تاريخ: عندما لجأ حزب الاستقلال إلى المعتقلات السرية لإسكات أصوات خصومه

5
تاريخ: عندما لجأ حزب الاستقلال إلى المعتقلات السرية لإسكات أصوات خصومه
تاريخ: عندما لجأ حزب الاستقلال إلى المعتقلات السرية لإسكات أصوات خصومه

افريقيا برسالمغرب. في البدايات الأولى للاستقلال المغرب، وجد حزب الاستقلال نفسه محاطا بمجموعة من الأحزاب التي لا يمكنه تجاوزها وذلك لعدة اعتبارات تاريخية، لذلك حاول إدماج بعضها في صفوفه، وهكذا نجح في ضم حزب الإصلاح الوطني سنة 1956، و لم يكن حزب علال الفاسي قادرا على إقناع جميع الأحزاب الأخرى بـ “الذوبان” فيه، فاستقر رأيه على مناهضتها ومن أبرزها حزب الشورى والاستقلال الذي شكل القوة الوحيدة المنافسة له.

يؤكد المؤرخ عبد الهادي بوطالب في كتابه “نصف قرن في السياسة” أن الخلاف بين حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال كان أكبر من أن يتم تطويقه في مجرد حقائب وزارية، حيث ظل التوتر سيد الموقف ومخيما على العلاقة بين أكبر مكونين سياسيين في ذاك الوقت.

وأضاف أن ما كرس هذا التوتر هو تنامي الأصوات في صفوف المقاومة الوطنية وأعضاء جيش التحرير وكذا من الشورى والاستقلال، الرافضة لمعاهدة “إيكس ليبان”، التي اتهم فيها هؤلاء حزب الاستقلال بالإقدام على إبرامها مع المستعمر الفرنسي للحصول على استقلال ناقص يخول للاستقلاليين امتيازات ومكاسب، مما أدى إلى بروز جناح راديكالي.

أقدمت ميليشيات تابعة لهذا الجناح، يوم 31 مارس سنة 1956، على تصفية العديد من القياديين في التنظيمات المعارضة لحزب الاستقلال، وتنقل الروايات بحسب ما يحكي عبد الهادي بوطالب أن أحد الأشخاص يسمى عمر الإدريسي قتل رمياً بالرصاص رغم عدم تعاطيه لأي نشاط سياسي، وكان قد صُفيَ خطأ مكان المستهدف الحقيقي وهو الدكتور عبد الهادي مسواك، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي المغربي.

واستمرت الصراعات التي اتخذت أبعادا مختلفة، في ربيع سنة 1956، حين أقدم أعضاء من حزب الشورى والاستقلال، المتحالفون مع منظمة “الهلال الأسود”، على تنفيذ عدّة اغتيالات وتصفيات استهدفت عناصر من حزب الاستقلال في مدينة أزيلال، ومثلوا بالجثث بعدما علقوها على جذوع الأشجار، ولم يتأخر رد حزب الاستقلال على هذه العملية كثيرا، حيث أقدم محسوبون عليه في تاسع ماي من سنة 1956، على اغتيال عبد الواحد العراقي، كاتب فرع حزب الشورى والاستقلال بمدينة فاس وممثل العلماء في استشارات “إيكس ليبان”، والسبب كان هو دعوته عبر أمواج الإذاعة الوطنية إلى حل جيش التحرير.

حزب الاستقلال والمعتقلات السرية

وفي كتاب “دار بريشة أو قصة مختطف”، يقدم صاحبه المهدي المومني التجكاني العضو في حزب الشورى والاستقلال، شهادة حول ما تعرض له عبد السلام الطود القيادي في حزب الشورى والاستقلال، مشيرا إلى أنه بدأت عملية جلده بواسطة الحبال المفتولة المبللة بالماء والملح من الساعة التاسعة مساء إلى السادسة صباحا، كما أن القائمون على المعتقل كانوا يقومون بإحضار إبراهيم الوزاني القيادي بنفس الحزب ليرى زميله الطود يتعذب وكان هذا نوعا من العذاب النفسي له.

وقد شكل معتقل “دار بريشة” الذي يقع بمدينة تطوان إحدى النقط السوداء في هذه المرحلة من تاريخ المغرب السياسي، حيث مورست فيها شتى أنواع التعذيب في حق الذين كانوا يختلفون في آرائهم وتصوراتهم مع حزب الاستقلال الطامح للهيمنة على الحكم والاستفراد به عن طريق “الحزب الوحيد”.

وتعتبر دار بريشة معتقلا سابقا، وهو من أقدم المعتقلات بالمغرب المستقل، ويقع بمنطقة تسمى ظهر المحنش بتطوان، هذا المعتقل مورست فيه أبشع أنواع التعذيب والجرائم . فدار بريشة هي نموذج من بين مجموعة من النماذج الأخرى لمعتقلات بشمال المغرب ومن بينها دار القائد المفضل الزروالي بمدينة شفشاون، ودار الريسوني بتطوان، ودار الخمال بتطوان…، لكن المعلومات حول هذا المعتقل نادرة جدا فأي محاولة لاستقصاء أخباره لاتتعدى الاعتماد على الروايات الشفوية.

وعن أشكال التعذيب بمعتقل دار بريشة تحدث التجكاني في كتابه “دار بريشة أو قصة مختطف” قائلا “كان التعذيب في دار بريشة فنونا وألوانا، من أهم ألوان التعذيب، بالنسبة للداخل الجديد، أنه يدخل إلى محل هناك خارج باب الدار،كان عند صاحبها فيما قبل اصطبلا للماشية، أو مخزنا للحبوب، أو غير ذلك، وعلى كل فإن اسم المكان عرف بيننا نحن السجناء ب “كورنة ” أي المجزرة، ووجه الشبه بين المجزرة الحقيقية، و” كورنة ” دار بريشة في صفتها الحالية، الذبح والسلخ في كل ما يقول البلاغيون”.

كان الوافد الجديد، بحسب ما يحكي التجكاني أو المعتقل يدخل إلى هذا المحل فيجرد من ملابسه كلها، ويمدد على كرسي خشبي طويل مجردا من ثيابه، فيربط بحبل مع الكرسي من أخمص قدميه إلى عنقه ربطا محكما حتى لا يتحرك إلا إذا كان قويا فيتحرك معه الكرسي ليسقطا معا على أرضية المكان الملطخة ببراز المعذبين ودمائهم ليتلقى الضرب المبرح بالحبال المفتولة التي كانت تبلل بالماء المملح ليزداد مفعول الألم حدة وشدة.

وثاني العمليات، تتمثل بحسب نفس المصدر في برميل كبير وضع في زاوية من زوايا المكان، كان يملأ إلى ثلثيه بولا وغائطا وماء، ومفاعيل كيماوية أخرى كالصابون وجافيل، ثم يخلط الجميع ويحرك حتى يصير خليطا كيماويا واحدا، ثم يحل رباط المستنطق من كرسي تعذيبه ويوثق مرة أخرى بين سواعد المعذبين المفتولة من رجليه، فيغمس في البرميل من جهة الرأس إلى حزامه ويترك لمدة “كالغريق المسلم نفسه إلى مياه البحر، لتدخل كيف شاءت إلى أعماقه وأحشائه.

إضافة إلى هذا تحدث التجكاني عن عمليات الاستنطاق التي كانت تتم عن طريق التيار الكهربائي، حيث يؤخذ التيار الكهربائي مباشرة من أسلاك الشبكة الموجودة، ويوضع علىالأعضاء الحساسة في الجسم، خصوصا تحت الإبطين، وفي العضو التناسلي للشخص المستنطق، وبحسبه فإن هذه العملية كانت الأكثر تأثيرا على كيان الجسم بأجمعه، مشيرا إلى أن كل هذه العمليات، تكون مصحوبة بكلمة “قل”.

وكانت هذه الصور مجرد جزء من أنماط التعذيب التي عانى منها المعتقلون بدار بريشة، والتي جاءت بين صفحات كتاب “دار بريشة أو قصة مختطف” وهي شهادة لصاحب الكتاب الذي عاش تجربة الاعتقال بنفس الدار وعانى ويلات التعذيب.

عموما فإن دخول الأحزاب السياسية المغربية في دوامة الصراع على السلطة فيما بينها بدء بين الاستقلاليين والشوريين، هذا الصراع الذي لم يضع أوزاره إلا عندما بدأ صراع آخر بين أعضاء حزب الاستقلال فيما بينهم وتحديدا بين الجناح “التقليدي” بقيادة علال الفاسي والجناح “الحداثي” بقيادة المهدي بن بركة، هذا الجناح الذي سيؤسس بعد انشقاقه حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959 لينتقل بذلك الصراع بين حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، وسيستمر الحال كذلك إلى منتصف السبعينات حيث ستعرف الأحزاب السياسية التلاقي الموضوعي بينها وبين القصر حول مسألة الوحدة الترابية، والتي ستخلق سياقا جديدا يرفض منطق المواجهة ويتبنى منطق التوافق باسم الاجماع الوطني حول استكمال الوحدة الترابية للبلاد.