أفريقيا برس – الصحراء الغربية. في الحادي عشر من فبراير 2026، تجلس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية على مقاعد الانتظار نفسها التي تجلس عليها المملكة المغربية، تنتظران سوية إعلان اسم الفائز بمقعد شمال إفريقيا في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، وبينما يبدو المشهد للعيان مجرد تنافس إجرائي روتيني على مقعد مؤسسي، فإن التحليل القانوني الدقيق لمسار انضمام المغرب إلى الاتحاد قبل تسع سنوات يكشف أن هذه اللحظة الانتخابية تحمل في طياتها معادلة قانونية فارقة، فدولة تخوض سباقا انتخابيا مفتوحا ضد دولة أخرى داخل منظومة إقليمية واحدة، في الوقت الذي تنكر في خطابها السياسي الرسمي وجود هذه الدولة الأخرى كذات سيادية معترف بها، وهذا التناقض ليس مجرد لبس في الصياغة، بل يمثل حالة شاذة في بنية القانون الدولي تستحق التوقف عندها.
يعود المشهد إلى الصيف سنة 2016 حين تقدمت المملكة المغربية رسميا إلى مقر الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا بطلب انضمام إلى المنظمة القارية، مستندة في ذلك إلى أحكام المادة التاسعة والعشرين من القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، التي تنص على أن تخطر الدولة الراغبة في الانضمام رئيس المفوضية بنيتها الانضمام إلى القانون التأسيسي، ثم يحال طلبها إلى الدول الأعضاء للتصويت عليه بالأغلبية البسيطة، وقد مرت هذه المرحلة بسلاسة نسبية حتى جاء شهر يناير من العام التالي فصوت تسع وثلاثون دولة من أصل أربع وخمسين دولة عضوا لصالح قبول المغرب، فيما عارضت خمس عشرة دولة بقيادة الجزائر وجنوب أفريقيا وزيمبابوي، وفي التاسع عشر من يناير 2017 صادق المغرب رسميا على قانون الموافقة على القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي ونشره في جريدته الرسمية، بما أتم الإجراء القانوني بشكل كامل وصار المغرب عضوا في الاتحاد.
تبدو هذه الخطوات في ظاهرها إجراءات تقنية بيروقراطية خالصة، لكن الأثر القانوني الذي تنتجه يمتد بعيدا في أعماق المنظومة القانونية للاتحاد الافريقي، فالتوقيع على القانون التأسيسي والمصادقة عليه يعنيان قبول منظومة الاتحاد كما هي بكل بنودها ومبادئها، لا كما يرغب الطرف المنضم أن تكون وفق مزاجه أو مصلحته، هذا القانون الذي وقعه الزعماء الأفارقة في العاصمة التوغولية لومي في الحادي عشر من يوليو 2000 يحدد في متنه الدول الأعضاء المؤسسة للاتحاد، ويضع في قائمة الموقعين على الوثيقة التاريخية اسم رئيس الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في الترتيب التاسع والثلاثين، ويؤسس لمبادئ حاكمة تلتزم بها الدول الأعضاء، من بينها المساواة السيادية والترابط بين الدول، ومن ثم احترام الحدود القائمة عند تحقيق الاستقلال، والتسوية السلمية للنزاعات بين الدول، ثم حظر استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، فضلا عن مبادئ التعايش السلمي وحق الدول في العيش بسلام وأمن.
بانضمام المغرب إلى الاتحاد عبر هذه المسطرة القانونية، يصبح ملزما بجميع بنود هذا القانون في علاقته مع كل دولة عضو، وبما في ذلك تلك الدول التي اعترف بها القانون التأسيسي أعضاء مؤسسين، ومن ثم فإن الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية تدخل ضمن دائرة الالتزامات القانونية للمغرب، إذ لا يستطيع المغرب أن يختار بشكل انتقائي الدول التي يطبق معها مبادئ الاتحاد والدول التي يتجاهلها، لأن القانون التأسيسي لا يسمح بالتحفظات، ومن ثم فإن أي اعتراض جزئي أو رفض للالتزام بمبادئ الاتحاد تجاه دولة عضو معينة يتطلب موافقة جميع الدول الأعضاء، وهو أمر لم يحدث ولم يطلب، لقد أصبح المغرب عضوا في منظومة قانونية تدرج في وثائقها المؤسسة جمهورية صحراوية عضواً مؤسساً يتمتع بنفس الحقوق ويخضع لنفس الالتزامات التي تتمتع بها تلك المملكة نفسها.
تتجلى المفارقة القانونية بشكل كامل في لحظة التنافس على مقعد مجلس السلم والأمن، فهذا المجلس هو الهيئة الدائمة لصنع القرار في الاتحاد الإفريقي المكلفة بمنع النزاعات وإدارتها وحلها، وعضويته مقصورة على الدول الأعضاء التي تنتخب بالتناوب الإقليمي، وعندما تقدمت الجمهورية الصحراوية في الرابع عشر من يناير 2026 بترشحها الرسمي للمقترح، وقبلت مفوضية الاتحاد الإفريقي هذا الترشح ضمن المسار الانتخابي الطبيعي، فإن ذلك يؤكد عمليا أن الجمهورية الصحراوية ليست ملحقا بروتوكوليا أو حالة استثنائية خارجة على القانون، بل دولة عضو كاملة الأهلية تمارس حقوقها المنصوص عليها في القانون التأسيسي، أما المغرب فإنه بقبوله الدخول في سباق انتخابي مباشر ضد الجمهورية الصحراوية، يعترف ضمنيا بوضعها كمنافس سياسي داخل الاتحاد، حتى وإن أنكر ذلك في خطابه الرسمي، فلا يعقل منطقيا ولا قانونيا أن تخوض دولة سباقا انتخابيا ضد كيان تعتبره غير موجود أو وهميا.
من هنا يتبلور السؤال الجيوسياسي المركزي، ما الذي يعنيه أن تنافس دولة عضو دولة عضوا أخرى في ذات المنظومة الإقليمية، بينما تنكر الأولى على الثانية أحد مقومات وجودها الأساسية، ألا وهو السيادة على إقليم محدد، الإجابة تكمن في طبيعة الاتحاد الإفريقي كمنظومة قانونية سياسية تبنى على مبادئ معلنة وصريحة، من أهمها احترام الحدود القائمة مابعد الاستقلال وحل النزاعات سلميا وحظر استخدام القوة، وهذه ليست شعارات سياسية فارغة بل معايير ملزمة قانونا يتعين على الدول الأعضاء احترامها في علاقاتها المتبادلة.
يمكن قراءة التنافس على مجلس السلم والأمن في ضوء ذلك كاختبار حقيقي لمدى التزام الاتحاد بتطبيق مبادئه على جميع الدول الأعضاء دون استثناء أو تمييز، فإذا كان المجلس هو الجهاز المسؤول عن حماية السلم والأمن القاري، فإن شرعيته تتوقف على قدرته على احترام المساواة السيادية بين الدول، وعدم تحويل العضوية إلى امتياز يمنح لبعض الأعضاء وينكر على آخرين بحسب ميزان القوة، وهذا يعني أن الانتخابات المقبلة ليست مجرد اختيار بين مرشحين، بل هي اختيار بين نموذجين من الشرعية.
لا يقصد هذا المقال حسم مسألة الاعتراف الدولي بالدولة الصحراوية وفق نظريات القانون الدولي التقليدية، إنما إبراز مفارقة قانونية وسياسية واضحة، فانضمام المغرب إلى الاتحاد الإفريقي عبر المصادقة على القانون التأسيسي يضعه داخل منظومة قانونية تعترف في وثائقها المؤسسة بعضوية الجمهورية الصحراوية وتمنحها حقوقا كاملة كدولة عضو، والتنافس على مقعد مجلس السلم والأمن ليس مجرد حدث بروتوكولي عابر، بل هو تجسيد عملي لواقع العضوية الكاملة للجمهورية الصحراوية في الاتحاد، وإعادة تثبيت للمعيار الذي يحاول البعض دفعه إلى هامش النقاش السياسي، وفي لحظة الاقتراع يوم 11 فبراير 2026، لن يكون السؤال فقط من يفوز بالمقعد، بل أي نموذج من الشرعية القارية يريد الاتحاد الإفريقي أن يعزز، هل هي شرعية تقوم على احترام قواعد اللعبة والمساواة بين الأعضاء، أم شرعية تدار بمنطق القوة والاستثناءات الانتقائية.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الصحراء الغربية عبر موقع أفريقيا برس





