التمثيل السياسي للمرأة: تأثير التمييز الإيجابي وكوطة الجندر في النظام الانتخابي الصحراوي

12
التمثيل السياسي للمرأة: تأثير التمييز الإيجابي وكوطة الجندر في النظام الانتخابي الصحراوي
التمثيل السياسي للمرأة: تأثير التمييز الإيجابي وكوطة الجندر في النظام الانتخابي الصحراوي

محمد ليمام محمد عالي سيد البشير

أفريقيا برس – الصحراء الغربية. في خضم الاحتفالات المخلدة للذكرى الخمسين لتأسيس جبهة البوليساريو، وبعد انعقاد الجلسة التأسيسية العامة للبرلمان، انطلقت رسميا الدورة التشريعية الثانية عشرة للمجلس الوطني الصحراوي (البرلمان الصحراوي) قبل أسابيع. ويعد افتتاح تلك العهدة فرصة مناسبة لتقييم تأثير التمييز الإيجابي وكوطة المرأة في النظام الانتخابي الصحراوي وعلاقة ذلك بالتمثيل السياسي للمرأة، الهادف الى تحقيق مساواة جادة وغير شكلية أمام القانون.

وقد أحرزت فكرة “الفعل الإيجابي” أو ” التمييز الإيجابي” تقدما خلال العقود الاخيرة سواء كان ذلك على مستوى المجتمع الصحراوي أو غيره من المجتمعات، وتقوم تلك الفكرة على وضع سياسات من لدن المؤسسات الرسمية تستهدف ترقية المرأة وتسمح بتحويل تلك المساواة الصورية الى مساواة حقيقية جادة في فترة زمنية محددة.

وقبل الغوص في الموضوع ، سيكون من المفيد وضع الأمور في سياقها ، فعلى الرغم من أن هذا سيتطلب القليل من التقييم التاريخي. فنحن الصحراويين ليس لدينا أدنى شك في أننا بشر غير معصومين ،وأن لنا فيما نعشق مذاهب، لكن يبقى من الإنصاف ليس فقط الاعتراف ولكن أيضا الإحساس بالفخر. بالنسبة لأي صحراوي ، تقدير إنجازات ملحمتنا التحررية التي قامت على جبهتى حرب التحرير الوطني وبناء الدولة الفتية ، وهو أمر لم يسبق له مثيل في سجلات التاريخ. من قبل حركة تحرير ليس لها قطاعات إنتاجية. على الرغم من حقيقة أنه منذ ثلاثة عقود فقط، وفي تلك الحقبة لم يكن هناك تداول نقدي غير أن ذلك لم يشكل عائقاً أمام القفزة التي تمت بفضل التسيير الناجع للمرأة الصحراوية، حيث باتت مخيمات اللاجئين الصحراويين من بين الأكثر تنظيماً في العالم. وكانت تجربة التسيير الصحراوي مصدر إلهام لمختلف المنظمات الدولية العاملة في الميدان الإنساني، وظل اللاجئ الصحراوي، بفضل تلك الإرادة، الأقل كلفة بنظر المفوضية السامية لغوث اللاجئين

علاوة على ذلك، يبقى من نافل القول التذكير بأن تلك المخيمات تعد الأكثر أمانا بين نظيراتها عبر العالم، حيث تستقبل سنويا آلاف الزوار الأجانب، كما ويحرم فيها بشكل حازم حيازة السلاح، ولم تسجل بها حالة عنف جنسي قط ولا يوجد بها أي معتقل رأي سياسي.

التمييز الإيجابي كوسيلة لتعزيز التمكين للمرأة الصحراوية

يحيل مفهوم “الفعل الايجابي” أو “التمييز الإيجابي” على السياسات الاجتماعية الهادفة إلى إصلاح التفاوت المادي والعملي الذي ظلت تعاني منه بعض الفئات المحرومة تقليديا كالمرأة. ويقوم مبدأ التمييز الايجابي كما ترسخ في العقود الاخيرة على ضمان المساواة الفعلية والعملية في صون الحقوق وتعزيز الفرص لتلك الفئات. ويتم تطبيق مبدأ التمييز الايجابي في ميادين شتى، مثل ميدان المساواة بين الرجل والمرأة.

كما تقوم سياسات التمييز الإيجابي على خلق فوارق بشكل مؤقت قانونيا لتحقيق مساواة فعلية، لذلك فإنه من المهم إدراك التمييز الإيجابي كأداة لتغيير المجتمع تم تطويرها عبر مناطق مختلفة وبمساعدة ترسانة قوانين واسعة تساهم في تطوير التصور على مستوى الأداة والممارسة.

وعلى مستوى المجتمع الصحراوى، فقد كان لجبهة البوليساريو موقف جلي حول ذلك التصور، وهو ارتباطًه الوثيق بالمبادئ التي تأسست عليها حركة التحرير الوطنية في 10 ماي 1973. حيث ظلت لديها قناعة راسخة بضرورة تعزيز المشاركة السياسية للمرأة. باعتبار أن تمكين المرأة يشكل عاملاً أساسياً في التعبئة لصالح النضال الوطني الهادف لنيل الحقوق المشروعة للشعب الصحراوي. حيث تم إيلاء عناية خاصة بتعبئة وتنظيم مختلف شرائح المجتمع في بوتقة المنظمات الجماهيرية. ومنحت معاملة تفضيلية للمرأة الصحراوية حتى أصبحت على دراية بحقوقها وواجباتها.

ولعل الدعوة المأثورة للشهيد الولي مصطفى السيد، مؤسس جبهة البوليساريو “بضرورة بناء ثقافة وطنية تنبثق من واقع الشعب وتميل الى تغييره” تلخص كل ما سبق ذكره وتبقى حقيقة يجب العض عليها بالنواجذ.

من التمييز الإيجابي إلى كوطة النساء: خطوة في الاتجاه الصحيح

تعتبر الكوطة الخاصة بالنساء عملا إيجابيا غايته تكريس المساواة بين الرجل والمرأة، كما تهدف الى تحقيق توزيع عادل بين الجنسين فيما يتعلق بتولي مناصب المسؤولية. حيث تعتبر المشاركة الفعالة للمرأة في الحياة السياسية والتمكين السياسي لها، وكذا حقها في خلق الثروة والتمتع بها عوامل أساسية تساهم في تعزيز قدرة المرأة على لعب دور هام داخل مجتمعها. وهذا ما يدفع الكثير من صناع القرار إلى دعم تمكين المرأة ومشاركتها الفعالة في إدارة المجتمع الذي تشكل نصفه ديمغرافيا. لذا فإن التخلي عن المرأة يعني قبول عمل المجتمع الصحراوي بنصف قدرته الإنتاجية فقط في الوقت الذي يجمد فيه النصف الآخر. ومن هنا تأتي أهمية الخلاصات الواردة في تقارير ودراسات برنامج الأمم المتحدة للتنمية (UNDP) المعني بتقديم مؤشرات التنمية البشرية التي تظهر بشكل موثوق مدى رقي المجتمعات وازدهارها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وهنا يجدر التنويه بالخطط الوطنية الخاصة بـ كوطة المرأة، والتي بفضلها تتبوأ اليوم ست نساء صحراويات عضوية الأمانة الوطنية لجبهة البوليساريو، حيث تشغل المنصب إحداهن لأول مرة. علاوة على ذلك فإن الحكومة الصحراوية تضم في طاقمها ثلاث وزيرات، يدرن دفات وزارة الداخلية، وزارة الشؤون الاجتماعية وترقية المرأة ووزارة التعاون. كما أن ثلاث من الولايات الوطنية الخمس تديرها نساء برتبة والي.

بعد إصلاح قانون الانتخابات الصحراوي الهادف الى تكريس التمكين السياسي للمرأة، فإن عملية الاقتراع الخاصة باختيار أعضاء المجلس الوطني الصحراوي ملزمة بتطبيق مبدأ كوطة النساء. ما يعني أن الولايات التي بها عدد أكبر من الدوائر كولايتي السمارة والداخلة والتي لكل منها سبعة مقاعد بالبرلمان فأنها مشمولة بتعديل قانون الانتخابات، الذي يعطي اربعة مقاعد من أصل سبعة للنساء. أما على مستوى ولايتي أوسرد والعيون التي لكل منهما ستة مقاعد فيجب أن تكون حصة المرأة ثلاثة مقاعد. و بولاية بوجدور التي لها اربعة مقاعد فمن المقرر أن يكون اثنان منها للنساء. أما على مستوى الوحدة السياسية والادارية للشهيد الحافظ “الرابوني” فيجب اختيار برلمانية على الأقل.

المجتمع الصحراوي المعاصر وتبني قيم المساواة الجندرية

لا يتسم المجتمع الصحراوي بالتسامح تجاه المرأة فقط، بل يعد من المجتمعات التي تغيب فيها ثقافة كراهية المرأة misógino. حيث تحظى النسوة داخل النسيج الاجتماعي الصحراوي بتقدير كبير. إنها المرأة الوحيدة في العالم العربي والإسلامي التي لا يلحقها العار بسبب الطلاق، كما أن زيجاتها التي لم يكتب لها النجاح لا تعتبر عائقا أمام ارتباطها ثانية. كما ولا تفقد حضانة أطفالها بعد الطلاق. وبوسعها قيادة السيارة الخاصة إذا كان بحوزتها رخصة سياقة. كما انها لا تحتاج إلى محرم لتسافر. وهناك حالات لرفاق ورفيقات ارتبطن من شركاء لهم ديانة مختلفة ولم يلحقهم عار أو اضطهاد بسبب ذلك الارتباط، على الرغم من حساسية المناصب العليا التي يشغلون ضمن مؤسسات الجمهورية الصحراوية او هيئات جبهة البوليساريو. ولا يوجد تفاوت في الأجور بين الجنسين. ولم تكن هناك حالة واحدة استقال فيها موظف صحراوي من منصبه بسبب جنس مسئولته المباشرة.

إن تمكين المرأة الصحراوية يعتبر الضمان الأساسي لتكريس مشاركتها الفعلية في الحياة السياسية وتعزيزها بما يزيد من وعيها السياسي الذي يعد عامل أساسي في تمكينها من لعب دور أساسي في مجتمعها. والإحصاءات الخاصة بذلك تعتبر حقائق لا تحتاج الى دليل.

واذا كان هناك اليوم من يجهل او يتجاهل زورا كل ما اوردناه سلفا من إنجازات، مدعيا انها مجرد خطوات ثانوية لا يمكن مقارنتها مع مكاسب حركة النسوية السائدة أو ذات البشرة البيضاء، فقد حان الوقت لتسليط الضوء على سرعة نمو وتعاظم دور المرأة في المجتمع الصحراوي. وهو ما تؤكده خلاصات الأعمال البحثية الغزيرة لبعض الأكاديميين والباحثين ونشطاء الحركة النسوية الغربية.

الدورة التشريعية الثانية عشرة للمجلس الوطني الصحراوي

في 12 مارس 2023 بموجب مرسوم رئاسي تم الإعلان عن تشكيل اللجنة التحضيرية المشرفة على انتخابات أعضاء الهيئة التشريعية الصحراوية. وقد تألفت اللجنة الانتخابية المذكورة من 129 عضوا. ويحتوي العدد 95 من الجريدة الرسمية على جميع البنود التي تشير إلى اللوائح القانونية التي تنظم انتخابات أعضاء المجلس الوطني الصحراوي، وكذا اللوائح الداخلية للجنة الوطنية المسؤولة عن العملية الانتخابية لهذه الهيئة التشريعية.

وفي 8 أبريل 2023 انطلقت الندوات السياسية الخاصة بانتخاب أعضاء المجلس الوطني الصحراوي على مستوى كافة الولايات والمؤسسات الوطنية. وفي تلك الندوات التي استمرت لمدة يومين، تمت مناقشة اللوائح القانونية التي تنظم العملية الانتخابية ووثيقة اخرى حول مسار وأهمية وتجربة المجلس الوطني كسلطة تشريعية، بالإضافة إلى تقييم دور المجلس خلال الدورة التشريعية السابقة ، وتعيين لجنة للإشراف على العملية الانتخابية لأعضاء المجلس على مستوى كل دائرة انتخابية.

تتوزع مقاعد المجلس الوطني البالغ عددها 53 على دوائر انتخابية، مع مراعاة ضمان كوطة النساء. ويخصص القانون الانتخابي 7 مقاعد لولاية السمارة وولاية الداخلة (حيث أن لكل منهما 7 دوائر) ويجب ان تكون اربع مقاعد على الأقل للنساء، بينما من المقاعد الستة المخصصة لكل ولاية من ولايات العيون و اوسرد فيجب أن تحوز النساء على ثلاث مقاعد على الأقل في كل ولاية من الولايات المذكورة. و بولاية بوجدور التي لها 3 مقاعد يجب أن تضم سيدتين على الأقل، أما المقاعد الاربعة للوحدة السياسية والادارية للشهيد الحافظ فيجب أن تضم امرأة واحدة على الأقل. وخصص مقعد واحد لكل من المنظمات الجماهيرية الأربع (اتحاد المرأة، الطلبة، الشبيبة والعمال)، في حين تم تخصيص 3 مقاعد للمجلس الاستشاري، مع تخصيص 10 مقاعد لنواب جيش التحرير الشعبي الصحراوي.

وخلال الندوات السياسية، قدم رؤساء الجلسات سلسلة من التوجيهات قصد ضمان شفافية العملية الانتخابية والحفاظ على مصداقيتها، كما ثمنوا عمل اللجان التي أشرفت على عملية عرض ملفات المرشحين، وفحصها ودراسة الطعون المقدمة في حالة عدم قبول ملفات بعض المرشحين. كما أكدوا على ضرورة تسهيل عمل المراقبين للعملية الانتخابية وتهيئة جميع الظروف الملائمة لتأدية مهامهم.

وقد تناولت الندوات السياسية الوضع الراهن للقضية الوطنية والتحديات التي تواجهها وأهم الإنجازات داخليا وخارجيا.

لم تكن انتخابات المجلس الوطني الاخيرة، والتي جرت في أجواء طبعهتا النزاهة والشفافية، مجرد تعبير عن أصوات الناخبين فقط، بل أفرزت ديناميكية تفضيل انتخاب المرأة. بحيث حصلت النساء خلال عملية الفرز النهائي على ما يقرب 42٪ من الأصوات المعبر عنها (أي 21 نائبًا من أصل 53)، لكن الأمر اللافت هو أنه في بعض الدوائر الانتخابية لم تكن هناك حاجة اصلا لتفعيل القانون الخاص ب الكوطة النسوية.

ولتقييم تلك النسبة المئوية، يبقى من الأهمية بمكان التذكير أنه في العام 2020 لم تتعدى نسبة التمثيل السياسي للمرأة داخل المجالس النيابية بدول إفريقيا جنوب الصحراء عتبة 24.9٪ (بزيادة قدرها 0.5 مئوية عن العام 2019).

بايجاز فإن هذا العدد من البرلمانيات الصحراويات يعكس بوضوح التأثير الإيجابي لسياسات التمييز بين الجنسين على تكريس وتمكين دور المرأة الصحراوية، كما يؤكد على وجود رغبة شعبية لتحقيق المساواة في أسرع وقت ممكن. وبالتالي ، فإن السلطة التشريعية الصحراوية، مكمن السيادة الشعبية، مدعوة إلى اتخاذ تدابير ملموسة لفرض تلك الرغبة الجماهيرية.

غير أن الامال المعقودة على مبدأ كوطة الجندر، كإجراء إيجابي يهدف إلى تكريس المساواة بين الجنسين وتكافؤ الفرص بين المرأة والرجل في تولي المناصب القيادية لا زالت تسير ببطئ. بعبارة أخرى، يجب احترام مبدأ التكافؤ بشكل كامل من خلال إدخال سلسلة من الإجراءات التصحيحية الهادفة إلى خلق مجتمع أكثر عدلاً. لذلك، ودون إغفال حقيقة أننا نعيش واقع حرب ولنا رفاق لهم تكوين عسكري جيد ويمكن تكليفهم بأي مهمة نضالية، فقد بات على الرجال الصحراويين مراعاة ذلك الواقع الجديد والرجوع خطوة الى الخلف لتفعيل مبدأ المساواة وتكريسه كحقيقة عوضا عن التنافس مع رفيقاتهم والحرب لا تزال على أشدها.

إن الرجال الصحراويون مدعوون إلى تشجيع رفيقاتهم على المشاركة في الحياة السياسية بشكل أكبر من أجل خلق مزيد من التكافل والتكامل بين الجنسين. لذا يجب زيادة حصة النساء في المناصب الخاضعة لمبدأ التعيين، ودعوة النساء الصحراويات إلى التصويت أكثر لرفيقاتهن، ولزيادة الوعي حول التحديات التي يقوم عليها سلوك العزل الطوعي.

وسنظل نكرر دائما دون كلل أنه لولا نضالات المرأة الصحراوية ما كانت لتقم لنا قائمة.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الصحراء الغربية اليوم عبر موقع أفريقيا برس