في تطور قضائي أعاد ملف شركة “سامير”، كبرى مصافي تكرير النفط في المغرب، إلى الواجهة من جديد، قضت المحكمة الابتدائية التجارية بالدار البيضاء، اليوم الجمعة، بعدم قبول العرض الاستثماري الإماراتي الأخير الذي قُدم للاستحواذ على أصول الشركة وإعادة تشغيلها.
وأصدرت المحكمة حكما قطعيا يحمل رقم (92) بتاريخ اليوم 27 فبراير 2026، في إطار القضية المسجلة تحت رقم 2025/8304/2124، والمندرجة ضمن شعبة “صعوبات المقاولة”.
ووفقا للمعطيات المنشورة عبر المنصة الرسمية لتتبع الملفات القضائية بوزارة العدل، فإن الحكم قضى بـ “عدم قبول العرض”، وهو ما يعني قانونيا إسقاط العرض الاستثماري الضخم الذي كان يعلق عليه الكثيرون آمالا لإنهاء أزمة دامت قرابة عقد من الزمن.
وانطلق هذا المسار القضائي الأخير في 29 دجنبر 2025، عندما تم تسجيل ملف استعراض عروض التفويت، حيث شهدت الجلسات الماضية سلسلة من التأجيلات واستدعاء الأطراف المعنية، مع منح المراقبين مهلا للإدلاء بملاحظاتهم التقنية.
وكانت المحكمة قد طالبت في وقت سابق بتقديم الوثائق والمستندات المتعلقة بالعرض مترجمة بشكل رسمي إلى اللغة العربية، قبل أن تحسم قرارها اليوم بالرفض.
وكانت الأنظار تتجه صوب “مستثمر إماراتي” تقدم بعرض مالي وُصف بـ “الأضخم” منذ بدء مسطرة التصفية القضائية، حيث بلغت قيمة العرض 3.5 مليارات دولار (ما يعادل قرابة 35 مليار درهم مغربي).
وكان هذا العرض يهدف بالأساس إلى شراء أصول المصفاة المتواجدة بمدينة المحمدية، وتغطية جزء من ديونها، مع الالتزام بإعادة تشغيل وحدات التكرير المتوقفة منذ غشت 2015.
ورغم أن المنصة الرسمية للمحكمة لم تكشف عن الأسباب التفصيلية والحيثيات القانونية التي بني عليها قرار “عدم القبول”، إلا أن مراقبين يرجحون أن العرض ربما لم يستوفِ الشروط المالية أو الضمانات البنكية المطلوبة، أو أنه اصطدم بتعقيدات قانونية تتعلق بديون الشركة المتشعبة.
تخضع شركة “سامير” لمسطرة التصفية القضائية منذ 21 مارس 2016، إثر عجزها عن سداد ديون فلكية تجاوزت 40 مليار درهم، أغلبها لفائدة الجمارك والأبناك المغربية والدولية.
وأدى توقف المصفاة إلى فقدان المغرب لقدرته الإنتاجية المحلية من المواد البترولية، مما جعل البلاد تعتمد بنسبة 100% على استيراد الوقود المصفى من الخارج، وهو ما يضع فاتورة الطاقة تحت رحمة تقلبات الأسواق الدولية.
بهذا الحكم، يجد ملف “سامير” نفسه مجددا في “مفترق طرق”. فمن جهة، يستمر سريان قرار التصفية القضائية، ويبقى باب تلقي عروض جديدة مفتوحا أمام المستثمرين الراغبين في دخول غمار هذه الصناعة الاستراتيجية.
ومن جهة أخرى، تزداد الضغوط على “السانديك” (المصفي القضائي) والمحكمة لإيجاد مخرج يحفظ حقوق الدائنين ويضمن استمرارية هذا المرفق الصناعي الذي يضم أصولا تقدر بمليارات الدراهم، لكنها تتعرض للتهالك مع مرور الوقت.
ويرى خبراء اقتصاديون أن العودة إلى “نقطة الصفر” قد تزيد من تعقيد الملف، خاصة في ظل استمرار النزاعات الدولية بين الدولة المغربية والمستثمر السابق (مجموعة كورال)، وهو ما يجعل المستثمرين الجدد في حالة ترقب حذر لما ستؤول إليه التطورات القانونية المقبلة.
وتعد مصفاة “سامير”، الواقعة بمدينة المحمدية، أكبر منشأة لتكرير النفط في المغرب، وكانت تشكل ركيزة أساسية في المنظومة الطاقية الوطنية قبل توقفها، فيما كانت شركة Coral Petroleum، التابعة لرجل الأعمال السعودي محمد العمودي، تملك نحو 67,26 في المائة من رأسمالها منذ خصخصتها سنة 1997.
كما كانت التقييمات القضائية السابقة قد قدرت القيمة الإجمالية لأصول المصفاة بنحو 2,16 مليار دولار، منها 1,49 مليار دولار تخص منشأة التكرير، فيما حددت القيمة المرجعية للتفويت في حدود 2,5 مليار دولار، قبل أن يتم إطلاق طلب عروض جديد في فبراير 2023 بقيمة تقديرية تبلغ نحو 2 مليار دولار، استقطب اهتمام مستثمرين من عدة دول، من بينها الإمارات العربية المتحدة والسعودية والولايات المتحدة والهند والمملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا.
ويمثل الحكم القضائي الصادر اليوم محطة جديدة في مسار تفويت أصول “سامير”، حيث يؤدي عدم قبول العرض الأخير إلى استمرار مسطرة التصفية القضائية، مع بقاء إمكانية تقديم عروض جديدة مستقبلا وفق المساطر القانونية المعمول بها، في انتظار التوصل إلى حل يمكن من إعادة تشغيل هذا المرفق الصناعي الاستراتيجي واستعادة نشاط التكرير بالمغرب.
