أفريقيا برس – المغرب. تعيش الحكومة المغربية على وقع انتقادات حادة بسبب ما اعتبره البعض “ورطة سياسية” مرتبطة بإمكانية استيراد المغرب للنفايات من الخارج، في ظل غياب توضيحات رسمية أكثر شفافية حول معايير هذه العملية ومدى احترامها للسلامة البيئية والصحية.
وتفجر الجدل بعد أن تبيّن أن حكومة عزيز أخنوش طلبت إدراج المغرب ضمن قائمة الدول المؤهلة لاستيراد “النفايات غير الخطيرة” من الاتحاد الأوروبي، إلى جانب 23 دولة أخرى، وهو ما أثار تساؤلات حول جدوى هذه الخطوة وتأثيراتها المحتملة.
وفي هذا السياق، وجه النائب البرلماني محمود عبا، من الفريق الاشتراكي المعارض، سؤالا مكتوباً إلى وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، استفسر فيه عن دوافع الحكومة لمواصلة استيراد النفايات، رغم أن بعضها قد يكون غير آمن وخطيراً على البيئة والصحة العامة. وحسب ما أوردته صحيفة “الصباح” المغربية، في عددها ليوم أمس الجمعة، فقد أشار النائب إلى أن عملية الاستيراد تتم في ظل غياب معطيات دقيقة توضح طبيعة النفايات المستوردة ومدى تأثيرها، مضيفًا أن الحكومة لم تقدّم أدلة تثبت أنها لا تشكل أي تهديد بيئي.
وأكد البرلماني نفسه أن الخطورة في هذه العملية تكمن في الغموض الذي يحيط بها، حيث يجري استيراد النفايات دون تقديم شروحات واضحة للرأي العام حول طبيعتها ومدى تأثيرها على البيئة وحتى على الصحة العامة. واعتبر أن استمرار هذه السياسة يعكس مشكلة حقيقية مرتبطة بعدم استغلال النفايات المحلية، في ظل ضعف ملحوظ في تطوير صناعة التدوير، إذ يتم طمر معظم النفايات دون إعادة تدويرها، ما ينعكس سلبًا على المنظومة البيئية بشكل عام.
ووفقًا لبيانات مكتب الإحصاء الأوروبي، تلقى المغرب حوالي 0.8 مليون طن سنة 2022 من النفايات الأوروبية، وتشمل هذه النفايات مواد غير خطرة، حسب بيان منشور في موقع وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة. وتُستخدم تلك النفايات في عمليات التدوير والتثمين الصناعي، مثل العجلات المطاطية المستعملة التي تُستغل كوقود بديل في مصانع الإسمنت، ما يساهم في تقليل استهلاك الطاقة التقليدية.
وتُشير المعطيات إلى أن المغرب استورد آلاف الأطنان من النفايات من مناطق التسريع الصناعي خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2023. كما قدّمت الرباط طلبًا رسميًا للانضمام إلى قائمة الدول المؤهلة لاستيراد النفايات من الاتحاد الأوروبي، في سياق إعداد أوروبا للائحة جديدة لشحنات النفايات.
وحسب مصدر رسمي، فإن المغرب يُركّز على الاستيراد من الدول الأوروبية التي تتميز بجودة عالية في أنظمة ووسائل فرز ومعالجة النفايات، ما يضمن الحصول على مواد ليس لها تأثير مضر بالبيئة والصحة العامة. ومع ذلك، يثير هذا الموضوع باستمرار جدلاً واسعًا في المغرب، حيث يعبّر نشطاء بيئيون وبرلمانيون ومسؤولون سياسيون عن مخاوفهم من التأثيرات البيئية والصحية المحتملة، مطالبين بوقف استيراد هذه النفايات وتقديم توضيحات من الجهات المعنية.
وردًا على هذه المخاوف، سبق لوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة أن أوضحت بأن استيراد النفايات غير الخطرة مؤطر ببنود اتفاقية “بازل” المتعلقة بنقل النفايات عبر الحدود، ومقنن وفق النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، ولا سيما القانون رقم 00-28 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها. بالإضافة إلى ذلك، أوضحت الوزارة أن استيراد هذه النفايات يهدف إلى دعم الاقتصاد الدائري وتلبية حاجيات الصناعة المحلية، مع التأكيد على أن هذه العملية تتم وفق معايير بيئية صارمة لضمان عدم تأثيرها السلبي على البيئة والصحة العامة.
وتفجرت هذه القضية منذ ثماني سنوات، حينما حذر محمد زيان الأمين العام السابق للحزب الليبرالي المغربي، من “نفايات نووية إسرائيلية قد تكون دخلت المغرب، وقال إن هذه النفايات تحمل مواد سامة. وأدلى بتصريحات صحافية حول النفايات الإيطالية التي أوقفتها الحكومة السابقة، قائلاً إن هناك احتمالاً لوجود نفايات نووية خطيرة دخلت من إسرائيل للمغرب، وإن النفايات تحمل مواد سامة تم دعمها من نفايات نووية إسرائيلية، وفق قوله؛ ما جعل المحامي إسحاق شارية يعتبر أن تصريحات وزير حقوق الإنسان السابق ونقيب المحامين سابقاً، تتطلب فتح تحقيق عاجل لاطلاع المغاربة على حقيقة ما قاله زيان، كما طالب بفتح تحقيق علمي وقضائي حول ما تتضمنه النفايات التي دخلت للمغرب.
ويظل موضوع استيراد النفايات في المغرب قضية جدلية بين الجهات الرسمية التي تؤكد على فوائدها الاقتصادية والبيئية، والنشطاء البيئيين الذين يعبرون عن مخاوفهم من التأثيرات المحتملة على البيئة والصحة العامة. ويرى منتقدو هذا التوجه أن المغرب قد يكون في وضع غير ملائم لاعتماد سياسة استيراد النفايات في غياب صناعة تدوير متطورة قادرة على معالجتها بشكل فعال، مشيرين إلى أن هذه العملية قد تتسبب في مضاعفة التحديات البيئية، عوض أن تشكل حلًا مستدامًا. وبالنظر إلى تصاعد الانتقادات، أصبح من الضروري ـ وفق مراقبين ـ أن تقدّم الحكومة توضيحات أكثر شفافية حول هذه السياسة، خصوصًا في ظل تزايد الوعي البيئي لدى الرأي العام والمطالب المتزايدة بضرورة تعزيز الحوكمة البيئية وتحقيق الاستدامة في تدبير النفايات.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن المغرب عبر موقع أفريقيا برس





