كيف تؤثر حرب إيران على اقتصاد المغرب؟

1
كيف تؤثر حرب إيران على اقتصاد المغرب؟
كيف تؤثر حرب إيران على اقتصاد المغرب؟

يوسف لخضر، كاتب مغربي

أفريقيا برس – المغرب. مع دخول حرب إيران شهرها الثاني واستمرار التوتر بين طهران وواشنطن، بدأت تداعياتها تظهر بوضوح على الاقتصاد المغربي، خاصة عبر ارتفاع أسعار الوقود، ما يفرض ضغوطاً مباشرة على معدلات التضخم والقدرة الشرائية، ويفتح الباب أمام تحديات أوسع على مستوى النمو والتوازنات المالية.

بُنيت ميزانية 2026 على فرضية أن متوسط سعر النفط يبلغ 65 دولاراً للبرميل، في حين تدور الأسعار حالياً قرب 100 دولار، ما يفاقم الفجوة بين التقديرات والواقع. كما أن اعتماد المغرب الكامل على استيراد المواد البترولية يزيد من تعرضه للصدمات الخارجية.

تسللت هذه الارتفاعات سريعاً إلى جيوب المواطنين عبر ارتفاع أسعار الوقود ثم الخضراوات والفواكه، رغم عودة الأمطار بعد 6 سنوات من الجفاف، وكان يُفترض أن ينعكس إيجاباً على الأسعار المحلية.

تتقاطع تقديرات خبراء وتقارير مؤسسات مالية دولية لتؤكد أن الأثر على اقتصاد المغرب مستمر، رغم البعد الجغرافي عن منطقة الصراع، وذلك مع استمرار انتقال الصدمة عبر قنوات الأسعار والطلب الداخلي والمالية العمومية.

التضخم محرك رئيسي للصدمة الاقتصادية

فرانسوا كونرادي، كبير الاقتصاديين السياسيين في “أكسفورد إيكونوميكس أفريكا”، اعتبر أن القناة الأساسية لانتقال تأثير الحرب إلى الاقتصاد المغربي تمر عبر التضخم، في ظل الزيادات المُسجلة في أسعار الوقود، حيث ارتفع سعر الديزل بنسبة 18% والبنزين بنسبة 12% إلى حدود 16 مارس، مع احتمال زيادات إضافية إذا استمرت أسعار النفط مرتفعة.

وتخضع أسعار الوقود في المغرب لآلية السوق منذ تحريرها عام 2015، إذ تقوم شركات التوزيع بتحديد الأسعار وفق السوق الدولية كل 15 يوماً، وقد بلغت متوسط الزيادة الإجمالية منذ بداية الحرب 30% حتى نهاية مارس.

وقال كونرادي إن ارتفاع تكاليف النقل ستنعكس مُباشرةً على أسعار السلع والخدمات، ما سيؤدي إلى تقليص إنفاق الأسر المغربية والتأثير على وتيرة النمو، مُشيراً إلى أن انعكاسات ذلك على النمو ستظهر بوتيرة أبطأ مُقارنةً بالتضخم. وتوقع أن يسجل التضخم مستويات أعلى في مارس مُقارنةً بفبراير.

نمو قوي… لكن تحت الضغط

ورغم ذلك، رفع صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو الاقتصاد المغربي إلى 4.9%، بزيادة 0.7 نقطة مئوية عن توقعاته في يناير، ما يجعل المملكة من بين الأسرع نمواً بين دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والتي شهدت أغلبها مراجعات نحو الخفض بسبب تدعيات حرب إيران.

تستهدف الحكومة تحقيق نمو عند 5.2% هذا العام، مدعوماً بانتعاش القطاع الزراعي، مُقارنةً بتوقع أولي عند 4.6% في الميزانية.

غير أن هذا المسار يظل محفوفاً بالمخاطر، إذ يشير الخبير يوسف كراوي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، في حديث لـ”الشرق”، إلى أن الارتفاع السريع في أسعار الوقود سينعكس مُباشرةً على التضخم وكلفة الإنتاج والنقل، ما يضغط على مختلف القطاعات الاقتصادية.

وحتى فبراير، وقبل اندلاع الحرب، كانت أسعار المستهلكين قد سجلت تراجعاً بنسبة 0.6% للشهر الرابع على التوالي، مدفوعة بانخفاض أسعار المواد الغذائية، في حين يُنتظر أن تكشف بيانات مارس عن أولى تداعيات الحرب على الأسعار.

تفاقم عجز الميزان التجاري

إلى جانب التضخم، يُتوقع أن تمتد تداعيات الحرب إلى التوازنات الخارجية، إذ سيؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة كلفة واردات الوقود، ما يوسع عجز الميزان التجاري، خاصة في ظل اعتماد المغرب الكبير على الاستيراد منذ إغلاق مصفاة “سامير” في 2015.

وخلال العام الماضي، بلغ العجز التجاري مستوى قياسي بأكثر من 38 مليار دولار، بارتفاع 15.8% على أساس سنوي، فيما تجاوزت واردات الطاقة 11 مليار دولار.

كما قد تتأثر صادرات الأسمدة نتيجة نقص مادة الكبريت التي تستخدمها مجموعة “OCP”، والتي تدير أكبر احتياطي للفوسفات عالمياً في المملكة. يُعتبر الفوسفات ومشتقاته من أكبر صادرات البلاد، ما يضيف ضغوطاً إضافية على الميزان التجاري، بحسب كونرادي.

تتجه المجموعة المملوكة للدولة إلى خفض إنتاجها من مُغذيات التربة بنحو 30% في الربع الثاني، بسبب أعمال صيانة مبكرة، في وقت تشهد فيه سلاسل الإمداد العالمية اضطرابات ما يعرقل الحصول على مدخلات عدة في عمليات معالجة الفوسفات.

تتعرض الشركة الحكومية لتقلبات أسعار الأمونيا وحمض الكبريتيك، وهما مادتان أساسيتان في صناعة الأسمدة، تأثرت إمداداتهما بشدة نتيجة الاضطرابات في مضيق هرمز. وقد تضاعفت واردات المغرب من حمض الكبريت تقريباً إلى 1.6 مليار دولار في 2025.

الدعم الحكومي للمواد الأساسية

على صعيد المالية العمومية، تبرز كلفة الدعم كأحد أبرز التحديات، إذ أعادت الحكومة تفعيل دعم مهنيي النقل، إلى جانب استمرار دعم غاز البوتان والكهرباء عبر صندوق يسمى المقاصة، بتكلفة تُقدّر بنحو 170 مليون دولار شهرياً، بحسب فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية خلال مؤتمر صحفي بداية الشهر الجاري.

لكن كونرادي يرى أن فعالية هذا الدعم في الحد من التضخم تبقى محل نقاش، في ظل تسجيل معدلات تضخم بلغت 6.6% في 2022 و6.1% في 2023، رغم تطبيق دعم مماثل خلال تلك الفترة.

وتتوقع “أكسفورد إيكونوميكس أفريكا” استمرار دعم مواد الدقيق والسكر وغاز الطهي، مع الحفاظ على ربط الدرهم بسلة من الدولار واليورو على المدى المتوسط، رغم دعوات صندوق النقد لمزيد من التحرير.

خلال العام الماضي، تجاوزت كلفة دعم هذه المواد 1.7 مليار دولار، بانخفاض 30% على أساس سنوي، مستفيدةً من تراجع أسعار غاز البوتان المستعمل في المنازل.

ومع إضافة دعم النقل، يُتوقع أن ترتفع نفقات صندوق المقاصة، ما يضغط على هوامش الميزانية ويُهدد العجز المستهدف عند 3% من الناتج المحلي.

تشير تقديرات وحدة الأبحاث التابعة لـ”بنك أفريقيا” فإن استمرار النفط فوق 100 دولار قد يرفع عجز الميزانية بـ0.4 نقطة مئوية، ويدفع التضخم إلى ما بين 3% و4%، مع تقليص النمو بنحو نقطة مئوية.

كما تؤكد تقديرات البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أن المغرب، بصفته مستورداً صافياً للطاقة، يظل شديد الحساسية لتقلبات أسعار النفط والغاز، حيث يتراوح عجز الميزان الطاقي بين 5% و11% من الناتج المحلي.

خطر الركود التضخمي يلوح في الأفق

في ظل هذه المعطيات، يحذر الخبير يوسف كراوي من سيناريو أكثر تعقيداً يتمثل في الركود التضخمي، حيث يتزامن ارتفاع الأسعار مع تباطؤ النمو، ما يُشكل تحدياً كبيراً للسياسات الاقتصادية.

وتستهدف الحكومة حصر متوسط التضخم عند 2% حتى نهاية العقد، بعد أن سجل 0.8% العام الماضي.

ويؤكد كراوي أن ارتفاع تكاليف الطاقة لا يقتصر على المستهلكين، بل يمتد إلى الشركات، ما يقلص هوامش الربح ويؤثر على الاستثمار والتشغيل.

وعلى المدى المتوسط، يرى كونرادي أن تأثير الحرب سيمتد أيضاً عبر الاقتصاد الأوروبي، الشريك التجاري الأول للمغرب، إذ قد يؤدي تباطؤه إلى تراجع الطلب على الصادرات المغربية.

فرص كامنة رغم الضغوط

رغم هذه التحديات، تبرز بعض الفرص، إذ قد تعزز اضطرابات سلاسل الإمداد جاذبية المغرب كمركز صناعي قريب من أوروبا وأميركا، في ظل توجه الشركات نحو تقليص المخاطر اللوجستية.

كما قد يستفيد القطاع السياحي من تحول التدفقات نحو وجهات أكثر استقراراً، بعد أن استقبل المغرب 20 مليون سائح العام الماضي، محافظاً على صدارته الأفريقية. قال كونرادي: “سيجذب المغرب السياح كبديل لوجهات في الشرق الأوسط أو تلك الموجودة في الشرق الأقصى والتي تكون أرخص الرحلات الجوية إليها عبر محاور في الخليج”.

وفي مواجهة هذه التطورات، تبقى خيارات التمويل الخارجي مطروحة، إذ أشار محافظ بنك المغرب المركزي إلى إمكانية اللجوء إلى خط ائتمان مرن من صندوق النقد الدولي بقيمة 4.5 مليار دولار، في حال تجاوزت أسعار النفط 120 دولاراً للبرميل.