بقلم: محمد فاضل الهيط
أفريقيا برس – الصحراء الغربية. تسابق صحفيو المخزن المغربي الى التمطيط والإطراء والمغالاة في تحليل ال 40 صفحة التي سربتها المخابرات المغربية حول خطة الحكم الذاتي المزعوم، وأقسموا اليمين الغليظة أنها هي الإطار الوحيد والأمثل لطي ملف الصحراء الغربية، بل حسموا أمرهم بأن الجن والإنس يقف خلف المغرب لفرض على الصحراويين الدخول تحت السيادة المغربية وأن لقاءات مدريد وغيرها مستقبلا، ماهي إلا ترتيبات تقنية لدخول الشعب الصحراوي الى بيت الطاعة المخزني.
وإذا كان من الصحيح أن نزاع الصحراء الغربية عمر طويلا ولم يعرف طريقًا للحل.
وصحيح أيضا أن المغرب يسيطر على أغلبية الأرض ويطرح الحكم الذاتي كحل نهائي، لكن التاريخ يعلمنا درسًا لا يمكن تجاهله: القوة وحدها لا تصنع السلام والحق لا يموت بالتقادم.
تبدو تجربة إريتريا تحت حكم الإمبراطور “هلاسي لاسي” نموذجا تاريخيا ومثالا حيا يطرح تحذيرا مهمًا لكل من يسعى لتسوية نزاع الصحراء الغربية عبر الحكم الذاتي.
مُنح الإريتريون نوعا من الحكم الذاتي الإداري الموسع، في محاولة لإنهاء النزاع بين الحكومة الإثيوبية وحركة التحرير الإريترية حول السيادة على الإقليم.
كان للإريتريين برلمان منتخب وحكومة محلية وصلاحيات معينة في إدارة شؤونهم، لكن السلطات الحقيقية: الخارجية، الأمن، الدفاع والسياسة العليا كلها بقيت تحت السيطرة الإثيوبية.
لقي مشروع الحكم الذاتي هذا، ترحيبا من دول الجوار ودعما دوليا كبيرا ثم تزكية حتى لا نقول تواطئا من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم (390 A V) الذي يوصد الباب أمام جميع الخيارات في وجه الشعب الأريتيري إلا خيار واحد هو الحكم الذاتي تحت السيادة الأثيوبية.
النتيجة لم تكن مفاجئة فالحكم الذاتي وحده لم يُنه النزاع، بل كان مجرد إطار شكلي لا يحل جوهر القضية المتمثلة في إرادة الشعب الإرتيري عبر استفتاء حر بإشراف دولي يضمن كل الخيارات المطروحة الإنضمام، الإستقلال أو الحكم الذاتي.
تصاعدت المقاومة المسلحة لعقود طويلة، إلى أن حصل الإريتريون أخيرًا على استقلالهم سنة 1993عبراستفتاء أشرفت عليه الأمم المتحدة محتشمة وابتلعه دعاة الحكم الذاتي مكرهين.
المغرب الفاقد لشرعية السيادة وللصفة الإدارية على الصحراء الغربية بحكم ان الأمم المتحدة تصنف هذه الأخير من بين 17اقليما مسجل ينتظر تصفية الإستعمار، يطرح الحكم الذاتي كحل نهائي جاهز ولا يحتاج الى استشارة شعبية.
لكن الحق القانوني، كما تؤكده الأمم المتحدة نفسها، لا يزال في يد الشعب الصحراوي: حق تقرير المصير.
فأي حكم ذاتي مهما كان نوعه حقيقيا، شكليا واسعًا، عريضا أو طويلا، سيكون ناقصًا شرعيًا ودون سند قانوني.
إن أية محاولة لإغلاق ملف الصحراء الغربية خارج الشرعية الدولية، من دون تمكين فعلي للصحراويين من تقرير مصيرهم، ستكرر تجربة الإريتريين في أسوء حللها، حيث تظل القوة على الأرض قائمة، لكن الحق القانوني للشعب يبقى خارج السيطرة، ما يؤدي في النهاية إلى إضاعة فرصة تقسيم فاتورة السلام التي تقدمت بها جبهة البوليساريو في مقترحها المتزن الذي قُدم الى مجلس الأمن السنة الماضية كإضافة للخطة المفصلة التي قدمتها لنفس الهيئة يوم 6 ابريل سنة 2007 وهو المقترح الذي لم يتوقف عند حل النزاع بل في رؤيته المستقبلية، إذ البوليساريو تَعرِض – كما جاء في الوثيقة – على المغرب وعلى المستوطنين المغاربة في الإقليم، حزمة ضمانات للإستقرار والتعاون بما فيها اتفاقات بشأن الثروات الطبيعية، وشاركة سياسية واقتصادية، ثم تنازل متبادل عن المطالبات بالتعويض وإنشاء آليات أمنية مشتركة.
إن هذا في جوهره نموذج للتكامل الإقليمي مما يجعل المغرب شريك إستراتيجي.
إن خطة البوليساريو (التي مع الأسف لم يروج لها من طرف الصحراويين أنفسهم، قبل غيرهم)، ليست مجرد موقف سياسي، بل نموذج براغماتي واقعي لحل المشكل ولهندسة إقليمية متقدمة تُسرع بالاندماج المغاربي وتغلق الباب في وجه الإبتزاز الخارجي وتضع الأسس الثابتة للجغرافية السياسية في الشمال الأفريقي.
إذا كان المغرب أو أي طرف آخر يسعى لحل مستدام، فعليه أن يدرك أن إشراك الشعب الصحراوي مباشرة وإعطائه أدوات تقرير مصيره ومنحه فرصة يوم واحد يعبر فيه عن رأيه، ليس خيارًا ثانويًا، بل الشرط الأساسي لأي تسوية شرعية دائمة.
بدون ذلك، سيبقى النزاع مفتوحًا على كل الإحتمالات، ولن يتحقق الاستقرار الحقيقي في المنطقة وبالتالي لن تضمن مصالح المغرب ولا مصالح الدول من خارج الإقليم التي يبيع لها المخزن جلد الدب قبل اصطياده، وربما التعقيدات الكبيرة التي برزت عند الوهلة الأولى أثناء محادثات مدريد يوم الثامن من الشهر الجاري بالسفارة الأمريكية أظهرت أنه لا يمكن البدأ بالسقف قبل الأساس، لا يمكن الحديث عن حكم ذاتي أو غيره دون التطرق الى الإستشارة الشعبية التي هي استفتاء الشعب الصحراوي.
فمن يريد السلام والإستقرار والتنمية المستدامة، عليه أن يتعلم من التاريخ قبل أن يعيد إنتاجه، والحالة الأريتيرية تصفعنا في الوجه.
المصدر: المستقلة للأنباء
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الصحراء الغربية عبر موقع أفريقيا برس





