أفريقيا برس – المغرب. سجل تقرير جديد لرئاسة النيابة العامة في المغرب تراجعًا في المتابعات القضائية ضد الصحافيين، كما سلط الضوء على تطور وسائل الجريمة خاصة في المجال الرقمي، كاشفًا عن معطيات أخرى تتعلق بمحاربة الفساد المالي والتصدي لجرائم غسل الأموال، إلى جانب الجهود المبذولة في مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، والجريمة الإلكترونية.
وأبرز التقرير الذي تلقّت «القدس العربي» نسخة منه سياق السياسة الجنائية التي تنهجها النيابة العامة، والهادفة إلى تحقيق التوازن بين حماية الحقوق والحريات وضمان الأمن العام، وفقًا للمقتضيات الدستورية والقانونية.
وحسب التقرير الذي رصد الحالة القضائية المغربية في سنة 2023، فقد جرى تسجيل 21 متابعة قضائية ضد الصحافيين، وهو ما يمثل انخفاضًا بنسبة 53 في المئة مقارنة بسنة 2022، حيث بلغ عدد المتابعات حينها 45 ملفًا. واعتبرت النيابة العامة أن هذا التراجع يعكس سياسة ترشيد تحريك المتابعات في قضايا الصحافة والنشر، في إطار احترام حرية التعبير والضمانات الدستورية المكفولة للصحافيين.
وتوزعت المتابعات المسجلة على النحو التالي: 76 في المئة من القضايا جاءت بناءً على شكايات مباشرة تقدم بها أفراد أو مؤسسات، حيث تم تحريك الدعاوى وفقًا لأحكام القانون المتعلق بالصحافة والنشر، و24 في المئة من القضايا حركتها النيابة العامة تلقائيًا، ما يعكس تقليص تدخلها في قضايا الصحافة، باستثناء الحالات التي تفرض فيها بعض المقتضيات القانونية تحريك المتابعة.
وأشار التقرير إلى أن النيابة العامة وجّهت دوريات إلى مختلف المحاكم تدعو إلى عدم تحريك المتابعات القضائية ضد الصحافيين إلا في الحالات الاستثنائية، مع حث المشتكين على اللجوء إلى مسطرة الشكاية المباشرة أمام القضاء.
وشهد عام 2023 ارتفاعًا في عدد القضايا الرائجة أمام أقسام الجرائم المالية، حيث بلغ عددها 948 قضية، بزيادة قدرها 32 في المئة مقارنة بسنة 2022 التي سجلت 716 قضية فقط. وأوضح التقرير أن هذه الزيادة تعكس تصاعد الجهود التي تبذلها النيابة العامة والشرطة القضائية لملاحقة جرائم الفساد، والتي تشمل قضايا الرشوة والاختلاس وسوء تدبير المال العام وتبييض الأموال.
كما عرفت سنة 2023 إصدار أكبر عدد من الأحكام في قضايا غسل الأموال، حيث بلغ مجموع الأحكام الصادرة 134 حكمًا، مقارنة بـ 85 حكمًا فقط في سنة 2022. وأوضح التقرير أن غالبية المتابعين في هذه القضايا صدرت في حقهم أحكام بالسجن والغرامات المالية، فيما حصل البعض على البراءة.
وكشف التقرير الذي يقع في حوالي 500 صفحة، أن «الخط المباشر للتبليغ عن الرشوة» تلقى منذ إنشائه في أيار/ مايو 2018 وإلى نهاية 2023، ما مجموعه 77,507 مكالمة، تتوزع بين التبليغ عن جرائم الرشوة والفساد المالي، إلى جانب مكالمات أخرى تتعلق بمواضيع مختلفة. وقد مكّن هذا الخط من ضبط 299 شخصًا في حالة تلبس بجريمة الرشوة، حيث صدرت في أغلب هذه القضايا أحكام بالإدانة.
وسجلت سنة 2023 التي يشملها التقرير ما مجموعه 123 قضية مرتبطة بالإرهاب، بزيادة 13 قضية عن السنة التي قبلها. وتشير رئاسة النيابة العامة إلى أن أغلب المتابعات كانت بسبب الإشادة بالأعمال الإرهابية والتحريض على العنف أو محاولة استقطاب أفراد لأعمال متطرفة وتكوين عصابات إرهابية. وفيما يتعلق بالعقوبات، صدرت 68 عقوبة حبسية نافذة، إلى جانب حكمين بالسجن المؤبد، وحكم واحد بالإعدام.
وشهدت سنة 2023 ارتفاعًا في عدد القضايا المتعلقة بالجرائم الإلكترونية، التي تشمل المساس بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات، والمساس بالحياة الخاصة عبر الوسائل الرقمية.
وكانت الجريمة الأكثر انتشارًا ضمن هذا النوع هي نشر صور أو تسجيلات صوتية ومرئية لأشخاص دون موافقتهم.
على الصعيد السياسي، تتواصل عملية شد الحبل بين الفاعلين في المشهد الحقوقي من جمعيات ومنظمات، وبين السياسيين خاصة من أحزاب الأغلبية الحكومية التي عبّرت غير ما مرة عن ضيق صدرها من كثرة الانتقادات الموجهة إليها.
وفي رأي المحامي والحقوقي محمد الغلوسي، رئيس «الجمعية المغربية لحماية المال العام»، فإن «هناك اليوم نية وإرادة واضحة لتكميم الأفواه وتعميم القمع والمتابعات القضائية ضد بعض الصحافيين والحقوقيين والمدونين والمناهضين للتطبيع والفاضحين للفساد والرشوة ونهب المال العام».
ويوضح في تدوينة على «فيسبوك»، أن ذلك التوجه (يقصد المتابعات والقمع) بدأ بالتهديد والوعيد وانتهى إلى ترجمة ذلك على أرض الواقع بإقامة المحاكمات وإصدار أحكام قاسية في مواجهة المنتقدين والرافضين لواقع الفساد والغلاء والاحتكار»، وهو ما أعتبره المحامي يدخل في إطار «خطة استباقية لأي تحول نوعي يمكن أن يحصل على مستوى الوعي المجتمعي اتجاه القضايا العادلة».
وسجل مراقبون أن العلاقة بين المشهدين السياسي والحقوقي لم تكن سابقاً متوترة جداً أو ربما لم تصل إلى الحدة القصوى الحاصلة اليوم، إذ كان هناك تكامل بينهما، خاصة الأحزاب اليسارية، وحتى الحزب الإسلامي الوحيد «العدالة والتنمية» عند تدبيره للشأن العام طيلة عقد من الزمن لم تشهد ولايته صدامات كبيرة قضائية ضد حقوقيين أو صحافيين. لكن، في ظل الحكومة الحالية الثلاثية التحالف، «التجمع الوطني للأحرار» و»الأصالة والمعاصرة» و»الاستقلال»، بات الوضع مختلفًا.
لذلك، يؤكد الغلوسي، في التدوينة ذاتها، «أن ذلك التوجه الذي بات اليوم يعبّر عن نفسه سياسيًا وبكل وضوح ويجد له امتدادات في مؤسسات الدولة ومجالات مجتمعية مختلفة، هو نفسه المستفيد من واقع الفساد والريع والثروة وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع ويقاوم كل المبادرات والمشاريع والأفكار التي من شأنها أن تدفع في اتجاه تعميق الإصلاحات وتحقيق تحول ديمقراطي حقيقي».
هذا التوجه يشدد المحامي على أنه «دافع بقوة من أجل منع الجمعيات من التقدم بشكايات ضد ناهبي المال العام، بل والأخطر من ذلك أن نفوذه وتغوله امتد إلى النيابة العامة ومنعها من تحريك الأبحاث والمتابعات القضائية (وفق ما جاء في مشروع المسطرة الجنائية)، وهو نفسه الذي هاجم الهيئة الوطنية للنزاهة وسفّه عملها ومنتجها، والتفّ على تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وانقلب في سابقة خطيرة على الدستور من خلال ضرب الفصل 36 منه وأمعن في استغلال مواقع السلطة والنفوذ والامتياز لخدمة مصالحه الاقتصادية والتفاوض مع الادارة من موقع رئاستها لتمرير الصفقات لنفسه وشبكاته».
وأوضح الحقوقي نفسه أن هذا التوجه «جعلنا نستفيق على تورط شخصيات سياسية في شبكات الاتجار الدولي في المخدرات وسرقة المال العام واستغلال السلطة لمراكمة الثروة»، قاصدًا بذلك محاكمة قياديين ومنتخبين من أحزاب الأغلبية في قضايا مثل «إسكوبار الصحراء» وغيرها من الملفات المطروحة على القضاء حاليًا.
وتأسف الغلوسي على كون «المجتمع برمته وجد نفسه مجبرًا على تحمل تكلفة هذا التوجه سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وهكذا فإنه يؤدي فاتورة الغلاء والاحتكار والفساد والنهب دون أن يكون له الحق في إعلاء صوته». وأضاف أن «ضحايا زلزال الأطلس الكبير وجدوا أنفسهم يواجهون قساوة المناخ والطبيعة والتضاريس والفقر والإهمال والبطالة والمبيت في الخيام البلاستيكية وأيضًا مواجهة الأحكام القضائية القاسية».
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن المغرب عبر موقع أفريقيا برس





