أفريقيا برس – المغرب. مع استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، شهدت مدن مغربية موجة جديدة من التظاهرات والوقفات الاحتجاجية، حيث خرج المواطنون للتعبير عن رفضهم للجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين، مطالبين بوقف المجازر وإنهاء الحصار المفروض على القطاع.
وفي مدينة زايو (شمال شرق البلاد)، نظمت «الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة» مسيرة حاشدة عقب صلاة التراويح، مساء الإثنين، انطلقت من أحد المساجد، بمشاركة العشرات من المواطنين الذين رفعوا شعارات غاضبة تندد بالتجويع والتهجير والتقتيل الذي يتعرض له سكان غزة. وردّد المحتجون هتافات تدعو إلى مقاطعة إسرائيل، ورفعوا لافتات تشجب السياسات العربية التي «تتواطأ مع الاحتلال»، على حد تعبيرهم. كما طالبوا بإنهاء اتفاقية التطبيع بين المغرب وإسرائيل، التي جرى توقيعها في إطار الاتفاق الثلاثي الذي شمل أيضًا اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء.
وخلال كلمة ألقاها أحد ممثلي الهيئة المنظمة، أكد على الموقف الثابت في دعم القضية الفلسطينية، مطالبًا بفتح المعابر ووقف العدوان والتصدي لمحاولات تصفية المقاومة الفلسطينية. كما انتقد «تخاذل الأنظمة العربية»، معتبرًا أن بعض الحكومات تلعب دور «الوسيط» بينما الفلسطينيون يواجهون آلة القتل الإسرائيلية وحدهم.
في سياق آخر، عبّر المكتب الوطني لنقابة «الجامعة الوطنية لقطاع الفوسفات» عن تضامنه الكامل مع الشعب الفلسطيني في بيان أصدره عقب اجتماع له، حيث أدان بشدة استمرار الجرائم الإسرائيلية، مؤكدًا أن الاحتلال يرتكب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين الفلسطينيين في ظل صمت المجتمع الدولي.
وأشار البيان إلى أن المكتب النقابي، المنضوي تحت لواء «الاتحاد الوطني للشغل»، يدعم بشكل مطلق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. كما دعا إلى تحرك عربي ودولي عاجل لوقف المجازر وإنهاء الحصار المفروض على غزة منذ سنوات.
بدوره، تطرّق محمد حامي الدين، الأستاذ في كلية العلوم القانونية في جامعة عبد المالك السعدي بمدينة طنجة، إلى أبرز التطورات، مشيرًا إلى أن «هذا الأسبوع سيحفر أخاديده في وعي الأمة»، في إشارة إلى التصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة.
وسلط الضوء في تدوينة جديدة على تصريحين وصفهما بالمهمّين؛ الأول لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي تحدث عن تشكيل «شرق أوسط جديد»، لكنه اعتبر أن العقبة الوحيدة أمام تحقيق هذا المخطط هي غزة. أما التصريح الثاني فجاء على لسان مسؤول أمريكي كبير عندما أشار إلى أن «حركة الشارع العربي قد تكون عاملًا حاسمًا في استمرار الهجوم الإسرائيلي أو وقفه»، ما يعني أن التظاهرات الشعبية قد تؤثر على قرارات القوى الدولية.
أما على مستوى الأحداث، فقد أشار حامي الدين إلى عمليتي اغتيال وصفهما بـ»المروعتين»، أولاهما استهدفت القيادي الفلسطيني صلاح البردويل وزوجته، أثناء صلاتهما داخل خيمة، وهو ما اعتبره دليلًا على أن الاحتلال «ينفّذ جرائمه دون أي اعتبار للقيم الإنسانية أو الدينية»، والعملية الثانية كانت قصف مستشفى ناصر، في انتهاك مزدوج لكل المواثيق الدولية، حيث استهدف الاحتلال إسماعيل برهوم داخل المستشفى، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين كُثر.
وأكد المحلل أن هذه الجرائم تثبت أن الاحتلال لا يعترف بأي قوانين دولية، وأنه مستمر في استخدام القوة المفرطة لإبادة الفلسطينيين دون أي رادع دولي حقيقي.
في تطور آخر، أصدرت المحكمة الابتدائية في مدينة خريبكة (120 كلم عن مدينة الدار البيضاء)، الإثنين، حكمًا بالسجن عامًا واحدًا على الناشط محمد البوستاتي، المنتمي لجماعة «العدل والإحسان» بعد إدانته بتهمة «التشهير» على خلفية تدوينات نشرها على «فيسبوك» حول الحرب في غزة اعتُبرت مسيئة لمؤسسات ورموز سعودية وتنطوي على تشهير. ووصف دفاع الناشط الحكمَ بـ»القاسي والمجانب للصواب»، معتبرًا أن مثل هذه القضايا يجب أن تُتابع وفق قانون الصحافة والنشر، الذي لا يتضمن عقوبات سجنية.
وعبّر المحامي محمد النويني الذي يرأس «الفضاء المغربي لحقوق الإنسان»، عن تضامنه المطلق مع المدوّن والمناهض للتطبيع البوستاتي، ووصفه بمعتقل الرأي، معتبراً اعتقاله تعسفياً. وفسر ذلك بأن الناشط المذكور لم يرتكب فعلاً إجرامياً ولم يهدد الأمن العام للبلد أو لبلد آخر، وإنما عبّر بتدوينة عن آراء سياسية لا علاقة لها بأمور شخصية تتعلق بأشخاص أو بمؤسسات.
وألحّ المحامي على ضرورة الالتزام بمقتضيات الفصل 25 من الدستور المغربي الذي يعتبر حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. كما دعا إلى احترام المواثيق الدولية التي وقع عليها المغرب، وخاصة الفصل 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي ينص على أن لكل إنسان الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس وتلقي ونقل المعلومات والأفكار من جميع الأنواع دونما اعتبار للحدود، سواء بالقول أو الكتابة أو بالطباعة أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها. ووجّه الناشط الحقوقي تحية إلى المواطنين المغاربة وكل أحرار العالم الذين ما فتئوا يعلنون عن تضامنهم المطلق مع القضية الفلسطينية. كما حيا الفلسطينيين الذين يواصلون المقاومة الباسلة من أجل تحرير أرضهم وتقرير مصيرهم بأنفسهم. واستنكر سلوك كل من يساهم في دعم الجرائم الإسرائيلية البشعة التي ترتكب في حق أبناء فلسطين.
وتأتي هذه التطورات وسط تصاعد الغضب الشعبي في المغرب، حيث تتواصل الاحتجاجات في مدن عدة بشكل يومي تقريبًا، مطالبة حكومة عزيز أخنوش باتخاذ موقف أكثر وضوحًا إزاء العدوان الإسرائيلي، والانسحاب من الاتفاقيات الموقعة مع تل أبيب. كما ترتفع الأصوات الداعية إلى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، والتصعيد في التظاهرات لإيصال رسالة واضحة بأن الشارع المغربي يقف بقوة مع القضية الفلسطينية.
في ظل هذه الأجواء المشحونة، يتساءل مراقبون: هل ستتخذ السلطات المغربية خطوات عملية استجابة لمطالب المحتجين، أم أن الوضع سيظلّ مرهونًا بالتوازنات السياسية والدبلوماسية التي تحكم علاقات المغرب الإقليمية والدولية؟
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن المغرب عبر موقع أفريقيا برس





