معركة أنبوب الغاز تُسممُ العلاقات المغربية الجزائرية

6
معركة أنبوب الغاز تُسممُ العلاقات المغربية الجزائرية
معركة أنبوب الغاز تُسممُ العلاقات المغربية الجزائرية

أفريقيا برسالصحراء الغربية. قلل خبراء اقتصاديون من التداعيات الاقتصادية المُحتملة لقطع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والجزائر، الذي أعلن عنه وزير الخارجية الجزائري رمطان العمامرة في الرابع والعشرين من الشهر الماضي، بالنظر إلى أن الحدود مُقفلة بين البلدين منذ العام 1994. في المقابل رجح آخرون أن تكون للقطيعة انعكاسات وخيمة في اقتصاد البلدين، خصوصا بعدما تأكد أن الجزائر لا تعتزم تجديد الاتفاق الذي يُنقل بموجبه الغاز الطبيعي الجزائري إلى إسبانيا عبر الأراضي المغربية، بطول 500 كلم. ويمر عبر الأنبوب المغربي نحو 3 مليارات متر مكعب من الغاز سنويا، يضاف لها مليار متر مكعب من الإمدادات الجزائرية لتلبية حاجة السوق المغربية سنويا، وذلك من إجمالي صادرات البلاد البالغة 50 مليار متر مكعب سنويا.

وينتهي في الشهر المقبل الاتفاق الخاص بعبور الغاز من الجزائر إلى جنوب إسبانيا، والذي يعود إلى العام 1996. وسيتسبب إقفاله بخسائر جمة للجانبين.

وتُزود الجزائر إسبانيا بالغاز عبر أنبوبين، الأول يُدعى «ميدغاز» أي غاز المتوسط، وتُقدر طاقته بـ8 مليار متر مكعب، وهو يربط بين المنشآت الغازية الجزائرية في بني صاف (شمال غرب) وميناء المرية الاسباني (جنوب) عابرا الحوض الغربي للمتوسط. أما الثاني فهو «الأنبوب المغاربي الأوروبي»، وتُقدر طاقته بـ13 مليار متر مكعب، وهو يربط بين الجزائر ومدينة قرطبة، عبر الأراضي المغربية. وهذا هو الأنبوب الذي سيتأثر جراء التدهور الخطر في العلاقات الجزائرية المغربية. وقد طمأن وزير النفط الجزائري محمد عرقاب الاسبان، من خلال سفيرهم في الجزائر إلى أن تزويدهم بالغاز سيستمر بشكل طبيعي، وأن ذلك سيتم عبر أنبوب «ميدغاز»، ما يُؤشر إلى أن تدفق الغاز عبر الأراضي المغربية سيتوقف قريبا.

بين الجزائر وإسبانيا

وبحسب وكالة الأنباء الجزائرية أكد الوزير عرقاب وجود مشروع لتوسعة طاقة أنبوب «ميدغاز» وأعلنت مجموعة «سونتراك» الجزائرية (قطاع عام) أول أنها رفعت فعلا من حجم التدفق إلى 10.5 مليار متر مكعب، في إطار حرص الجزائر على «تأمين جميع حاجات السوق الإسبانية من الغاز الطبيعي» على ما قال عرقاب. في المقابل أعلن المغرب، قبل قرار قطع العلاقات الدبلوماسية، أنه يُوافق على تجديد اتفاق العبور، الذي ينتهي مفعوله الشهر المقبل. ويحصد المغاربة فوائد كثيرة من اتفاق العبور الحالي، أبرزها تأمين إنتاج 17 في المئة من الطاقة الكهربائية بفضل الغاز الجزائري، وتزويد محطات الطاقة البيوحرارية المغربية بالوقود، بالاضافة إلى رسوم العبور التي تتقاضاها الرباط لقاء مرور الأنبوب من أراضيها.

وتعقدت العلاقات المغربية الجزائرية مع إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تعتبر الصحراء الغربية تابعة للمغرب في مقابل إقدام الرباط على تطبيع العلاقات مع الدولة العبرية.

وسدد إقفال السفارة المغربية في الجزائر، ردا على القرار الجزائري، وترحيل العاملين فيها إلى بلدهم، ضربة موجعة للجالية المغربية في الجزائر، المؤلفة من رجال أعمال وتجار مقيمين فيها منذ عشرات السنين. كما يُخشى من اتخاذ الحكومتين خطوات جديدة تزيد من تعميق القطيعة، مثل وقف الرحلات الجوية، والتي كان انطلاقها في 1989 إحدى ثمار تأسيس الاتحاد المغاربي (يضم كلا من تونس وليبيا وموريتانيا، بالاضافة للجزائر والمغرب).

ويُقدر الخبراء الاقتصاديون المغانم التي كان في وسع البلدان الخمسة تحصيلها من قيام الاتحاد، بزيادة لا تقل عن خمس نقاط في نسبة النمو السنوي للبلدان الأعضاء.

والأرجح أن القطيعة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب ستضرب تجارة التهريب على الحدود المشتركة، وخاصة في منطقة وجدة شمال شرق المغرب، حيث تغض السلطات الطرف، في الجانبين، عن المبادلات التي تتم خارج القنوات الرسمية. ونتيجة لذلك فإن الأُسر التي تعتاش من شبكات التهريب ستواجه أوضاعا صعبة في الفترة المقبلة، مع غلق الأنبوب وارتفاع نسبة البطالة.

اختلالات بنيوية

ويشكل النفط والغاز حجر الزاوية في الاقتصاد الجزائري، الذي يُعاني من اختلالات بعضها بات هيكليا. وإزاء تنامي الاحتجاجات على تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، غير الرئيس تبون في وقت سابق من العام الجاري، وزيري الطاقة والصناعة.

لكن تغيير الأشخاص من دون مراجعة السياسات لا يحل المشكلة، فقطاع الطاقة في الجزائر عانى، خلال السنوات الأخيرة، من صعوبات التصدير، وكذلك من نقص الاستثمار، إذ تراجعت إيرادات صادرات النفط والغاز العام الماضي، بنحو 30 في المئة، بحسب ما ذكر موقع «بلومبرغ». ورأت إيزابيل ويرنفيلز، الباحثة في «المركز الألماني للشؤون الدولية والأمنية» أن الخلافات القديمة حول الصحراء الغربية مازالت تشكل الخلفية السياسية للتدهور الأخير في العلاقات الثنائية. إلا أن العنصر الجديد هو التطبيع المغربي ال”إسرائيل”ي، الذي أغاض الجزائريين لأنهم اعتبروه موجها ضدهم. وأماطت قضية بيغاسوس اللثام عن قيام الدولة العبرية بالتجسس على حوالي 6000 شخصية في الجزائر انطلاقا من المغرب.

ومن غير المستبعد أن تعرض “إسرائيل” على المغرب الحلول محل الجزائر في تزويده بالغاز الطبيعي المستخرج من حقولها قبالة سواحل البحر المتوسط، ومن ثم تزويد إسبانيا أيضا بواسطة الأنبوب الجزائري.

وتُشير الخبيرة ويرنفيلز، المتخصصة في الشأن المغاربي، إلى أن كلا من الرباط والجزائر تسعى إلى إثبات أنها القوة الأولى في المنطقة، وقادتهما هذه المنافسة إلى سباق تسلح مُنهك لاقتصاديهما، ولا يبدو أن حدته ستخف مع قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما.

وسبق للمغرب أن قطع علاقاته مع الجزائر العام 1976 بعد اعتراف الأخيرة بالجمهورية التي أعلنتها «جبهة البوليساريو» من جانب واحد. وأبصرت العلاقات مرحلة انفراج في أعقاب القمة المغاربية الأولى، في ضاحية زيرالدا بالجزائر، والتي مهدت لإنشاء اتحاد المغرب العربي في مراكش العام 1989. لكن الاتحاد تعثر بسبب الخلافات الجزائرية المغربية، ما أدى إلى غلق الحدود بين البلدين، في 16 آب/أغسطس 1994.

ويسعى المغاربة في ظل سوء العلاقات مع الجزائر ولتفادي هشاشة الاعتماد على رسوم عبور الأنبوب الجزائري، إلى إيجاد بدائل طاقية أخرى، من بينها الطاقات المتجددة. وتأثر المغرب بالتجربة الفرنسية في هذا المجال، بعدما تقدمت الطاقة البيوحرارية إلى الرتبة الأولى بين مصادر الطاقة في فرنسا، قبل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وأعلن وزير الطاقة والمناجم والبيئة المغربي أخيرا أن وزارته تعدُ حاليا خارطة طريق للتقليل من الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية والتركيز على الطاقات الجديدة والمتجددة. وترمي خارطة الطريق إلى الترفيع من حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المئة من حاجات البلد.

وبحسب تقديرات مغربية ستُتيح استراتيجيا إقامة محطات بيوحرارية لإنتاج الطاقة، تزويد الشبكة الكهربائية بنحو 13.4 مليون ميغاويت إضافية سنويا. وسيعتمد المغاربة في إنتاج تلك الطاقة البديلة على القطاع الزراعي والغابات والنفايات الصلبة والمياه المستعملة.

عبء ثقيل

في المقابل يقول الخبراء إن توسعة الأنبوب العابر للمتوسط سيحتاج من الجزائر إلى استثمار لا يقل عن 280 مليون يورو، وهو عبء ثقيل بالنظر للضائقة التي تسبب بها تراجع الصادرات من النفط. كما أن إسبانيا قد لا تكون عازمة على تجديد التعاقد مع الجزائر، بعدما باشرت تنويع مصادر التزوُد بالغاز، واتجهت في هذا الإطار إلى الولايات المتحدة، من بين مزودين آخرين.

أما المغرب فعلق على القرار الذي يبدو أن الجزائر على وشك اتخاذه، والذي أعلنه وزير نفطها للسفير الإسباني، بأنه ليس في حاجة للأنبوب ولا لرسوم العبور. أكثر من ذلك حذرت الرباط بشكل غير مباشر من أن امتناع الجزائر عن تجديد العقد من جانب واحد سيجعل البنية الأساسية في الجانب المغربي من الأنبوب، أي أكثر من 500 كلم من القنوات، ملكا للدولة المغربية. وقد يعرض المغاربة على إسبانيا تزويدها بالغاز الطبيعي من حقل تاندرارة الغازي القريب من مسار الأنبوب الحالي، والذي تستثمره مجموعة «ساوند إينرجي».

مع ذلك تشير تقارير اقتصادية إلى أن المغرب عانى من تداعيات جائحة «كوفيد-19» التي عطلت عجلة الاقتصاد المحلي، ولكن أيضا من انعكاسات الجائحة في اقتصادات شركاء المغرب التجاريين الرئيسيين وهم فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. وتستأثر بلدان الاتحاد الأوروبي بأكثر من 60 في المئة من مبادلات المغرب التجارية مع العالم. لذلك يخشى المغاربة من تداعيات تباطؤ عجلة الاقتصاد في أوروبا على أوضاعهم الاقتصادية. كما أن الاحتباس الحراري أضر أيضا بقطاع الزراعة المحلي، إذ تراجعت محاصيل البلد من القموح الشتائية بنحو 20 في المئة قياسا على متوسط المحاصيل الشتائية في الأعوام الماضية.

في السياق أفاد بنك المغرب بأن وتيرة النمو السنوي للكتلة النقدية تراجعت إلى 6.9 في المئة في تموز/يوليو الماضي، في مقابل 7.4 في المئة في الشهر السابق. وأوضح بنك المغرب، في مذكرة حول المؤشرات الرئيسة للإحصاءات النقدية لشهر حزيران/يوليو، أن هذا المؤشر يعكس تراجعا في التداول النقدي بـ 3.3 في المئة بعد 4.3 في المئة، واستقرارا في نمو الودائع تحت الطلب لدى المصارف التجارية المحلية عند نسبة 8.5 في المئة.

نقطة عبور بين الشمال والجنوب

مع ذلك نجح المغاربة في تحويل بلدهم إلى نقطة عبور بين شمال القارة الأفريقية وجنوبها. وبالرغم من تلك المصاعب، تُفكر شركات ومجموعات اقتصادية أوروبية بنقل مصانعها إلى المغرب، نتيجة الجائحة الاقتصادية التي تعاني من مضاعفاتها في بلدانها، وللاستفادة من الرواتب الزهيدة في بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط.

ووضع المغرب استثمارات كبيرة في القطاع الصناعي، من بينها تجميع السيارات، الذي يعتمد على تدني مستوى الرواتب قياسا على البلدان الأوروبية، ما شجع مجموعات صناعية فرنسية على إقامة مصانع في المغرب، بالنظر لقربه من الأسواق الكبرى. وتُظهر الإحصاءات أن إيرادات تصدير السيارات تجاوزت إيرادات البلد من الفوسفات في بعض السنوات. كما استثمر المغاربة في البنية الأساسية وفي النقل، فكان القطار الرابط بين الدار البيضاء وطنجة أول قطار سريع في أفريقيا، وهناك خطة لتمديده إلى أغادير جنوبا وميناء طنجة شمالا.

إلا أن التحدي الذي يتكرر الحديث عنه في غالبية التحاليل الأكاديمية الخاصة بمستقبل المغرب، ولاسيما خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، فيتمثل بتفاقم التفاوت الاجتماعي في البلد، ما يستدعي بحسب الخبراء العمل من أجل تحقيق استقرار ينبني على معاودة توزيع ثمار التنمية الاقتصادية. ويؤكد جان توماس لوسيور الباحث في معهد توماس مور الفرنسي البلجيكي، أن مسألة معاودة تقاسم إيرادات التنمية تشكل ضرورة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية.

وكانت المؤسسات الإنتاجية المغربية الصغيرة هي الأكثر تضررا من الجائحة، بدءا من سُواق التاكسي إلى محلات الملابس والأحذية إلى ورشات المشغولات التقليدية.

على هذه الخلفية الاقتصادية والاجتماعية المُتضعضعة، تحرك مثقفون جزائريون ومغاربة معا، سعيا لرأب الصدع بين البلدين الغريمين. وقد وقع مئات المثقفين من البلدين بيانا أطلقوا عليه عنوان «نداء إلى العقل» للمطالبة بوقف التصعيد و«توطيد أواصر المحبة والتعاون لبناء الغد المشترك». وحذروا من الانزلاق إلى «مواجهة غير طبيعية وتتنافى مع مصالح الشعبين والمنطقة». فهل يقدر نداء من مثقفين بعيدين عن مركز القرار السياسي، أن يوقف تدحرج الأزمة؟ وهل يستمع صناع القرار هنا وهناك إلى أصوات المثقفين ويُراجعون خيار الصراع المستمر منذ نحو ستين عاما، أي منذ استقلال الجزائر، الذي اندلعت بعده «حرب الرمال» بين المغرب والجمهورية الفتية؟

قلل خبراء اقتصاديون من التداعيات الاقتصادية المُحتملة لقطع العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والجزائر، الذي أعلن عنه وزير الخارجية الجزائري رمطان العمامرة في الرابع والعشرين من الشهر الماضي، بالنظر إلى أن الحدود مُقفلة بين البلدين منذ العام 1994. في المقابل رجح آخرون أن تكون للقطيعة انعكاسات وخيمة في اقتصاد البلدين، خصوصا بعدما تأكد أن الجزائر لا تعتزم تجديد الاتفاق الذي يُنقل بموجبه الغاز الطبيعي الجزائري إلى إسبانيا عبر الأراضي المغربية، بطول 500 كلم. ويمر عبر الأنبوب المغربي نحو 3 مليارات متر مكعب من الغاز سنويا، يضاف لها مليار متر مكعب من الإمدادات الجزائرية لتلبية حاجة السوق المغربية سنويا، وذلك من إجمالي صادرات البلاد البالغة 50 مليار متر مكعب سنويا.

وينتهي في الشهر المقبل الاتفاق الخاص بعبور الغاز من الجزائر إلى جنوب إسبانيا، والذي يعود إلى العام 1996. وسيتسبب إقفاله بخسائر جمة للجانبين.

وتُزود الجزائر إسبانيا بالغاز عبر أنبوبين، الأول يُدعى «ميدغاز» أي غاز المتوسط، وتُقدر طاقته بـ8 مليار متر مكعب، وهو يربط بين المنشآت الغازية الجزائرية في بني صاف (شمال غرب) وميناء المرية الاسباني (جنوب) عابرا الحوض الغربي للمتوسط. أما الثاني فهو «الأنبوب المغاربي الأوروبي»، وتُقدر طاقته بـ13 مليار متر مكعب، وهو يربط بين الجزائر ومدينة قرطبة، عبر الأراضي المغربية. وهذا هو الأنبوب الذي سيتأثر جراء التدهور الخطر في العلاقات الجزائرية المغربية. وقد طمأن وزير النفط الجزائري محمد عرقاب الاسبان، من خلال سفيرهم في الجزائر إلى أن تزويدهم بالغاز سيستمر بشكل طبيعي، وأن ذلك سيتم عبر أنبوب «ميدغاز»، ما يُؤشر إلى أن تدفق الغاز عبر الأراضي المغربية سيتوقف قريبا.

بين الجزائر وإسبانيا

وبحسب وكالة الأنباء الجزائرية أكد الوزير عرقاب وجود مشروع لتوسعة طاقة أنبوب «ميدغاز» وأعلنت مجموعة «سونتراك» الجزائرية (قطاع عام) أول أنها رفعت فعلا من حجم التدفق إلى 10.5 مليار متر مكعب، في إطار حرص الجزائر على «تأمين جميع حاجات السوق الإسبانية من الغاز الطبيعي» على ما قال عرقاب. في المقابل أعلن المغرب، قبل قرار قطع العلاقات الدبلوماسية، أنه يُوافق على تجديد اتفاق العبور، الذي ينتهي مفعوله الشهر المقبل. ويحصد المغاربة فوائد كثيرة من اتفاق العبور الحالي، أبرزها تأمين إنتاج 17 في المئة من الطاقة الكهربائية بفضل الغاز الجزائري، وتزويد محطات الطاقة البيوحرارية المغربية بالوقود، بالاضافة إلى رسوم العبور التي تتقاضاها الرباط لقاء مرور الأنبوب من أراضيها.

وتعقدت العلاقات المغربية الجزائرية مع إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تعتبر الصحراء الغربية تابعة للمغرب في مقابل إقدام الرباط على تطبيع العلاقات مع الدولة العبرية.

وسدد إقفال السفارة المغربية في الجزائر، ردا على القرار الجزائري، وترحيل العاملين فيها إلى بلدهم، ضربة موجعة للجالية المغربية في الجزائر، المؤلفة من رجال أعمال وتجار مقيمين فيها منذ عشرات السنين. كما يُخشى من اتخاذ الحكومتين خطوات جديدة تزيد من تعميق القطيعة، مثل وقف الرحلات الجوية، والتي كان انطلاقها في 1989 إحدى ثمار تأسيس الاتحاد المغاربي (يضم كلا من تونس وليبيا وموريتانيا، بالاضافة للجزائر والمغرب).

ويُقدر الخبراء الاقتصاديون المغانم التي كان في وسع البلدان الخمسة تحصيلها من قيام الاتحاد، بزيادة لا تقل عن خمس نقاط في نسبة النمو السنوي للبلدان الأعضاء.

والأرجح أن القطيعة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب ستضرب تجارة التهريب على الحدود المشتركة، وخاصة في منطقة وجدة شمال شرق المغرب، حيث تغض السلطات الطرف، في الجانبين، عن المبادلات التي تتم خارج القنوات الرسمية. ونتيجة لذلك فإن الأُسر التي تعتاش من شبكات التهريب ستواجه أوضاعا صعبة في الفترة المقبلة، مع غلق الأنبوب وارتفاع نسبة البطالة.

اختلالات بنيوية

ويشكل النفط والغاز حجر الزاوية في الاقتصاد الجزائري، الذي يُعاني من اختلالات بعضها بات هيكليا. وإزاء تنامي الاحتجاجات على تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، غير الرئيس تبون في وقت سابق من العام الجاري، وزيري الطاقة والصناعة.

لكن تغيير الأشخاص من دون مراجعة السياسات لا يحل المشكلة، فقطاع الطاقة في الجزائر عانى، خلال السنوات الأخيرة، من صعوبات التصدير، وكذلك من نقص الاستثمار، إذ تراجعت إيرادات صادرات النفط والغاز العام الماضي، بنحو 30 في المئة، بحسب ما ذكر موقع «بلومبرغ». ورأت إيزابيل ويرنفيلز، الباحثة في «المركز الألماني للشؤون الدولية والأمنية» أن الخلافات القديمة حول الصحراء الغربية مازالت تشكل الخلفية السياسية للتدهور الأخير في العلاقات الثنائية. إلا أن العنصر الجديد هو التطبيع المغربي ال”إسرائيل”ي، الذي أغاض الجزائريين لأنهم اعتبروه موجها ضدهم. وأماطت قضية بيغاسوس اللثام عن قيام الدولة العبرية بالتجسس على حوالي 6000 شخصية في الجزائر انطلاقا من المغرب.

ومن غير المستبعد أن تعرض “إسرائيل” على المغرب الحلول محل الجزائر في تزويده بالغاز الطبيعي المستخرج من حقولها قبالة سواحل البحر المتوسط، ومن ثم تزويد إسبانيا أيضا بواسطة الأنبوب الجزائري.

وتُشير الخبيرة ويرنفيلز، المتخصصة في الشأن المغاربي، إلى أن كلا من الرباط والجزائر تسعى إلى إثبات أنها القوة الأولى في المنطقة، وقادتهما هذه المنافسة إلى سباق تسلح مُنهك لاقتصاديهما، ولا يبدو أن حدته ستخف مع قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما.

وسبق للمغرب أن قطع علاقاته مع الجزائر العام 1976 بعد اعتراف الأخيرة بالجمهورية التي أعلنتها «جبهة البوليساريو» من جانب واحد. وأبصرت العلاقات مرحلة انفراج في أعقاب القمة المغاربية الأولى، في ضاحية زيرالدا بالجزائر، والتي مهدت لإنشاء اتحاد المغرب العربي في مراكش العام 1989. لكن الاتحاد تعثر بسبب الخلافات الجزائرية المغربية، ما أدى إلى غلق الحدود بين البلدين، في 16 آب/أغسطس 1994.

ويسعى المغاربة في ظل سوء العلاقات مع الجزائر ولتفادي هشاشة الاعتماد على رسوم عبور الأنبوب الجزائري، إلى إيجاد بدائل طاقية أخرى، من بينها الطاقات المتجددة. وتأثر المغرب بالتجربة الفرنسية في هذا المجال، بعدما تقدمت الطاقة البيوحرارية إلى الرتبة الأولى بين مصادر الطاقة في فرنسا، قبل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وأعلن وزير الطاقة والمناجم والبيئة المغربي أخيرا أن وزارته تعدُ حاليا خارطة طريق للتقليل من الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية والتركيز على الطاقات الجديدة والمتجددة. وترمي خارطة الطريق إلى الترفيع من حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المئة من حاجات البلد.

وبحسب تقديرات مغربية ستُتيح استراتيجيا إقامة محطات بيوحرارية لإنتاج الطاقة، تزويد الشبكة الكهربائية بنحو 13.4 مليون ميغاويت إضافية سنويا. وسيعتمد المغاربة في إنتاج تلك الطاقة البديلة على القطاع الزراعي والغابات والنفايات الصلبة والمياه المستعملة.

عبء ثقيل

في المقابل يقول الخبراء إن توسعة الأنبوب العابر للمتوسط سيحتاج من الجزائر إلى استثمار لا يقل عن 280 مليون يورو، وهو عبء ثقيل بالنظر للضائقة التي تسبب بها تراجع الصادرات من النفط. كما أن إسبانيا قد لا تكون عازمة على تجديد التعاقد مع الجزائر، بعدما باشرت تنويع مصادر التزوُد بالغاز، واتجهت في هذا الإطار إلى الولايات المتحدة، من بين مزودين آخرين.

أما المغرب فعلق على القرار الذي يبدو أن الجزائر على وشك اتخاذه، والذي أعلنه وزير نفطها للسفير الإسباني، بأنه ليس في حاجة للأنبوب ولا لرسوم العبور. أكثر من ذلك حذرت الرباط بشكل غير مباشر من أن امتناع الجزائر عن تجديد العقد من جانب واحد سيجعل البنية الأساسية في الجانب المغربي من الأنبوب، أي أكثر من 500 كلم من القنوات، ملكا للدولة المغربية. وقد يعرض المغاربة على إسبانيا تزويدها بالغاز الطبيعي من حقل تاندرارة الغازي القريب من مسار الأنبوب الحالي، والذي تستثمره مجموعة «ساوند إينرجي».

مع ذلك تشير تقارير اقتصادية إلى أن المغرب عانى من تداعيات جائحة «كوفيد-19» التي عطلت عجلة الاقتصاد المحلي، ولكن أيضا من انعكاسات الجائحة في اقتصادات شركاء المغرب التجاريين الرئيسيين وهم فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. وتستأثر بلدان الاتحاد الأوروبي بأكثر من 60 في المئة من مبادلات المغرب التجارية مع العالم. لذلك يخشى المغاربة من تداعيات تباطؤ عجلة الاقتصاد في أوروبا على أوضاعهم الاقتصادية. كما أن الاحتباس الحراري أضر أيضا بقطاع الزراعة المحلي، إذ تراجعت محاصيل البلد من القموح الشتائية بنحو 20 في المئة قياسا على متوسط المحاصيل الشتائية في الأعوام الماضية.

في السياق أفاد بنك المغرب بأن وتيرة النمو السنوي للكتلة النقدية تراجعت إلى 6.9 في المئة في تموز/يوليو الماضي، في مقابل 7.4 في المئة في الشهر السابق. وأوضح بنك المغرب، في مذكرة حول المؤشرات الرئيسة للإحصاءات النقدية لشهر حزيران/يوليو، أن هذا المؤشر يعكس تراجعا في التداول النقدي بـ 3.3 في المئة بعد 4.3 في المئة، واستقرارا في نمو الودائع تحت الطلب لدى المصارف التجارية المحلية عند نسبة 8.5 في المئة.

نقطة عبور بين الشمال والجنوب

مع ذلك نجح المغاربة في تحويل بلدهم إلى نقطة عبور بين شمال القارة الأفريقية وجنوبها. وبالرغم من تلك المصاعب، تُفكر شركات ومجموعات اقتصادية أوروبية بنقل مصانعها إلى المغرب، نتيجة الجائحة الاقتصادية التي تعاني من مضاعفاتها في بلدانها، وللاستفادة من الرواتب الزهيدة في بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط.

ووضع المغرب استثمارات كبيرة في القطاع الصناعي، من بينها تجميع السيارات، الذي يعتمد على تدني مستوى الرواتب قياسا على البلدان الأوروبية، ما شجع مجموعات صناعية فرنسية على إقامة مصانع في المغرب، بالنظر لقربه من الأسواق الكبرى. وتُظهر الإحصاءات أن إيرادات تصدير السيارات تجاوزت إيرادات البلد من الفوسفات في بعض السنوات. كما استثمر المغاربة في البنية الأساسية وفي النقل، فكان القطار الرابط بين الدار البيضاء وطنجة أول قطار سريع في أفريقيا، وهناك خطة لتمديده إلى أغادير جنوبا وميناء طنجة شمالا.

إلا أن التحدي الذي يتكرر الحديث عنه في غالبية التحاليل الأكاديمية الخاصة بمستقبل المغرب، ولاسيما خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، فيتمثل بتفاقم التفاوت الاجتماعي في البلد، ما يستدعي بحسب الخبراء العمل من أجل تحقيق استقرار ينبني على معاودة توزيع ثمار التنمية الاقتصادية. ويؤكد جان توماس لوسيور الباحث في معهد توماس مور الفرنسي البلجيكي، أن مسألة معاودة تقاسم إيرادات التنمية تشكل ضرورة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية.

وكانت المؤسسات الإنتاجية المغربية الصغيرة هي الأكثر تضررا من الجائحة، بدءا من سُواق التاكسي إلى محلات الملابس والأحذية إلى ورشات المشغولات التقليدية.

على هذه الخلفية الاقتصادية والاجتماعية المُتضعضعة، تحرك مثقفون جزائريون ومغاربة معا، سعيا لرأب الصدع بين البلدين الغريمين. وقد وقع مئات المثقفين من البلدين بيانا أطلقوا عليه عنوان «نداء إلى العقل» للمطالبة بوقف التصعيد و«توطيد أواصر المحبة والتعاون لبناء الغد المشترك». وحذروا من الانزلاق إلى «مواجهة غير طبيعية وتتنافى مع مصالح الشعبين والمنطقة». فهل يقدر نداء من مثقفين بعيدين عن مركز القرار السياسي، أن يوقف تدحرج الأزمة؟ وهل يستمع صناع القرار هنا وهناك إلى أصوات المثقفين ويُراجعون خيار الصراع المستمر منذ نحو ستين عاما، أي منذ استقلال الجزائر، الذي اندلعت بعده «حرب الرمال» بين المغرب والجمهورية الفتية؟