
امحمد/ البخارى
أفريقيا برس – الصحراء الغربية. نتطرق في بداية هذا المقال إلي الابعاد التاريخية لأزمة النظام العالمي بما له علاقة بالتفاوت أو الفجوة الحاصلة بين محتوى نصوص المعاهدات و المواثيق من جهة و سلوكات أشخاص القانون الدولي من جهة ثانية لنتعرف علي اسباب الخلل في العلاقات الدولية و نستخلص تباعا لذلك مدي إنعكاسات هذا الموضوع علي النزاع بين الجمهورية الصحراوية و المحتل المغربي و علي مسار تصفية الإستعمار من الصحراء الغربية.
أولا: وحدة المتناقضات علي الصعيد العالمي و لعبة المصالح.
يجب الإشارة في البداية إلي أن العلاقات الدولية المعاصرة هي نتاج لتراكم الكثير من التجارب و النظريات المترتبة عن العلاقات بين الشعوب و الأمم و التي عرفت فترات ميزتها الحروب تارة و ازمنة سلام و تعاون تارات اخري.
(Paix et guerre entre les nations. Raymond Aron.1962 Rééd. Calman Levy. Coll “Liberté de l’esprit” 2021
و يمكن إعتبار أن أسس النظام العالمي الحالي مبنية، من الناحية النظرية، علي معاهدات و إتفاقيات اهمها ميثاق الأمم المتحدة المصادق عليه خلال مؤتمر سان فرانسيسكو ( 25 ماي – أيار – 26 يونيو 1945) كما انها أيضا مستمدة، من الناحية الواقعية و الجيوسياسية، من التوافقات و التوازنات و التفاهمات التي توصل إليها قبل ذلك قادة دول الحلف الثلاثة المنتصرة في الحرب العالمية الثانية( الولايات المتحدة الامريكية، الإتحاد السوفياتي و المملكة المتحدة) و هذا بعد لقاءات ثلاثية أو ثنائية علي مدار سنوات الحرب إنتهت بإنعقاد مؤتمر يالطا (في شبه جزيرة القرم) المنعقد من 4 إلي 11 فبراير 1945.
Conférence de Yalta, انظر historiasiglo20.org
جاء قيام منظمة الأمم المتحدة للمحافظة علي السلم و الأمن الدوليين بهدف التعاون و التعايش علي أساس مساواة حقوق الشعوب و حقها في تقرير المصير طبقا لمبادئ القانون الدولي و القانون الدولي الإنساني.( انظر l’organisation mondiale de Michel Virally,RFSP-1974)
بروز الأمم المتحدة إلي الوجود علي انقاض عصبة الأمم ( 1920-1946) يعود إلى فشل الأخيرة في تحقيق التعاون و السلم و الأمن الدوليين و في لعب دور الوسيط لحل النزاعات بين الدول علي أساس القانون الدولي باعتباره القاعدة التي تحدد سلوك الدول تماشيا مع إلتزامها الصارم بمبادئ العدالة و بإحترام تعهداتها و هي جميعها الأهداف التي حددها ميثاق العصبة الموقع عليه يوم 28 يونيو 1919 ضمن معاهدة فيرساي للسلام تحت إسم: “عهد عصبة الأمم” و هذا في اعقاب الحرب العالمية الاولى ( 1914-1918).
إن اسباب تجاوز عصبة الأمم تتكرر اليوم في المظاهر المختلفة لعجز الأمم المتحدة عن تلبية و تحقيق الأهداف التي قامت علي أساسها لأنها اصبحت رهينة اغراض و رغبات بعض القوى العظمى التي توجهها طبقا لمصالحها.
فإذا كان الحلفاء قد انتصروا على دول المحور و قضوا علي النازية و الفاشية و اتفقوا تقريبا علي توزيع مناطق النفوذ و اقتسموا السلطة بينهم عبر تملكهم لحق الفيتو فإنهم لم يتجاوزوا التناقضات التي ميزت النظرة الخاصة لكل منهم حول ما يجب ان يكون عليه العالم بعد الحرب الشيء الذي ظهر مباشرة بعد قيام الأمم المتحدة مع بروز الاحلاف العسكرية بدءا من حلف الشمال الاطلسي( 4 ابريل – نيسان 1949) و ظهور حلف وارسو( 14 ماي 1955) كردة فعل من لدن الإتحاد السوفياتي و حلفائه علي ذلك.
ثانيا: سياسة الأحلاف العسكرية و الصراع علي مناطق النفوذ و تأثير ذلك علي وجود عالم ينعم بالسلم و الإستقرار.
الصراع المحموم بين الشرق و الغرب خلق جوا من التنافس السلبي تخللته مواجهات و حروب بالوكالة في عدة مناطق من العالم كما عرف فترات هدنة لم تعمر طويلا بسبب نزعة الهيمنة لدي القوي الكبري.
امتلاك السلاح النووي و اسلحة الدمار الشامل من قبل تلك الدول كان و لا يزال يشكل أحد العناصر الرئيسية للهيمنة لدي البعض من القوي العالمية و أثر بشكل كبير علي مسار العلاقات الدولية و علي حالة السلم و الأمن الدوليين و خلق توترا دائما عرف تحت إسم الحرب الباردة.
La Guerre froide (1945-1989. Cvce.eu)
كان لمبادرة عدد من دول الجنوب المستقلة انشاء حركة بلدان عدم الانحياز و الدعوة إلي إحلال السلام علي أساس مبادئ التعايش السلمي التي جسدها نداء مؤتمر باندونغ سنة 1955، كان لها أثر هام في تلك الفترة بحيث انها ساهمت في خفض حدة المواجهات بين المعسكرين و شكلت سندا حقيقيا و فعالا لنصرة ثورات التحرر ضد الإستعمار و الابارتايد التي شهدها العديد من بقاع العالم.
(انظر Les 10 principes de la conférence de Bandung, 24 Avril 1955, Alternatives Pyrénées)
عملت حركة بلدان عدم الانحياز علي استقطاب دول الجنوب و استطاعت ان تفرض لحد ما التشبث بالمبادئ المعلن عنها في ميثاق الأمم المتحدة و طالبت بصفة دائمة بإقامة نظام عالمي عادل و خال من الإستعمار و الاستغلال.
Mohamed Bedjaoui- Non-alignement et droit international. BRILL.com.
Recueil des cours. tome/volume 151.
إن مظاهر أزمة النظام العالمي اليوم و عجز الأمم المتحدة عن التمسك بمبادئها و تنفيذ قراراتها يكاد يجعلها متجاوزة و في وضع مماثل تماما لما كانت عليه عصبة الأمم قبيل اندلاع الحرب العالمية الاولى.
سقوط حائط برلين و تفكك المعسكر الشرقي شجع حلف الناتو علي التمدد نحو أوروبا الشرقية إلي أن وصل إلي ابواب موسكو.
إنضمام دول شرق أوروبا إلي حلف الناتو و دخولها في الإتحاد الأوروبي خلق وضعا مناقضا لنتائج مؤتمر يالطا و اعتبر هزيمة لروسيا و نهاية للنظام الإشتراكي و إعلانا لإنتصار النظام الرأسمالي.
ظهرت للوجود تكهنات و تنبؤات محتفية بما اعتبر عالميا أنه إنتصار للنظام الرأسمالي و للديمقراطية الليبيرالية.
و سارعت العواصم الغربية إلي الترويج لنمط الحياة الغربي و ظهرت مراكز و دراسات تبشر بالعولمة التي تعني اعتماد النمط المذكور في الإقتصاد و السياسة و الثقافة. و ذهب المحافظون الجدد في الولايات المتحدة الامريكية إلي ضرورة نشر تلك النظرة بكل الوسائل بما فيها القوة و حتمية إكتساحها لكل بقاع المعمورة.
و من اشهر الدراسات التي قادت ذلك التوجه ما سوق بانه نظرية تقول ب” نهاية للتاريخ” بعد نهاية الحرب الباردة عبر مقولة تفوق الرأسمالية علي الاشتراكية و سمو الثقافة الغربية علي ما عداها من الثقافات العالمية، وكيف يجب علي الغرب العمل علي ترسيخ ذلك لأنه منطق التاريخ كما أكد فرانسيس فوكوياما، أحد المحافظين الجدد في الولايات المتحدة في نظريته: ” نهاية التاريخ و الإنسان الأخير”.
Yoshihiro Francis FUKUYAMA ” the end of history and the last man” Free Press, 1992.
قراءات فوكوياما اثارت جدلا واسعا في العالم مثلها مثل نظرية استاذه للعلوم السياسية و العلاقات الدولية بجامعة هارفرد صامويل هونتينتونغ حول صراع الحضارات و المبنية على ان الصراع في القرن ال 21 سيتمحور حول الإختلاف الثقافي بين الدول القومية و ليس بسبب إختلاف الأنظمة السياسية أو الاقتصادية و أن علي الغرب أن يثبت تفوق حضارته و ثقافته بكل الوسائل ضد التهديدات المتصاعدة.
Samuel HUNTINGTON :” the clash of civilizations and the remaking of the world order” 1996.
“صراع الحضارات و إعادة تشكيل النظام العالمي”.
ما تم تقديمه علي أنه نظريات لا يعدو أن يكون أكثر من مغالطات و ادعاءات لا تصمد أمام أي تحليل لأنها تستثني التطور و مختلف أنواع الصراعات التي هي السمة الأساسية لحركة التاريخ التي لا تنتهي بتفوق مرحلي مهما كان نوعه عكس ما يدعي فرانسيس فوكوياما كما لا يمكن أن ينظر إلي الصراع بين الأمم و الشعوب علي أن الثقافة هي محركه الرئيسي بدل العنصر الإقتصادي كما يقول سامويل هونتينتونغ.
فلا توجد “نهاية للتاريخ” من الخلفية التى بنى عليها فوكوياما نظريته و لا مكان لصراع مبني علي الثقافة بمعزل عن الإقتصاد و السياسة كما يدعي هونتينتونغ لأن أزمة النظام العالمي تعود إلى تجدد الصراع بصفة دائمة بين القوي المختلفة القديم منها و الجديد.
فحتمية تجدد الصراع تعد، اذن، أمرا طبيعيا نتيحة لتناقض المصالح بين القوي القديمة أو لصعود قوي جديدة تدفع نحو إعادة صياغة النظام العالمي و ترتيب العلاقات الدولية علي أساس الإعتراف لها بمساحة تمكنها من فرض وجودها و مصالحها و دورها.
و من الأمثلة علي ذلك صعود مجموعة البريكس ( BRICS ) المكونة من البرازيل و روسيا و الهند و الصين و جنوب أفريقيا و التي اصبحت تشكل قطبا محوريا جذابا يمثل نسبة 40/100 من سكان العالم و 25/100 من مساحته و نسبة 32/100 من الاقتصاد العالمي المرشحة للإرتفاع بإستمرار لتتجاوز وزن مجموعة الدول ال7 الأكثر تصنيعا.
و قد تكون أزمة العلاقات الدولية ايضا بسبب صراع ناتج عن رفض طرف معين لإختلال توازن كان قائما بين بعض القوي كما هو الحال بالنسبة للمواجهة الراهنة بين روسيا و حلف الناتو عبر الحرب في اوكرانيا.
ثالثا: إنعكاس أزمة النظام الدولي علي تصفية الإستعمار من الصحراء الغربية
لا بد اولا من الإشارة بأن مسألة تصفية الإستعمار تعد من الصلاحيات الحصرية للجمعية العامة للأمم المتحدة في حين يضطلع مجلس الأمن بمهمة الحفاظ علي السلم و الأمن الدوليين و يتولي علي هذا الأساس صلاحية إنشاء بعثات حفظ السلام.
فبعد إتفاق طرفي النزاع، جبهة البوليساريو و المملكة المغربية، علي مخطط التسوية لسنة 1991، تحت إشراف الأمم المتحدة و منظمة الوحدة الأفريقية و مصادقة الجمعية العامة علي هذا الإتفاق، الذي يحدد تفاصيل إستفتاء تقرير المصير، تولي مجلس الأمن مهمة الإشراف علي التنفيذ عبر إصدار قرارات منها القرار 621 بتاريخ 20 سبتمبر 1988 الخاص بتعيين ممثل خاص بالصحراء الغربية و القرارين 658 بتابريل – نيسان27 ابريل 1990 ابريل – نيسان بتاريخ 29 ابريل 1991 حول إنشاء بعثة االأمم المتحدة للإستفتاء في الصحراء الغربية ( المينورسو) و تفاصيل مخطط التسوية.
تولي مجلس الأمن مهمة التنفيذ اعطي الفرصة للولايات المتحدة الامريكية و فرنسا خاصة للتحكم في مصير بعثة المينورسو و توجيه الأمور صوب الإتجاه الذي يتفق مع مصالحهم و سياساتهم في شمال إفريقيا و الشرق الأوسط. كما أن إسبانيا التي تخلت عن مسؤولياتها من جانب واحد، باعتبارها القوة المديرة للإقليم، تسللت هي الاخري إلي مجموعة ما يسمي باصدقاء الصحراء الغربية.
لقد بات واضحا، منذ الوهلة الأولى، انحياز بعض الأعضاء الدائمين و إسبانيا للمحتل المغربي مما شجعه علي عرقلة عمل البعثة الاممية و تحديه لقرارات المجلس و مناوراته الرامية إلي تزوير الإستفتاء عبر ترحيل المواطنين المغاربة إلى المدن الصحراوية المحتلة لفرضهم في لوائح المصوتين بالإضافة إلى الخروقات السافرة و المتكررة لبنود مخطط التسوية و لمقتضيات وقف إطلاق النار.
إن مجلس الأمن الذي يعتبر المسؤول الأول عن تطبيق الإتفاق الموقع من لدن الطرفين، تحت اشرافه، و بالتالي هو الضامن لتحقيق السلام، تحول إلي جزء من المشكل.
و إعتبارا لمكانة الولايات المتحدة الامريكية و فرنسا كعضوين دائمين، يمتلكان حق الفيتو، لم يستطع المجلس تحمل مسؤولياته في فرض علي الطرف المغربي الوفاء بإلتزاماته و هذا أمام التواطؤ البين من داخل المجلس مع العرقلة المغربية لعمل المينورسو الرامي إلي تنظيم الإستفتاء. لقد اتضح هكذا أن هناك إرادة في منع تنظيمه و تظافر مجهودات لمصادرة حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير و فرض حل يتناقض تماما مع الشرعية الدولية التي يجسدها في الصحراء الغربية مخطط التسوية.
(طالع شهادة السفير فرانك رودي أحد كبار بعثة المينورسو أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي بتاريخ 24 مارس – آذار 1995
Embajador Frank Rudy.
Dialnet.unirioja.es)
الإعلان الغريب و خارج المساطر المعمول بها داخل مجلس الأمن عن إنشاء مجموعة ما يسمي باصدقاء الصحراء الغربية يرمز عمليا الي اختطاف الملف الصحراوي، بعد دخول مخطط التسوية حيز التنفيذ و مباشرة بعثة الأمم المتحدة لعملها في الميدان و يعبر بصفة جلية عن الإختلالات الحاصلة علي مستوي المنظمة العالمية و التناقض الواضح في ادائها الذي يتم تحويره عن غاياته و اهدافه لإخضاعه للمصالح الذاتية و الجيوستراتيجية لبعض الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.
و يكفي أن نعلم أن هذه المجموعة مثلا هي التي اعلنت عن نفسها و لم تنشأ لا بقرار من مجلس الأمن و لا بطلب من الأمين العام للأمم المتحدة طبقا لما هو معمول به لكي نفهم درجة الإنحراف الذي وصلت إليه هيئة الأمم المتحدة و وكالاتها المتخصصة و الاجهزة العديدة التابعة لها.
السر في فشل مجلس الأمن في دعم المينورسو و مواكبة عملها لتنفيذ مهمتها و تنظيم الإستفتاء لا يرجع للعرقلة المغربية كما يبدو للأذهان و إنما يكمن في العرقلة القوية من بعض الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن الذين اخضعوا ملف النزاع الصحراوي المغربي لمصالحهم و يسيرونه لفرض سياسات بلدانهم و هذا في تناقض مع مأمورية مجلس الأمن و مقتضيات ميثاق الأمم المتحدة و قرارات الشرعية الدولية.
لا شك أن إستئناف الحرب بين الجمهورية الصحراوية و المملكة المغربية، بعد تملص هذه الأخيرة من إلتزاماتها و نسفها لوقف إطلاق النار، يجسد فشل مجلس الأمن قبل أن يكون بسبب تهور المحتل المغربي و تعنته.
تصرف الهيئة الأممية بالمعايير المزدوجة أو الكيل بمكيالين في التعامل مع القضايا الدولية، يبرز عمق الأزمة التي تمخضت عن استحواذ بعض القوي المنتصرة في الحرب العالمية الثانية علي القرار الدولي بما يخدم مصالحها.
إحترام الحدود الدولية و حق الشعوب في تقرير المصير و المساواة بين اعضاء المجتمع الدولي، بغض النظر عن طبيعة انظمتهم السياسية، و الإلتزام بإحترام حقوق الإنسان و عدم اللجوء إلي إستعمال القوة أو التهديد باستعمالها قد تكون إلزامية للبعض و يتم تغعيل الآليات الشرعية و غير الشرعية لفرضها بما في ذلك الحرب المدمرة أو إستعمال الحصار و العقوبات الإقتصادية و قد تكون عكس ذلك تماما في حالات معينة أين يسجل التواطؤ المفضوح مع دول و انظمة تدوس كل المبادئ الإنسانية السامية و جميع القيم المشتركة.
عكس تنبؤات فوكوياما لا بد أن يشهد العالم تغيبرات جوهرية للقضاء علي الفجوة الحاصلة بين المبادئ و القيم التي يرتكز عليها السلم و الأمن الدوليين و بين واقع العلاقات الدولية التي تسيطر فيها اسبقية المصالح و يهيمن عليها الظلم.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الصحراء الغربية اليوم عبر موقع أفريقيا برس




