أفريقيا برس – الصحراء الغربية. في 10 ديسمبر 2020، وقبل أيام معدودة من مغادرته البيت الأبيض، قرر دونالد ترامب أن يمنح المغرب ما لا يملكه، وأن “يعترف” بسيادة غير موجودة أصلاً.
بتغريدة واحدة، أعلن الرئيس الأميركي المنتهية ولايته “الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية”، وكأن القانون الدولي قطعة عقار، أو كأن الاحتلال يتحوّل إلى شرعية بمجرد توقيع سياسي مأزوم.
لكن السؤال الجوهري الذي تجاهلته معظم وسائل الإعلام العالمية آنذاك – ولا تزال – هو:هل يمكن الاعتراف قانونًا بشيء لا وجود له؟الجواب واضح: لا.
فالمغرب لم يكن يومًا صاحب سيادة على الصحراء الغربية، لا تاريخيًا ولا قانونيًا.
وما فعله ترامب لم يكن “اعترافًا”، بل منحًا سياسيًا تعسفيًا لأرض محتلة، صادرًا عن رئيس اشتهر بازدراء القانون، وبلغ به الأمر حد التحريض على اقتحام الكونغرس نفسه.
التضليل الإعلامي: من نقل الخبر إلى صناعة الوهم
هنا يبدأ دور “السلطة الرابعة” في السقوط الأخلاقي.
فبدل أن تقوم الصحافة بوظيفتها الطبيعية: التفكيك، التوضيح، والتذكير بالإطار القانوني الدولي، اختارت – إلا في حالات نادرة – أن تكون ناقلًا أعمى للدعاية المغربية، مروّجة لعبارة “الاعتراف بالسيادة المغربية” دون أي تدقيق أو تحفّظ.
لم يكن مطلوبًا من الصحفيين معاداة ترامب، ولا معاداة المغرب، بل فقط القيام بواجب مهني بسيط:التنبيه إلى أن الصحراء الغربية إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، مدرج على لائحة الأمم المتحدة منذ 1963، وأن أي “اعتراف” خارج هذا الإطار لا قيمة قانونية له.
لكن ما حصل هو العكس تمامًا:تحوّل الخبر إلى بروباغندا، والتغطية إلى تضليل ممنهج، والإعلام – بفعل الفعل أو الصمت – إلى شريك غير مباشر في شرعنة الاحتلال.
من ترامب إلى ماكرون: الكذب حين يصبح سياسة أوروبية
في 30 يوليو 2024، أعاد إيمانويل ماكرون إنتاج المشهد نفسه، ولكن هذه المرة بربطة عنق أوروبية.
استخدم الرئيس الفرنسي المصطلحات ذاتها، مدركًا تمامًا أنه يدلي بشهادة سياسية كاذبة.
لم يكن ذلك جهلًا، بل قرارًا محسوبًا، هدفه الهروب من أزماته الداخلية، وطيّ ملف فضيحة “بيغاسوس” مع الرباط.
والإعلام؟مرة أخرى، ركّز على “الحدث” وتجاهل “الحقيقة”.
تجاهل أن ماكرون لا يملك سلطة الاعتراف بسيادة وهمية، وتجاهل أن فرنسا – بهذا الموقف – تورّط نفسها قانونيًا عبر تمويل مشاريع داخل إقليم محتل، في انتهاك صريح للقانون الدولي.
الجريمة الصامتة: التلاعب بالخرائط
الأخطر من اللغة، هو الصورة.
ففي السنوات الأخيرة، بدأت تظهر في وسائل إعلام دولية خرائط “جديدة” للصحراء الغربية، حيث اختفى الخط الحدودي الواضح عند خط العرض 27°40 شمالًا، واستُبدل بخط متقطع، يوحي بوجود “نزاع حدودي”.
هذا ليس خطأ تقنيًا، بل تزوير بصري متعمد.
فالخط المتقطع في العرف الكارتوغرافي يُستخدم لحدود غير محددة أو متنازع عليها، بينما حدود الصحراء الغربية محددة ومعترف بها دوليًا.
استخدام هذا الرمز في حالة الصحراء ليس سوى محاولة خبيثة لتطبيع الاحتلال بصريًا، وترسيخه في وعي القارئ دون أن يشعر.
احتلال لا “نزاع”
ما يجري في الصحراء الغربية ليس “خلافًا”، ولا “نزاعًا إقليميًا”، بل احتلال عسكري بالقوة، ينتهك قواعد آمرة من القانون الدولي (jus cogens).
تسميته بغير اسمه هو تزوير للواقع، وتواطؤ أخلاقي صريح.
حين يكذب الإعلام، يطيل عمر الاحتلال
حين تسمع أو تقرأ عبارة:“السيادة المغربية على الصحراء”فاعلم أنك أمام وهم سياسي، تروّجه آلة دعائية، وتباركه صحافة تخلّت عن دورها الرقابي، وارتضت أن تكون جزءًا من المشكلة بدل أن تكون جزءًا من الحل.
في هذه القضية، لم تفشل السلطة الرابعة فقط في قول الحقيقة، بل ساهمت – بوعي أو بدونه – في إدامة آخر استعمار في إفريقيا.
وهذا، في حد ذاته، إدانة تاريخية لن يمحوها الزمن ولا الأرشيفاحمد عاشور – دزاير توب
المصدر: المستقلة للأنباء
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الصحراء الغربية عبر موقع أفريقيا برس





