الوحدة الوطنية: ماذا سنقول للشهداء؟

5
الوحدة الوطنية: ماذا سنقول للشهداء؟
الوحدة الوطنية: ماذا سنقول للشهداء؟

أفريقيا برسالصحراء الغربية. تحل علينا الذكرى السادسة والأربعون لإعلان الوحدة الوطنية في ظل ظروف لا تقل خطورة ولا أهمية عن تلك التي انعقد في ظلها اجتماع عين بنتيلي التاريخي يوم 12 اكتوبر 1975، لا من حيث تعدد المؤامرات ولا من حيث حجم التحديات وخاصة الداخلية منها، رغم انها تختلف عنها من حيث تضاعف مقومات قوتنا الذاتية وضخامة المكاسب والإنجازات التي تحققت بفضل تضحيات شعبنا الأبي.

لقد شكل الإعلان عن الوحدة الوطنية حدثا مفصليا في معركة الوجود وانتزاع الحق المشروع في الحرية والاستقلال، والذي يعود الفضل فيه للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب ولحنكة مفجرها وقائدها الشهيد الولي مصطفى السيد رحمه الله وبعد نظره في ايقاظ قلوب الصحراويين بقوة الحجة، والصدق مع الذات، وربط الأقوال بالأفعال، والمثالية ووضوح وقدسية الاهداف، الشيء الذي جعلها تنال ثقتهم كممثل شرعي ووحيد لهم مما مهد إلى جمع كل أطيافهم وتوحيد كلمتهم وشحذ عزائمهم ورص صفوفهم خلفها لخوض غمار كفاح مرير لتحرير ارضنا من الغزاة المغاربة، وبناء مستقبل شعب حضاري في إطار كيان حضاري ومستقل يوفر كل أشكال الحياة الكريمة لكل الصحراويين.

لقد راهن الشهيد الولي على القوة الذاتية كعامل حاسم في ربح المعركة نظرا لأهمية الإرادة والاستعداد للتضحية في كل عمليات النجاح والنصر، وهو ما جعله يتبنى فكرة عقد ذلك الاجتماع بذلك الحجم وعلى ذلك المستوى ليؤسس لانطلاقة صحيحة من خلال انضواء الجميع في إطار تنظيم جامع لكل الصحراويين يمسك بمقود سفينتهم نحو تحقيق حلمهم الذي ظل يراودهم في قيام دولتهم المستقلة على كامل ربوع وطنهم.

فلم ينتظر حينها أحد حتى تكون الظروف مواتية، ولم يتحجج احد لا بتعدد المؤامرات وخطورة التهديدات، ولا بتخلف المجتمع ولا بقلة العدد والامكانيات، فسارت الأمور كما ينبغي بسرعة وبأقل تكاليف.

وفي فترة وجيزة اظهرت النتائج المحققة صحة تلك الفكرة وسلامة الاسلوب ونبل الاهداف المرسومة، حيث استطاع هذا التنظيم الجامع لكل الصحراويين ان يحدث تحولا عميقا في تاريخهم المعاصر من خلال الإعلان عن قيام الدولة الصحراوية المستقلة، الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وان يحقق المطلوب في “شعب منظم، متلاحم، قادر ومحترم في حدود وطنه” كما قال الشهيد الولي.

إذا هي الإرادة وهي العزيمة وهي الرؤية الواضحة التي كان اسس لها اجتماع عين بنيلي وتحققت بفضلها انتصارات ومكاسب عظيمة لم تتوقف عند ثبات حق شعبنا في تقرير المصير والاستقلال، ولا بهزيمة الجيش المغربي التي اعترف بها ملكه نفسه الحسن الثاني فحسب، بل بإرساء دعائم الدولة الحديثة من خلال مؤسسات متكاملة الادوار وبرامج وخطط سواء فيما يخص تطوير مقدرات الجيش القتالية أو يتعلق ببناء وترقية المجتمع.

يجب أن تظل هذه القفزة النوعية مبعث فخر واعتزاز لكل الصحراويين، وتجربة فريدة تشجعنا على السير الى الامام من اجل مزيد من المبادرات والقرارات الشجاعة التي تخلد في التاريخ.

كم كان بودي ان لا أعرج على الثلاثين سنة التي ضاعت من عمر كفاحنا منذ وقف إطلاق النار سنة 1991، لكنها حقبة من تاريخنا مهما كانت مرة، لذلك لابد ان أذكّر هنا بحقيقة انها كادت ان تستهلك سنام المكاسب التي تحققت خلال الست عشرة سنة التي سبقتها، بحيث انحرف فيها الفكر واستفحل فيها الفساد ودخلت فيها القبلية من باب لا من نافذة، والخطير في الأمر أن الحسابات الضيقة لبعض القادة هي من كانت السبب في ذلك وجمدت حركة بناء المؤسسات والمجتمع وأدت إلى تردي الأوضاع إلى أن اوقعتنا في حالة مرضية مزمنة يستعصي علاجها.

بالتأكيد ان العلاج في يد الصحراويين، وهم وحدهم القادرين على تجاوز هذه الحالة المزمنة، من خلال وقفة مع الذات تعيدنا لروح ملتقى عين بنتيلي 1975. فبعد الإعلان عن استئناف الكفاح المسلح يوم 13 نوفمبر 2020 لم يكن هناك مبررا في التردد أو النظر للوراء، لأنه أعطى الضوء الأخضر لاتخاذ خطوات جريئة تتماشى مع متطلبات المرحلة الجديدة.

ان ثورتنا بحاجة لولادة جديدة تعيد النظر في أخطائنا الماضية وتوجه كفاحنا نحو أهدافه التي رسمناها اول مرة انطلاقا من نظرة متجددة في توظيف الإنسان الصحراوي في خدمة وطنه والاستثمار فيه.

ولا شك ان الكرة الان في مرمى السلطة والنخب لأحداث النقلة المطلوبة، لأن القاعدة قالت كلمتها يوم أتت من كل فج عميق وقت سماعها بقرار استئناف الكفاح المسلح.