قضية الصحراء تهدد بإطلاق سباق تسلح بين المغرب والجزائر

11
قضية الصحراء تهدد بإطلاق سباق تسلح بين المغرب والجزائر
قضية الصحراء تهدد بإطلاق سباق تسلح بين المغرب والجزائر

صغير الحيدري

أفريقيا برس – الصحراء الغربية. ضاعفت الجزائر ميزانية وزارة الدفاع للعام المقبل في خطوة تثير تساؤلات في شأن إمكانية تفجر سباق تسلح مع المغرب بسبب قضية الصحراء التي تسببت في قطيعة دبلوماسية بين البلدين.

وتتنازع المغرب السيطرة على الصحراء مع جبهة البوليساريو الانفصالية المدعومة من الجزائر، حيث تقترح الرباط حكماً ذاتياً للصحراء لكن تحت سيادتها وهو مقترح ترفضه الجبهة التي تطالب باستفتاء لـ”تقرير المصير”.

وبحسب مشروع قانون المالية لعام 2023 الذي أقره مجلس النواب الجزائري فإن ميزانية وزارة الدفاع الجزائرية بلغت أكثر من 22 مليار دولار بعد أن كانت في العام الحالي أقل من تسعة مليارات دولار. وتعد ميزانية الوزارة في المركز الأول في بنود الموازنة العامة للجزائر ثم تأتي ميزانية وزارة المالية.

وكانت الحكومة المغربية رفعت أيضاً ميزانية وزارة دفاعها لعام 2023 ليصل حجمها إلى نحو 17 مليار دولار ما يمثل 3.5 من الناتج المحلي الخام للبلاد، وذلك بهدف شراء أسلحة لتجديد الترسانة العسكرية.

وقالت صحيفة “هسبريس” المغربية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن هذا الرفع يأتي وسط رغبة المغرب لأول مرة في تخصيص أموال لفائدة الصناعات الدفاعية، إلى جانب اقتناء الأسلحة من دول أخرى.

صفقات مرتقبة

الواضح أن الجزائر لن تجد صعوبات في طريق توفير الموارد المالية للزيادة الكبيرة لوزارة الدفاع مستفيدة من عائدات المحروقات في ظل الارتفاع المستمر لأسعارها على الصعيد الدولي.

وكانت الجزائر قد وقعت اتفاقيات عدة أخيراً، مع دول أوروبية على غرار إيطاليا من أجل تزويدها بالغاز، وذلك في ظل بحث دول التكتل الأوروبي عن بدائل للغاز الروسي إثر شن روسيا الحرب على أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي. ويرى مراقبون أن هذه الزيادة ستفتح الباب أمام إبرام الجزائر صفقات أسلحة جديدة وسط سعيها إلى تنويع مصادر أسلحتها خصوصاً بعد انفتاح المغرب على إسرائيل.

وقال الباحث العسكري الجزائري أكرم خريف “بالفعل، هناك عقود جديدة مع موردي الأسلحة، الجزائر تستعد لإبرام عقود تسليح جديدة وقد تتزايد وتيرة الشراء في المرحلة المقبلة”. وأضاف أن “هذه الزيادة تتجاوز الأزمة مع المغرب، بل هي موجهة أساساً إلى تحديات تواجهها الجزائر على غرار الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي”، لافتاً إلى أن “هناك فارق كبير بين ميزانيتي البلدين الدفاعية، فميزانية المغرب كانت في العام الحالي نحو أربعة مليارات دولار وميزانية الجزائر كانت نحو 10 مليارات دولار”. وأشار أكرم خريف إلى أن “الجزائر قد تقدم مساعدة ولو لوجيستياً إلى تشاد ومالي أيضاً لمكافحة الإرهاب في المرحلة المقبلة”.

ولطالما اعتمدت الجزائر في وارداتها من السلاح على روسيا وسط تقارب قوي بين البلدين على المستوى العسكري كان أحدث مؤشراته المناورات المشتركة التي أجراها البلدان أخيراً. كما تتجه الجزائر أيضاً إلى الانفتاح على قوى أخرى من أجل استيراد الأسلحة على غرار الصين وتركيا، لا سيما في ظل بروز الطائرات المسيرة كأحد أبرز الأسلحة في السنوات الأخيرة في النزاعات التي عرفتها عديد من مناطق العالم وخصوصاً بعد دخول اتفاقيات تعاون أمنية بين الرباط وتل أبيب حيز النفاذ.

وقال الباحث العسكري إن “الجزائر لا تعتمد على الوجهة الروسية فقط في توريد الأسلحة، إذ تم تنويع المصادر منذ أكثر من 15 سنة، الصين والأوروبيون يأخذون الشطر الأكبر من سوق التسليح الجزائري وستبقى هذه الوتيرة. الأوروبيون لديهم شطر وشطر للصين وشطر آخر لروسيا”.

تجديد الترسانة

وتأتي خطوة الجزائر اللافتة في توقيتها في وقت تتقارب فيه المغرب بشكل كبير مع إسرائيل وهو ما أثار حفيظة الجزائر على ما يبدو، ودفعها إلى الإسراع في السعي إلى تجديد ترسانتها العسكرية.

وقال الخبير العسكري المغربي عبدالعالي حور إن “الجزائر منذ سنوات عدة تخصص ميزانيات ضخمة للتسلح وتدخل في صفقات أسلحة ضخمة خصوصاً مع روسيا، والمغرب بدوره يعمل دائماً على تعزيز ترسانته العسكرية وتجديدها والحصول على أسلحة نوعية”.

واعتبر حور أنه “إذا كان للمغرب ما يبرر نفقاته العسكرية حيث يواجه حركة انفصالية لها ارتباطات مع جماعات إرهابية تنشط في منطقة الساحل والصحراء، إضافة إلى حدوده الطويلة التي تستلزم توفير الحماية في مواجهة الإرهاب والانفصال والاتجار بالأسلحة والهجرة غير الشرعية، فإن الجزائر التي تخصص جزءاً كبيراً من ميزانيتها للتسلح على حساب المجهود التنموي، ليس له ما يبرره. إلا إذا كان ثمة ما تحاول الجزائر تصويره على أنه تهديد من جانب الرباط، فالمغرب أعلن على أعلى مستوى، أنه لن يطال الجزائر أي سوء من جانبه”.

وكانت الجزائر قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط في أغسطس (آب) 2021، في خضم الخلاف في شأن الصحراء التي تسيطر المغرب على نحو 80 في المئة من مساحتها.

وبدأ النزاع في شأن الصحراء في السبعينيات عندما نظمت المغرب “المسيرة الخضراء” تجاه الصحراء في عام 1974 قبل أن يتم الإعلان عن قيام ما يعرف بـ”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” بدعم من الجزائر في عام 1976.

التصعيد مستبعد

ويثير سباق التسلح المحتمل بين الجزائر والمغرب بسبب زيادة الإنفاق على شراء الأسلحة تساؤلات متصاعدة في شأن مآلات ذلك لا سيما أن الاحتكاك العسكري يبقى فرضية واردة بعد حوادث عدة عرفتها المنطقة.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 اتهمت الجزائر المغرب باغتيال ثلاثة من رعاياها في الصحراء باستعمال أسلحة حربية في تطور أثار حينها مخاوف من تفجر صراع مسلح بين البلدين خصوصاً في ظل تعثر المسار السياسي لحل أزمة الصحراء وفشل المبعوث الأممي الخاص بهذه القضية، ستافان دي ميستورا، في تحريك المفاوضات بين الأطراف المعنية به مجدداً.

في السياق، استبعد الباحث السياسي التونسي المتخصص في الشؤون المغاربية، رشيد خشانة، أن يلجأ البلدان إلى صراع مسلح بالنظر إلى التطورات على الساحة الدولية. وقال إنه “لن يتم السماح من قبل القوى الدولية بهكذا مغامرة”. وأضاف خشانة أن “سباق التسلح اليوم بات حقيقة بين البلدين، ومنذ سنوات أصبحت الجزائر من بين البلدان الثلاث الأولى في القارة الأفريقية التي تتسلح بأسلحة متطورة وكان الرد المغربي بأن تم الاعتماد على الولايات المتحدة وحظيت الرباط بدعم أميركي يسمح أحياناً ببيعها أسلحة متطورة لا تملك منها إلا إسرائيل”.

وأردف أن “في الجزائر هناك طبقة من الجنرالات تعيش من هذا الصراع على الصحراء لأنها تبرر به التسلح أولاً وثانياً تبرر السلطات الواسعة التي تعطى للمؤسسة العسكرية والعسكريين بصفة عامة في الجزائر”.

كذلك عبر خشانة عن اعتقاده أن “الدولة العميقة داخل المغرب لا تزال مدنية الطابع، لكن أيضاً مجهود التسلح يؤثر على الموازنات الاجتماعية والتربوية. هناك مجهود حربي قوي في المغرب يرهق الموازنة العامة ويرهق بدرجة أقل ميزانية الجزائر باعتبار أن الجزائر تستغل عائدات المحروقات ومشتقاتها في تمويل سباق التسلح الذي بدأته مع المغرب وهو دوامة لا تنتهي”.

وأبرز المتخصص التونسي في الشؤون المغاربية أنه “من المستبعد اندلاع صراع مسلح لأن الأجواء الدولية لا تسمح بذلك، بمن في ذلك الأميركيون والروس الذين لا يمكن أن يشجعوا لجوء البلدين إلى الحرب، لكن بشكل عام هناك استفزازات وستكون موجودة في المستقبل مثل المناورات التي أجرتها روسيا والجزائر أخيراً والمناورات التي أجراها المغرب مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) وهو وجه آخر من أوجه سباق التسلح ينذر بأخطار من نوع آخر”.

وفي ظل فشل مبعوث الأمم المتحدة في إقناع جميع الأطراف المعنية بملف الصحراء بالعودة إلى طاولة المفاوضات واستمرار تشبث كل طرف بأحقيته على الصحراء الشاسعة، سواء المغرب أو جبهة البوليساريو، فإن هذا النزاع سيبقى مفتوحاً على كل السيناريوهات في المرحلة المقبلة.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الصحراء الغربية اليوم عبر موقع أفريقيا برس