ماذا وراء الاهتمام المغربي المتزايد بالمسيرات التركية؟

21
ماذا وراء الاهتمام المغربي المتزايد بالمسيرات التركية؟
ماذا وراء الاهتمام المغربي المتزايد بالمسيرات التركية؟

مصطفى واعراب

أفريقيا برس – المغرب. يواصل المغرب اقتناء طائرات مسيرة عسكرية متطورة، بأعداد كبيرة منذ أربع سنين، بحيث باتت التقارير الدولية تصنف أسطول المسيرات العسكرية المغربي بأنه الأقوى في المنطقة المغاربية، ومن بين الأكثر تطورا على صعيد القارة الأفريقية.
وإذا كانت الأضواء سُلطت أساسا على المسيرات الإسرائيلية الانتحارية والتجسسية، لأن الرباط انتقلت من الاستيراد إلى مرحلة تصنيعها محليا بالمغرب وفق الإعلام الإسرائيلي، فإن مصادر المغرب من المسيرات لا تنحصر في تل أبيب وحدها. بل يطال التنويع أيضا الصين وفرنسا وتركيا والولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، يلاحظ أن المغرب بات يمثل أحد أبرز الأسواق الجديدة، التي اقتحمتها المنتجات العسكرية التركية خلال السنين الأخيرة، وضمن تلك المنتجات نجد الطائرات بدون طيار التي أتبثت تفوقها في الحروب وتوابعها.. ويطرح ذلك أسئلة كثيرة ترتبط بسر اهتمام المغرب الكبير بالمسيرات التركية، يحاول هذا المقال الإجابة عنها..

بشكل عام، تحتاج الدول إلى الطائرات بدون طيار، لتقليل الاعتماد على الطائرات العسكرية التقليدية في المهام التي لا تستلزم الاستعانة بالمقاتلات. كما تسعى الكثير من الدول اليوم إلى تعزيز أسطولها من الطائرات المسيرة لأسباب اقتصادية، تتعلق برخص ثمن هذا النوع من الطائرات مقارنة بالطائرات، التي تحتاج إلى فاتورة أعلى عند الشراء، وتكلفة الطلعات الجوية، والوقود، والصيانة، الخ. فسعر مسيرة بيرقدار التركية —مثلا—حوالي 5 مليون دولار، بينما يبدأ سعر المقاتلة الأمريكية إف-16 من 20 مليون دولار. وإلى جانب ذلك كله، يتم توفير الخسائر البشرية في حال تدمير الطائرة بدون طيار.

قصة نجاح تركية

ولأجل تلك المزايا، يشهد قطاع تصنيع الطائرات بدون طيار اهتماما متزايدا في دول العالم المختلفة. وفي ظل الاحتياجات غير الضخمة اللازمة لدخول هذا القطاع، برزت عديد من الدول التي لا تُصنف ضمن الدول الكبرى في مجال الصناعات الدفاعية، بل مجرد دول متوسطة، والتي وجدت ضالتها في تطوير الطائرات المسيرة وتصنيعها بما يتماشى مع إمكانياتها. وهو ما سمح لها بالقدرة في وقت محدود للغاية ببلوغ مكانة صناعية وتصديرية متقدمة في مجال الصناعات الدفاعية من خلالها.

وتبرز بهذا الصدد، على سبيل المثال، تركيا التي تمكنت من الاستفادة بشكل كبير من قدراتها في هذا القطاع، بحيث أضحت اليوم رقما مهما عالميا في عالم الطائرات المسيرة. وباتت تعمل على التوسع في تطوير نماذجها المحلية الخاصة، وتصديرها لتحقيق عدد من الأهداف السياسية والعسكرية بجانب الفوائد الاقتصادية.

شرعت تركيا في المراحل الأولى من تطوير نموذج الطائرة المقاتلة المسيرة التكتيكية (تستعمل للمراقبة والهجوم)”بيرقدار TB2″ عام 2007، بينما انطلقت أولى مراحلها التجريبية في حزيران/يونيو 2009. وتسلمت القوات البرية التركية أول 6 طائرات للقوات البرية في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، و6 طائرات أخرى في حزيران/يونيو 2015، لتدخل الطائرة الخدمة رسميا في القوات التركية منذ ذلك الحين.

لقد تمكنت أنقرة من التطوير الميداني للنماذج الأولية بفضل انخراط مسيَّراتها العسكرية في العديد من الحروب. ولا تزال أنقرة تعمل على تطويرها والرفع من وتيرة إنتاجها، حيث أعلنت شركة الصناعات الدفاعية التركية “بايكار”، في آب/أغسطس 2022، أنها باتت قادرة على إنتاج 20 طائرة بدون طيار شهريا، ما مكنها من الحصول على طلبات لثلاث سنوات مقبلة إذ كشف الرئيس التنفيذي للشركة أنها وقَّعت عقودا لتصدير مسيرات “بيرقدار TB2” الشهيرة لـ 22 دولة، وأنها بصدد العمل على الرفع من طاقتها الإنتاجية.

وفي نوفمبر 2022، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن بلاده بدأت في اختبار الطائرة ‏المقاتلة دون طيار بيرقدار “قيزيل إلما” (تعني التفاحة الحمراء) في الشهر ذاته، وهي مسيرة من الجيل الخامس تعمل بمحرك مروحي، وتتميز بقدرة إقلاع وهبوط قصيرة، بحيث تستطيع الانطلاق من حاملات الطائرات ذات السطح الصغير، مثل السفينة الهجومية البرمائية “الأناضول” التبعة للجيش التركي. وكشف أردوغان بأن بلاده ستشرع في الإنتاج الضخم لهذا النوع الجديد من المسيرات انطلاقا من أواخر العام الجاري. وهذه الطائرة تقول الشركة التركية المنتجة بأنها ستتفوق – وفق بعض المؤشرات – على الطائرات المقاتلة الكلاسيكية الأمريكية من الجيل الخامس، مثل المقاتلة الأمريكية “إف-35”.

وهكذا أصبحت تركيا اليوم، وفي غضون أقل من عشرين عاما، واحدة من 6 دول فقط في العالم لديها القدرة على إنتاج طائرات بدون طيار مسلحة ومزودة بقنابل ذكية وأنظمة إلكترونية متطورة.

تفوق مسيرات “بيرقدار”

لفتت المسيرات العسكرية التركية الأنظار لأول مرة في خريف العام 2020، خلال حرب أرمينيا – أذربيجان التي تم حسمها لصالح أذربيجان في 44 يوما. فقد أشاد كبار المسؤولين الأذربيجانيين، وفي مقدمتهم الرئيس إلهام علييف، بفعالية الطيران العسكري التركي المسير في انتصار بلادهم في حربها مع أرمينيا. وكانت تلك الحرب الطاحنة أول حقل تجريب ميداني لفعالية الطائرات بدون طيار التركية في ساحة الحرب. فخرجت من الامتحان ناجحة، إذ نوهت بقدراتها الكبيرة عديد الدراسات العسكرية والاستراتيجية، من ألمع الخبراء الدوليين.

ومنذ الأسابيع الأولى للغزو الروسي لأوكرانيا، عجت شبكات التواصل الاجتماعي بفيديوهات لمسيرات “بيرقدار تي‌بي2” التابعة للجيش الأوكراني، وهي تستهدف القوافل العسكرية الروسية، إذ ظهرت الأرتال العسكرية وقوافل الدبابات الروسية وهي تتعرض لضربات مباغثة وعنيفة من تلك المسيرات التركية الصنع، ألحقت بها أضرارا بليغة.

ويرى خبراء عسكريون غربيون بأن جيش أوكرانيا —نظريا— لا يساوي شيئا أمام الطائرات العسكرية الروسية. لكن مع ذلك، يبدو أصبح لدى أوكرانيا عصا سحرية اسمها “بيرقدار تي‌بي2″، مكنتها من عرقلة تقدم المهاجمين منذ اللحظات الأولى للحرب. خصوصا أنها يصعب كشفها بالرادارات، ما ساعدها بشكل كبير على تفادي أنظمة الدفاع الروسية.

وهكذا أصبحت في غضون شهور أو أسابيع أشهر من نار على علم ضمن الكلمات المفتاحية لأشهر محركات البحث.

وفي سياق ذلك، تسابقت عديد من دول العالم التي توجد في حالة نزاع (على غرار الجزائر والمغرب)، أو التي تخوض حروبا صعبة (على غرار الحكومة الفيدرالية الإثيوبية مع إقليم تيغراي)، على اقتناء هذه المسيرة الأعجوبة. وكانت الحالة الإثيوبية دالة في تأكيدها الفعلي على تفوق بيرقدار، حيث تمكنت حكومة آبي أحمد من سحق مقاومة شعب تيغراي، فور إدخالها المقاتلة التركية المسيرة ميدان المعركة.

وصرح سلجوق بيرقدار مصمم المسيّرات التركية، لوكالة رويترز، قائلا إنّ تدمير أوكرانيا أنظمة مدفعية ومركبات مدرعة روسية باستخدام طائرات “بيرقدار تي بي 2″ التركية جعل العالم كله من زبائن تلك المسيّرات”. وأضاف بأنّ الطائرات المسيّرة أظهرت كيف أحدثت التكنولوجيا ثورة في الحروب المعاصرة، وأن مسيرة (بيرقدار تي.بي 2) “تفعل ما صُممت من أجله: تقضي على بعض أكثر الأنظمة المضادة للطائرات تطورا، وعلى أنظمة مدفعية متطورة وعلى المركبات المدرعة. ولذلك أصبح العالم كله الآن يطلبها”.

ويبلغ عرضه مسيرات “تي بي2” بامتداد الجناحين 12 مترا. وهي خفيفة جدا بحيث يمكن لها أن تحمل 4 صواريخ، حسب الشركة المنتجة. ويمكن لها التحليق على ارتفاع 25 ألف قدم قبل أن تنقض على الدبابات والمدفعية، بذخيرة خارقة للدروع وموجهة بالليزر فتقضي عليها.

اهتمام مغربي بالمسيرات التركية

خصص المغرب منذ العام 2017 أزيد من 20 مليار دولار لتعزيز قدراته العسكرية، والاستثمار في الإنتاج العسكري المحلي داخل البلاد. وفي هذا الإطار، أبرمت الرباط خلال السنوات الأخيرة، بعض صفقات السلاح مع تركيا لتحديث سلاحها الجوي.

في 17 سبتمبر 2021، تلقى المغرب دفعة أولى مكونة من 13 طائرة بدون طيار تركية الصنع من نوع “بيرقدار TB2″، بحسب ما كشفت مصادر إخبارية مقربة من الجيش المغربي. وكشف منتدى فار-ماروك على صفحته الفيسبوكية حينها، بأن الصفقة شملت كذلك تكوينا لطواقم عسكرية مغربية بالديار التركية استغرق أسابيع في إطار نفس العقد، بغاية تأهيله لتسيير تلك المسيرات والقيام مستقبلا بأعمال صيانتها وإصلاحها محليا بالمغرب. ولاحقا راجت أخبار حول تعاقد المغرب على اقتناء أعداد إضافية من نفس المسيرات التركية، لكن لم يتضح عددها الإجمالي بالضبط. بينما قامت الجزائر هي الأخرى بشراء مسيرات تركية من نفس النوع.

وفي يوليو/تموز 2021 كشفت مواقع غربية متخصصة في الشؤون العسكرية، بأن المغرب تعاقد مع إحدى أبرز الشركات العسكرية التركية، للحصول على أدوات تحييد الرادارات المعادية من طراز “كورال”، بأكثر من 40 مليون دولار. وبحسب تقارير، فخلال المعارك التي خاضها الجيش التركي ضد الانفصاليين الأكراد بشمال سوريا والعراق، ومعارك أخرى في ليبيا وأذربيجان، كانت تلك المنظومة المضادة للرادارات تعمل بتنسيق ميداني مع المسيرات بيرقدار، بحيث قبل أن تنقض الأخيرة على المركبات والأرتال المدرعة المعادية، كانت منظومة “كورال” تتولى مهمة إخراج الرادارات المعادية عن الخدمة.

وسبق أن نشرت حسابات شخصية على مواقع التواصل صورا لمسيرات بيرقدار وهي تحلق في سماء مدينة العيون بالصحراء. وهو ما أكدته مواقع إسبانية مقربة من الاستخبارات العسكرية الإسبانية، مثل موقع “ديفانسا” المعروف، الذي كشف بأن مسيرات “بيرقدار تي بي 2″، التي سبق أن اقتناها المغرب من تركيا، تحلق باستمرار فوق مدينة العيون في الصحراء المغربية، حاملة قنابل ذكية موجهة بالليزر يصل مداها إلى 15 كلم.

وانصرف اهتمام جهات القرار العسكري في المغرب—على ما يبدو— على قطاعات أخرى من الصناعة الدفاعية التركية، نظير القطع العسكرية البحرية، وأجهزة الرادار، والمدرعات. لكن الحديث عاد قبل أيام، عن دخول القيادة العسكرية المغربية في مفاوضات متقدمة مع نظيرتها التركية، حول جيل جديد أكثر تطورا من الطائرة بدون طيار الشهيرة عالميا “بيرقدار”.

فقد دخل المغرب في مفاوضات مع شركة “بايكار” التركية، من أجل اقتناء الطائرة بدون طيار القتالية من نوع “أكينجي”، بحسب ما أُعلِن قبل أيام. وبحسب وصف شركة بايكار التركية المصنعة لها، فإن أكينجي هي مركبة جوية قتالية بدون طيار تحلق على ارتفاعات عالية وتتميز بقدرة تحمل طويلة. وهي مزودة بالذكاء الاصطناعي وقادرة على القيام بعمليات بالطائرات المقاتلة في جو-أرض و مهمات الضربات الجوية. وتزن 4,5 طن وقادرة على حمل 1500 كغ، وهيكلها مزود بمحركين توربينيين. كما أن لديها دعما إلكترونيا يسمح لها بحمل أنظمة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، ورادار جو-جو، ورادار كشف العوائق، ورادارات أخرى متطورة للغاية.

وللتذكير، فقد دخلت هذه الطائرة بدون طيار الخدمة عام 2021، وتعتبر “جوهرة” الترسانة العسكرية التركية. ونظرًا لقدراتها، فقد حصلت دول أخرى، مثل باكستان والسعودية، بالفعل على عدة وحدات منها.

عين المغرب على التصنيع

يحتاج المغرب بشدة إلى تطوير صناعة عسكرية، وضمنها المسيرات العسكرية، لأسباب متعددة وضاغطة.

أولها طبعا، هو نقل التكنولوجيا العسكرية المتطورة. وثانيها، خفض النفقات العسكرية التي تلتهم 4c/o من ناتجه الداخلي الخام سنويا. وثالثها، حفاظه على الأسرار العسكرية حيث كثيرا ما يتم تسريبها وإفشاء في أعقاب صفقات مشترياته من السلاح. ورابعها، أن المسيرات من الصناعات العسكرية التي لا تتطلب رؤوس أموال كبيرة جدا.

وهناك عامل آخر لا يقل أهمية، ويتعلق بمسار الصفقات العسكرية التي يتم عقدها مع بعض الدولة المتقدمة، بسبب “البيروقراطية الديمقراطية”. فمثلا خلال العام 2020، عرقل الكونغرس الأمريكي صفقة شملت شراء المغرب لأربع طائرات مسيرة من طراز “إم كيو-9 بي سي جارديان” (تعتبر من بين الأكثر تطورا في العالم والأغلى أيضا) وذخائر موجهة بدقة، بقيمة إجمالية بلغت مليار دولار، وذلك رغم موافقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الصفقة.

وفي هذا الصدد، كانت وسائل إعلام إسرائيلية كشفت مطلع العام الماضي، بأن المغرب وإسرائيل يعدان العدة لإنشاء أول مصنعين متخصصين في تصنيع المسيرات بتكلفة منخفضة، داخل قاعدتين عسكريتين بشمال المملكة، إلى جانب صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى لفائدة الجيش المغربي. تسهر على هذا المشروع شركة “بلوبيرد أيرو سيستم”، التي يديرها وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق عمير بيريتز (ذو الأصول المغربية)، حيث ينتظر أن تحمل الطائرات التكتيكية (للاستطلاع والهجوم) علامة “صنع في المغرب”.

لكن مشاريع التصنيع العسكري الإسرائيلية المغربية يلفها الكثير من التضارب والغموض، حيث كان الحديث في البداية عن تصنيع مسيرات “انتحارية” مهيئة لحمل شحنات تنفجر بمجرد ارتطامها بالهدف، وأخرى للاستطلاع وجمع المعلومات، بما يتيح للمغرب أن يلتحق بالنادي المغلق والضيق للدول المصنعة للمسيرات.

وبصدد الطرف التركي، من الملاحظ أن أنقرة باتت تعمل على توسيع استثماراتها الخارجية لرفع حجم صادراتها من الطائرات بدون طيار التي كثر الطلب عليها. وسبق أن وافقت الحكومة الأوكرانية في يوليو 2022، على مشروع قانون اتفاقية مع الحكومة التركية يتعلق بإنتاج وصيانة طائرات “بيرقدار” المسيَّرة في أوكرانيا. وبموجب الاتفاقية يتم بناء مصنع في أوكرانيا لإنتاج وصيانة هذه المسيرة التركية. وأعلن هالوك بيرقدار المدير العام للشركة المصنعة لها، في أغسطس 2022، عن بدء التشييد الفعلي لمصنع الشركة في أوكرانيا كجزء من خطة استثمارية تستهدف إنتاج جميع الأنظمة، بما يتضمن الإلكترونيات والبرمجيات، وليس فقط جسم الطائرة. كما سيتضمن المصنع مركز أبحاث ومركز إنتاج متقدمين. ومن المرجح ألا يبدأ الإنتاج قبل نهاية عام 2023.

وضمن هذا التوجه التركي الجديد، يطمح المغرب إلى إقناع الشريك التركي بمساعدته على خوض تجربة تصنيع مسيرات محليا. وضمنه أيضا أتت الخطوة المغربية قبل عام، بتعيين ملحق عسكري بسفارة المملكة بالعاصمة التركية أنقرة.

المسيرات.. سلاح القرن الحادي والعشرين بلا منازع

تمثل الطائرات بدون طيار ثورة القرن الحادي والعشرين في مجال التكنولوجيا العسكرية. ويتعلق الأمر بطائرات يتم تشغيلها عن بُعد في مهام المراقبة، والاستطلاع، كان أول استخدام رئيسي لها في حرب أفغانستان، حيث استخدم الجيش الأمريكي طائراته بدون طيار في مهام الاستطلاع والمراقبة. ووفر له ذلك معلومات استخباراتية قيمة تم توظيفها لاستهداف قوات طالبان. كما تم استخدام الطائرات بدون طيار لشن ضربات موجهة لاغتيال قادة طالبان، وهي مهام كانت شبه مستحيلة من قبل.

بعد ذلك، تم استخدام الطائرات بدون طيار في مجموعة من النزاعات حول العالم. في العراق بعد الغزو الأمريكي، ثم في سوريا لشن ضربات جوية ضد قوات داعش. كما تم استخدامها في باكستان وليبيا واليمن، من طرف وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لشن ضربات ضد المشتبه بكونهم إرهابيين.

لقد شكل العراق نقطة تحول مفصلية في تطور استعمال الطائرات بدون طيار في النزاعات والحروب، حيث تشير تقارير إعلامية إلى أن حوالي 800 طائرة بدون طيار كانت تحلق في سماء العراق وأفغانستان في عام 2005. لكن أغلبها كان يحلق فوق العراق بحسب التقارير، إذ تؤكد الشهادات بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) شرعت في استخدام هذه الطائرات، قبل ذلك، منذ عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب. لكن تطوير دور الطائرات واستخدامها بكثافة عملياتية انطلق فعليا في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، حيث استخدمت بشكل متزايد منذ صيف العام 2008. وفي هذا السياق، تعتبر حرب العراق نقطة مفصيلة في تاريخ الطائرات بدون طيار، حيث تذهب تقارير متخصصة إلى أنه يمكن رصد فوارق هائلة بين درجة الاعتماد على هذا النوع من الطائرات قبل هذه الحرب وبعدها.

وما شجع الأمريكيين على الاعتماد على هذا النوع من الطائرات العسكرية، إلى جانب مزاياها المذكورة سابقا، هو كون تكلفة تدريب الطيار على الطائرة تورنادو تفوق الأربعة ملايين دولار، بينما الطائرات بدون طيار فلا تحتاج هذا، بل تتطلب ثلاثة أشهر فقط ليصبح المتدرب الذي يوجهها محترفا. ولذلك أصبحت الطائرات بدون طيار ركيزة أساسية في العمليات العسكرية والاستخباراتية، ليس فحسب للجيش الأمريكي، بل لأغلب جيوش العالم.

وفي إطار مظاهر التنافس الدولي على تطوير أجيال أكثر تقدما من هذا النوع من الطائرات، تتوقع الدراسات أن تصبح المسيرات في المستقبل أرخص ثمنا، وأكثر سرعة، وأفضل تخفيّا، وأشد فتكا، بما يدعم فرضية مزيد من التطور والتوسع الهائل في استخداماتها خلال السنوات المقبلة. وللإشارة، فإن هناك تجارب لتطوير طائرة بدون طيار لتمكينها من التعرف الأعداء وقتلهم، اعتمادا على عمليات حسابية يقوم بها جهاز كمبيوتر يوجد بداخلها، وليس وفقا لأوامر أو تعليمات يتم توجيهها من مركز قيادة أرضي، كما هو الحال حاليا. وهو ما يعني أنها قد تمثل مستقبلا وحدات قتالية مستقلة “تفكر” وتقرر ذاتيا، ثم تنفذ بشكل آلي نوع العمليات التي عليها القيام بها.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن المغرب اليوم عبر موقع أفريقيا برس