أفريقيا برس – الصحراء الغربية. وجه رئيس الجمهورية، الأمين العام للجبهة السيد إبراهيم غالي خطابا للشعب الصحراوي بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ 50 لإعلان الجمهورية الصحراوية، تطرق فيه إلى مختلف أوجه الكفاح الوطني.
وفيما يلي النص الكامل للكلمة:
كلمة الأخ إبراهيم غالي، رئيس الجمهورية، الأمين العام للجبهة، بمناسبة الذكرى الخمسين لقيام الدولة الصحراوية، 26 فبراير 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
أيتها الصحراويات أيها الصحراويون،
يخلد الشعب الصحراوي يوم غد، 27 فبراير 2026، الذكرى الخمسين لقيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، التي أعلنها، بقيادة ممثله الشرعي والوحيد، الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، كتجسيد ميداني لإرادته السيدة في العيش حراً كريماً على ترابه الوطني، على غرار كل شعوب المعمورة.
لقد جاء إعلان الدولة الصحراوية تتويجاً لمسار طويل من المقاومة الصحراوية، على مراحل وفترات عديدة، على غرار انتفاضة الزملة، بقيادة الفقيد محمد سيد إبراهيم بصيري، وانتهاءً بالإعلان الرسمي على لسان مفجر الثورة، شهيد الحرية والكرامة، الولي مصطفى السيد ورفاقه الذين ساروا على الدرب ولم يبدلوا تبديلاً، وفي مقدمتهم الشهيد الرئيس محمد عبد العزيز.
فهذه مناسبة، قبل كل شيء، للوقوف وقفة ترحم وإجلال وتقدير على أرواح كل شهيدات وشهداء القضية الوطنية الذين ضحوا من أجل الحق المشروع لشعبنا البطل في الحرية والكرامة وإقام كيانه المتميز بين الشعوب والأمم.
في خمسينية الدولة الصحراوية تتجدد المناسبة لنهنئ جماهير شعبنا الصامدة في كل مواقع الفعل والنضال، وفي المقدمة مقاتلو جيش التحرير الشعبي الصحراوي الأشاوس، الأبطال المرابطين على العهد، الذين يتقدمون الصفوف في معركة الحرية والكرامة والتضحية والعطاء. إلى جماهيرنا في الأرض المحتلة التي ظلت متمسكة بهويتها وانتمائها الوطني الصحراوي المتميز، تقاوم بصمود وثبات، رغم سياسات القمع والتهجير والاستيلاء على الممتلكات ونهب الثروات. إلى الأسرى المدنيين الصحراويين في السجون المغربية وعائلاتهم، وهم يحمِلون مشعل المقاومة والصمود والتحدي في زنازن الظلم الموحشة. إلى جماهيرنا في مخيمات العزة والكرامة، بصمودها الأسطوري وثباتها على العهد، في أشد الظروف وأقساها. إلى الجالية الوطنية الصحراوية التي سجلت حضورها الدائم في الفعل النضالي، في كل موقعها.
الأخوات والإخوة،
إننا نستحضر في خمسينية الدولة الصحراوية، بكل فخر واعتزاز، ذلك التحول التاريخي في مسار كفاح الشعب الصحراوي، والذي شكل رداً عاجلاً ومناسباً وحاسماً على مؤامرة استعمارية متكاملة الأركان، سعت فيها إسبانيا، القوة المديرة للصحراء الغربية قانوناً، إلى التنصل من مسؤوليتها القانونية تجاه مستعمرتها، بعقد صفقة لصوصية، تنتهك الشرعية الدولية، وترمي إلى مصادرة حق شعبنا في الوجود وتقرير المصير، وفتح المجال لقوة احتلال جديدة للاستيلاء على ترابه الوطني.
إنها خمسون عاماً من الصمود والمقاومة البطولية، من العزيمة والإصرار، من التضحيات الجسام بالشهداء والمعتقلين والمفقودين، بالدم والعرق والدموع. إنها خمسون عاماً من العطاء والسخاء من شعب عظيم اختار وتحمل معاناة الصبر تحت وطأة الاحتلال وفي اللجوء والشتات، دفاعاً عن حقه وحريته وكرامته.
إنها خمسة عقود من الدولة الصحراوية التي صنعت تجربة فريدة، بقيادة جبهة البوليساريو، بحيث استفادت من تجارب حروب التحرر السابقة، وزاوجت بين مهمتي التحرير والبناء. وفي حالة لا سابق لها، أصبح للدولة الصحراوية، والحرب لم تضع أوزارها، من الهيئات والمؤسسات والهياكل والمنظومات، في شتى الميادين والمجالات، ما يؤهلها للانتقال في اليوم الموالي لاستكمال السيادة إلى معترك تسيير الشأن الوطني بكل اقتدار، مدعومة برصيد محترم من الخبرات والإطارات والكفاءات في مختلف القطاعات والاختصاصات.
الأخوات والإخوة،
خلال خمسين سنة، استطاعت الدولة الصحراوية أن تثبت وجودها وحضورها واستمرارها، رغم ظروف الاحتلال والشتات واللجوء، حققت إنجازات ومكاسب باهرة، وعلى جميع الواجهات، تصعب على الدول المستقلة، وأحرٍ على شعب يخوض حرباً تحريرية ضروساً.
لقد وضعت الدولة الصحراوية القواعد والأسس والنظم والقوانين المؤطرة للكيان السياسي، وصنعت تجربة ديمقراطية متميزة، من خلال التعاطي البناء بين المؤسستين التنفيذية والتشريعية، بما يضمن المراقبة والمتابعة والتطوير المستمر لسير الشأن العام، في وجود الضلع الثالث، المؤسسة القضائية، بمنظومة القوانين وهيئاتها وأجهزتها، على غرار المحاكم، بمختلف مستوياتها، والضبطيات القضائية وغيرها.
وشهدت مؤسسة الدفاع والأمن تطوراً مضطرداً، بالنظر إلى واقع حرب التحرير، حيث استطاع جيش التحرير الشعبي الصحراوي، في ظرف وجيز، أن يصنع لنفسه سمعة ومكانة متميزة في تاريخ حروب التحرر الوطني، بتجربة قتالية وخبرة ميدانية ومهارات عملياتية، بروح التضحية والعطاء والشجاعة المنقطعة النظير.
وسرعان ما تشكلت وزارة الدفاع الوطني بمديرياتها ونواحيها العسكرية ومختلف الأجهزة الأمنية، والحضور الدائم، باسم الدولة الصحراوية، في المجهود القاري والدولي لمحاربة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والجماعات الإرهابية، واستتباب السلم والأمن في المنطقة والعالم.
على الواجهة الاجتماعية، حققت الجمهورية الصحراوية نقلة نوعية بل طفرة في ميدان التربية والتعليم، بضمان أعلى نسب التمدرس، مع مجانية وإلزامية التعليم، وصولاً إلى الآلاف من الخريجات والخريجين، في مختلف التخصصات والمستويات.
وشهد قطاع الصحة خلال هذه الخمسين عاماً في الجمهورية الصحراوية تطوراً مشهوداً، لم يتوقف عند تقديم الخدمات الصحية الأساسية وبناء المستشفيات والمستوصفات، وتعميم الرعاية الصحية للأمهات والأطفال والمسنين، بل تجلي في تأسيس منظومة صحية وقائية فعالة، في وجه ظروف الخصاص وواقع اللجوء والشتات.
وبالمثل، يشكل قطاع الإدارة والتسيير مصدر فخر في خمسينية الدولة الصحراوية، بتطور دائم ومشاركة ريادية للمرأة الصحراوية التي ظلت، إلى جانب الشباب، محل التركيز والاهتمام في السياسات الوطنية الصحراوية، التي تستهدف أولوية بناء الإنسان.
وبمجهود متواصل ومركز، ظلت الجبهة الثقافية والإعلامية حاضرة بقوة في مسيرة الدولة الصحراوية، ترسيخاً للهوية المتميزة وتعريفاً وحماية للمكاسب والحضور الدائم للقضية الوطنية.
وعلى الواجهة الخارجية، فالدولة الصحراوية اليوم حقيقة وطنية وقارية ودولية، تنتشر سفاراتها ومكاتب جبهة البوليساريو في كل قارات العالم، وتعمل كعضو مؤسس في الاتحاد الإفريقي، وفي الإطار الدولي، على الاضطلاع بمسؤولياتها وواجباتها في استتباب السلم والأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة والعالم.
فالدولة الصحراوية التي ولدت في خضم حرب التحرير الوطني تجسد إرادة إفريقيا وشعوبها في التحرر والانعتاق واستكمال مسار تصفية الاستعمار من القارة. وإن الجهود والمساهمات الكثيرة التي تقدمها الدولة الصحراوية على مستوى الاتحاد الإفريقي، وفي سبيل تنفيذ برامجه وأهدافه الطموحة، على غرار أجندة 2063، وفي احترام كامل لمبادئ قانونه التأسيسي، إنما يؤكد بأن قيام الدولة الصحراوية على كامل ترابها الوطني هو رسالة سلام وأخوة وتضامن مع شقيقاتها في إفريقيا.
ومن هنا، فإننا في الجمهورية الصحراوية عازمون على توطيد وتعزيز علاقاتنا مع دول وشعوب العالم، وخاصة في منطقتنا، مع كل جيرانها، بمن فيهم المملكة المغربية. فلن يكون الشعب الصحراوي مصدر خطر أو تهديد للشعب المغربي الشقيق، بل سيكون منفتحاً وبأيادي ممدودة للسلام والتعاون في شتى الميادين.
الأخوات والإخوة،
الدولة الصحراوية في خمسينيتها لا يمكن إلا أن تتوجه بآيات الشكر والتقدير والعرفان إلى كل الأشقاء والأصدقاء والحلفاء الذين وقفوا إلى جانبها في مسيرتها المتواصلة.
الشكر والتقدير والعرفان إلى الجزائر الشقيقة، جزائر ثورة الأول من نوفمبر المجيدة، جزائر المليون ونصف المليون شهيد، التي تسطر اليوم، بقيادة أخينا السيد الرئيس عبد المجيد تبون، صفحات خالدة من النخوة والشهامة والإباء، بتلك المواقف المشرفة إلى جانب القضايا العادلة في العالم، وفي مقدمتها القضية الصحراوية.
الشكر والتقدير والعرفان إلى الأشقاء في موريتانيا، الذين رافقوا القضية الصحراوية منذ بدايتها الأولى، ونفخر اليوم بعلاقات الأخوة والصداقة والجوار والمصير المشترك التي تجمع الدولة الصحراوية بشقيقتها الجمهورية الإسلامية الموريتانية.
الشكر والتقدير والعرفان إلى كل أعضاء الحركة التضامنية، من أوروبا والعالم، التي لم تتوقف يوماً عن دعم ومساندة الكفاح الصحراوي، بكل السبل، والتي حضر ممثلون عنها هذه الأيام إلى مخيمات العزة والكرامة، مجسدين تلك الروح التضامنية السامية، من خلال تظاهرة صحراء ماراطون.
إنهم يجسدون الموقف الشعبي في دولهم وقاراتهم، الرافض للسياسات الظالمة التي تبنتها العديد من الأطراف ضد الشرعية الدولية وحقوق الإنسان. إنها تذكر الدولة الإسبانية بمسؤوليتها القانونية، التي لا تسقط بالتقادم، تجاه استكمال تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية.
إنها تذكر وتطالب الاتحاد الأوروبي بالتوقف عن انتهاك أحكام المحكمة الأوروبية والقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، من خلال توقيعه اتفاقيات مع المملكة المغربية تمس الأراضي الصحراوية المحتلة ومياهها ومجالها الجوي، والتي هي في حقيقتها عمليات نهب ممنهج لثروات شعب أعزل، واقع تحت نير الاحتلال اللاشرعي.
الأخوات والإخوة،
لقد سعت الجمهورية الصحراوية، منذ تأسيسها، إلى إحلال السلام على أساس احترام الحدود الدولية المعترف بها لجميع الدول المكونة لمنطقتنا، انطلاقاً من قناعة راسخة بضرورة الاستقرار لتحقيق التنمية والازدهار.
وسيراً على هذه القناعة، أبرمت الدولة الصحراوية اتفاقية سلام مع الدولة الموريتانية الشقيقة، جارتنا من الجنوب، ولا زلنا نتطلع إلى التوصل إلى السلام العادل والنهائي مع المملكة المغربية، جارتنا من الشمال.
وفي هذا السياق دائماً، وبعد مصادقة مجلس الأمن الدولي، شهر اكتوبر المنصرم، على القرار 2797 حول الصحراء الغربية، تأتي المساعي الحالية، بإشراف من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، للتوصل إلى حل عادل ونهائي ومقبول لدى الطرفين، يمارس من خلاله الشعب الصحراوي حقه غير القابل للتصرف أو التقادم فى تقرير المصير والاستقلال.
إن ممارسة الشعب الصحراوي لذلك الحق، الذي يسمح له باختيار مستقبله بحرية وديمقراطية وشفافية، هو الطريق الوحيد لإحلال السلام العادل والنهائي. فسياسة الحلول المفروضة والاحتلال اللاشرعي وحيازة الأراضي بالقوة وتغيير الحدود والتوسع برهنت على فشلها بل ودورها في تعطيل عجلة التنمية والتعاون والتكامل التي تتوق إليها شعوب منطقتنا.
الأخوات والإخوة،
وخمسينية الدولة الصحراوية هي رسالة إلى العالم، رسالة صمود ومقاومة، رسالة وحدة وطنية راسخة. رسالة رفض واستنكار لكل المناورات والمؤامرات والدسائس التي تستهدف مصادرة حق شعبنا في الحرية والكرامة والوجود.
خمسينية الدولة الصحراوية هي رسالة إلى جماهير شعبنا في كل مواقع تواجدها لمزيد من رص الصفوف والاستنفار والاستعداد لمواجهة كل التحديات والاحتمالات، في كنف إجماع وطني شامل لشعبنا خلف ممثله الشرعي والوحيد، الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب. هي رسالة عزم وإصرار على المضي على درب الكفاح والنضال والوفاء لعهد الشهداء حتى استكمال سيادة الدولة الصحراوية على كامل ترابها الوطني.
بحلول شهر رمضان المعظم، أتوجه بالتهنئة إلى جماهير الشعب الصحراوي في كل مواقعها، خاصاً بالذكر الأبطال المرابطين في الخطوط الأمامية والمعتقلين الصحراويين في السجون المغربية، راجياً من العلي القدير أن يعيده على شعبنا بالنصر المؤزر وعلى الأمة الإسلامية جمعاء بالخير واليمن والبركات.
شكراً والسلام عليكم. (واص)
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الصحراء الغربية عبر موقع أفريقيا برس





