ساهمت في تعميق هذه المشاعر. وقال إن المغاربة “لم يعيشوا كأس الأمم الإفريقية خلال شهري دجنبر ويناير فقط، بل على مدى أكثر من عام”، من خلال متابعتهم الدقيقة للتحضيرات، ومشاهدتهم لتجديد الملاعب، ومعايشتهم لأوراش البنية التحتية، ما جعلهم منخرطين في أجواء البطولة قبل انطلاقها بوقت طويل.
وقارن جسوس هذه التجربة بحفل زفاف مغربي، موضحا أن “كأس الأمم الإفريقية بدت وكأن المغاربة كانوا يستعدون لزفاف عائلي، سارت تفاصيله كما كان مخططا لها، إلى أن جاءت اللحظة الأخيرة بينما كان الضيوف على وشك المغادرة”. وأضاف أن نهاية كهذه لا يمكن إلا أن تولّد الإحباط.
ويرى بن زاكور أن مزيج الغضب وخيبة الأمل والحزن يؤثر في الناس بطرق مختلفة، غير أن وسائل التواصل الاجتماعي “زادت من حدة الوضع”. وأوضح أن “الناس لا يتفاعلون جميعا بالطريقة نفسها مع الخيبة والفشل، فبعضهم أكثر هشاشة من غيره”، لكن حتى من حاولوا الحفاظ على هدوئهم “ظلوا يتعرضون باستمرار لمحتوى رقمي يعيد استحضار هذا الألم”، ما فاقم المشاعر السلبية.
وفي حين تمكن بعض الأشخاص من الابتعاد عن منصات التواصل، لم يوفّر الفضاء العام أي مهرب، إذ لا تزال اللوحات الإعلانية في مختلف المدن المغربية تعرض صورا مرتبطة بكأس الأمم الإفريقية وتُظهر لاعبي المنتخب الوطني. واعتبر بن زاكور أن هذا الوضع قد يشبه شكلا من أشكال التوتر اللاحق للصدمة، موضحا أن “الأشخاص بعد حدث صادم يعيدون عيش التجربة عبر صور أو ذكريات أو أحلام تذكّرهم بتلك اللحظة المؤلمة”، وهو ما قد يفسر رفض بعضهم لرؤية هذه الصور مجددًا.
الأطفال والإيمان بالعمل الجاد
وحذّر بن زاكور من أن هذه المشاعر قد تكون أكثر حدة لدى الأطفال الذين تابعوا كأس الأمم الإفريقية بحماس وإعجاب وفخر، مؤكدا أنهم “أكثر عرضة للتأثر بالمشاعر السلبية”. ونبّه إلى خطر أن تؤثر خيبة الأمل على إيمانهم بالأحلام وبقيمة العمل الجاد، معتبرا أن “ربط الفشل بالهوية قد يكون أمرا بالغ الخطورة”.
ودعا إلى دور فاعل للأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام لمساعدة الأطفال على التعبير عن مشاعرهم، والتحدث بصراحة عن هذه الخسارة، وفهم أنها في النهاية مجرد رياضة. وأضاف أن “الهزيمة والفشل جزء من المسار، ويجب أن يدرك الأطفال أن الخسارة ليست نهاية العالم، وأن الفشل تجربة للتعلم، وأن الأخطاء تساعد على النمو”، بما يعزز الأمل والإيمان بالعمل الجاد والثقة في الوطن.
أما بالنسبة للبالغين، فدعا بن زاكور إلى التحلي بالتعقل في مواجهة ردود الفعل العاطفية، مشددا على ضرورة عدم التركيز فقط على الجوانب السلبية، وتجنب الاندفاع، والحفاظ على الإيمان بالمستقبل.
بدوره، أكد جسوس أن الشعور بالحزن والإحباط أمر طبيعي، لكنه شدد على أهمية الاستمرار في التطلع إلى الأمام، داعيا إلى “تحييد التأثيرات السلبية وتجنب الانزلاق نحو خطاب الكراهية”، في إشارة إلى بعض المحتويات العدائية التي ظهرت بعد النهائي واستهدفت مشجعين مغاربة وسنغاليين على حد سواء.



