هاشم علي حامد
أفريقيا برس – الصومال. يشهد القرن الأفريقي تحولات مهمة في ظل تنافس دولي وإقليمي متصاعد، إذ تضاعفت أهميته الاستراتيجية في أعقاب التطورات المتلاحقة التي شهدتها المنطقة منذ عام 2023، وما رافقها من عدوان إسرائيلي على غزة، وما أعقبه من تصعيد في المواجهات بالمنطقة، إضافة إلى دور اليمن في التصدي لذلك العدوان عبر استهداف الملاحة في البحر الأحمر، ما جعل هذا الممر المائي وخليج عدن في صميم الاستهدافات والمتغيرات الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، يواجه الصومال داخلياً مهددات تمزق نتيجة الخلافات المتكررة بين ولاية بونتلاند والحكومة الفيدرالية، وسط تساؤلات عن إمكانية استغلال أطراف خارجية هذه الخلافات للدفع بالولاية نحو انشقاق يعيد سيناريو أرض الصومال، غير أن القراءة المتأنية للمشهد تكشف أن بونتلاند، رغم تصعيدها، ليست مرشحة للانفصال الفعلي، وإنما تستخدم ورقة الضغط هذه لتحقيق مكاسب سياسية في مفاوضاتها مع المركز.
“بونتلاند”: الجغرافيا والعشائر
تقع ولاية بونتلاند في شمال شرقي الصومال، وتشكل نحو ثلث مساحة البلاد البالغة 637.657 كيلومتراً مربعاً، ويقدر عدد سكانها بنحو 4.5 ملايين نسمة وفق تقديرات حكومة الإقليم التي استندت إلى إحصاء أجري عام 2009، مع غياب المعلومات الدقيقة عن العرب الرُّحَّل الذين يشكلون نسبة معتبرة من السكان.
تسكن الإقليم قبائل عدة، وأصول غالبية السكان ترجع إلى عشائر “دارود”، وأهمها قبيلة “ماجرتين” التي تتمتع بنفوذ سياسي واجتماعي كبير، إلى جانب قبائل “دولبهانتي” و”ورسنجلي” وفروع عشائرية أخرى. يعتمد اقتصاد الإقليم على الثروة الحيوانية والبحرية وموانئه، وتعد غروي العاصمة السياسية، بينما تبرز بوصاصو كأهم ميناء ومركز تجاري حيوي للإقليم.
تاريخياً، ظلت العلاقة بين مقديشو وبونتلاند تشهد تعاوناً وخلافات حول تقاسم الصلاحيات والموارد. وفي عام 1998، أثناء الحرب الأهلية وانهيار الدولة المركزية، أعلنت بونتلاند نظام الحكم الذاتي، وتمكنت من تحقيق استقرار سياسي نسبي مقارنة بغيرها من المناطق الصومالية.
جذور الأزمة: المحاصصة والدستور
تعود جذور الأزمة الحالية إلى موافقة البرلمان الفيدرالي في آذار/مارس 2024 على تعديلات دستورية تمدد ولاية الرئيس والبرلمان لعام إضافي، وهو ما اعتبرته سلطات بونتلاند “انقلاباً على الدستور”. ورداً على ذلك، أعلنت الولاية سحب اعترافها بالحكومة الفيدرالية موقتاً، إضافة إلى تبني ما وصفته بـ”الاستقلال الإداري” إلى حين التوصل إلى توافق حول دستور جديد يطرح للاستفتاء.
وتعقدت الأزمة أكثر عندما اعترفت مقديشو رسمياً بإدارة “خاتمو” في منطقة سول المتنازع عليها، والتي تطالب بها بونتلاند أيضاً، ما مثل تعكيراً في أسس النظام الفيدرالي وزاد من حدة التوتر بين الطرفين.
التدخلات الخارجية: الإمارات و”إسرائيل”
تحذّر التحليلات من تدخلات أطراف دولية وإقليمية تستهدف زعزعة الاستقرار وتفتيت وحدة الصومال، في مقدمها الإمارات التي تسعى إلى تمدد نفوذها عبر اتفاقات الموانئ مع ولايات صومالية عدة، بينما تسعى الحكومة الفيدرالية لإلغائها بدعوى “خرق السيادة الوطنية”.
كما يعد الحضور الإسرائيلي بعد اعتراف ” تل أبيب” بـ”أرض الصومال” الانفصالية وتبادل السفراء تطوراً خطيراً يهدد وحدة الدولة الصومالية في العموم، إلى جانب دور بعض دول الجوار الساعية لتعزيز نفوذها في المنطقة على حساب السيادة الصومالية.
البعد التاريخي والجيوستراتيجي للقرن الأفريقي
يؤكد التاريخ الوسيط عراقة منطقة الساحل الصومالي ودورها السياسي والحضاري، حيث ازدهرت مدن إسلامية مثل زيلع وبربرة ومقديشو، وكانت بوابات تجارية رئيسة تربط بين شرق أفريقيا والجزيرة العربية والهند، وأسهمت في نشر الإسلام في القرن الأفريقي. وهذه الخلفية التاريخية تؤكد أن المنطقة لم تكن يوماً معزولة عن محيطها العربي والإسلامي، بل كانت جزءاً من شبكة تجارية وحضارية ممتدة.
وفي الحاضر، تضاعفت أهمية القرن الأفريقي ليصبح من أهم ساحات التنافس الجيوسياسي في العالم، وذلك لسيطرته على مضيق باب المندب الذي يعبر منه نحو 12% من التجارة العالمية و30% من حركة الحاويات وملايين البراميل من النفط يومياً.
وأي اضطراب في هذا المضيق يضيف أياماً إلى الرحلات وتكاليف مالية إضافية، ما يجعل تدويل الأزمة أمراً حتمياً، وخصوصاً في ظل التصعيد الإقليمي الراهن وما شهده البحر الأحمر من عمليات عسكرية متبادلة، إلا أن هذا الموقع الاستراتيجي، الذي كان يمكن أن يكون مصدر قوة للصومال، تحول إلى عامل ضعف إضافي بفعل التحديات الداخلية المزمنة، فالصومال يعكس النموذج الأكثر دراماتيكية لدول القرن الأفريقي التي مزقتها الحدود الاستعمارية المصطنعة، إذ أدت الحرب الأهلية وحرب أوغادين مع إثيوبيا إلى انهيار الدولة المركزية، وتحوّل التنافس القبلي التقليدي إلى محرك رئيس للاستقطاب والعنف.
أما النظام الفيدرالي الذي أقر عام 2012، ورغم كونه يمثل أحد أهم نظم الحكم القادرة على توحيد الدول على قواسم عظمى ومراعاة خصوصية المكونات، فإن التطبيق العملي له في الصومال لم يرقَ إلى هذا المستوى، ذلك أن الدستور افتقر إلى تقسيم واضح للسلطات والثروات، ما أفسح المجال أمام الولايات الإقليمية لتتفوق على الحكومة المركزية وتدخل في اتفاقات أمنية واقتصادية مباشرة مع قوى خارجية، في ما يُعرف بـ”دبلوماسية الولايات”.
ومن ثم، فإن المشكلة ليست في الفيدرالية كخيار، بل في غياب الدستور الجامع الذي يحدد بدقة صلاحيات كل طرف ويضمن توزيعاً رشيداً للسلطات وعادلاً للموارد، وهو المدخل الرئيس لتجاوز هذه الإشكالية وإعادة بناء الثقة بين المركز والأقاليم.
تصعيد خطر: حظر المسؤولين الفيدراليين
اتخذت الأزمة في الآونة الأخيرة بعداً أكثر خطورة، إذ أعلنت سلطات بونتلاند حظر دخول أي مسؤولين أو قوات أمنية تابعة للحكومة الفيدرالية داخل أراضيها، وذلك استناداً إلى معلومات تحدثت عن “خطة منسقة” تهدف إلى تسليح مجموعات محلية وإشعال التوترات العشائرية.
في المقابل، أعرب مجلس سياسيي وعلماء الإقليم عن قلقه من تدهور الأوضاع، متهمين إدارة رئيس الإقليم سعيد عبدالله دني بالإسهام في تفاقم الأزمة عبر إساءة استخدام السلطة ومخالفة الدستور والقوانين المحلية.
التباين بين بونتلاند و”صوماليلاند”
تأسست بونتلاند عام 1998 كولاية تتمتع بحكم ذاتي، على أرضية تاريخية وقبلية راسخة، واسمها مشتق من “أرض البنط” التي عُرفت كمملكة تجارية مزدهرة على سواحل القرن الأفريقي، فالمنطقة كانت موطناً لسلطنات عريقة كسلطنة مجرتين التي كانت قوة تجارية كبرى منذ القرن السابع عشر، والتي ظلت جزءاً لا يتجزأ من الدولة الصومالية الموحدة منذ استقلالها عام 1960 حتى انهيارها عام 1991.
وعندما تفككت الدولة، تحالفت عشائر دارود ممثلة في جبهة “SSDF” لفرض الأمن ومنع الفصائل المسلحة من التمدد شمالاً، وتوجت جهودهم بمؤتمر غروي الدستوري عام 1998 الذي أسفر عن إعلان ولاية بونتلاند، لتكون غروي عاصمتها السياسية، وبوصاصو ميناءها التجاري الرئيس، وذلك في إطار فيدرالي، ليس بهدف الانفصال بل لإعادة الاستقرار ضمن صومال موحد، وهو ما يميزها عن جارتها الغربية “أرض الصومال” التي أعلنت الانفصال الكامل عام 1991.
ويؤكد المحللون أن بونتلاند ليست انفصالية، بل لديها حضور قوي في مسيرة بناء الدولة الصومالية، والخلافات مع مقديشو تنشأ عادة في كل فترة رئاسية جديدة حول تقاسم السلطة والموارد. أما الخلاف الحالي فيرتكز على طموح شخصي لرئيس الولاية سعيد عبد الله دني بعد فشله في الترشح للرئاسة الفيدرالية، إلى جانب التعديلات الدستورية وقرب موعد الانتخابات.
ويكمن الفرق الجوهري في أن بونتلاند تتبنى مفهوماً للانفصال مختلفاً تماماً عن نظيره في أرض الصومال، فهو انفصال إداري ضمن السيادة الفيدرالية وليس قطيعة مع الدولة الأم. وهذا الموقف يحول دون تحول الأزمة إلى انفجار، وتدعمه ثلاثة قيود ثابتة:
أولها ما تقدم من أن بونتلاند لم تنشأ للانفصال بل لإعادة الاستقرار، ومن ثم فإن الانفصال اليوم يعني نقضاً لتاريخها السياسي ذاته، فهي التي كانت رائدة في بناء الدولة الفيدرالية حين أسست أول نظام فيدرالي انتقالي في البلاد.
ثانيها أن أي مشروع انفصالي لا ينجح من دون اعتراف دولي، ولا إقليمي، وخصوصاً أن الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية اللذين ينتمي إليهما الصومال لهما موقف واضح من التفكيك والتقسيم، ما يحرم أي انفصال محتمل من أي غطاء سياسي أو شرعية إقليمية، برغم جهود بعض الدول الإقليمية التي تعمل على تشجيع الانفصال وتوفير الغطاء له.
ثالثها أن بونتلاند تدرك تماماً أن الانفصال سيدخلها في مواجهة عسكرية مع المركز ويفتح الباب أمام الجماعات المتطرفة لاستغلال الفراغ الأمني، وهو ما يعني زوال استقرارها الذي طالما تميزت به، وتحوله إلى ساحة صراع جديدة تهدد وجودها ذاته.
مخاطر التحول إلى حرب بالوكالة
حذّر المحللون من تحويل الأزمة من خلاف دستوري إلى حرب بالوكالة، إذ يتوقع تدخل أطراف خارجية للاستثمار في الأزمة من أجل زعزعة الأوضاع وتوسيع الشقاق بين مقديشو وبوصاصو.
وهذه الأطراف التي تعمل على تقسيم الصومال وتفتيت وحدته تشمل الإمارات التي تسعى عبر اتفاقات الموانئ إلى تثبيت نفوذها، و”إسرائيل” التي ترى في انقسام الصومال فرصة لتعزيز حضورها في المنطقة بعد اعترافها بـــ”أرض الصومال”.
وهذا الاحتمال يجعل “حركة الشباب” و”داعش” أكبر المستفيدين، فكلما انشغلت مقديشو ببوصاصو، تتمدد الجماعات المسلحة في شبيلي الوسطى وجوبا، وفي جبال بونتلاند حيث توجد لـ”داعش” جيوب محدودة تستغل أي فراغ أمني.
هل تقترب بونتلاند من الانفصال؟
يرى كثير من المحللين أن استمرار التصعيد يحمل أخطاراً حقيقية على وحدة الدولة، لكن الأزمة ليست متجهة بالضرورة نحو الانفصال. فرص الاحتواء قائمة عبر الحوار السياسي والتسوية الدستورية، وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم، وضمان مشاركة الولايات في القرارات الوطنية الكبرى.
ويبقى العامل الأساس في حل الأزمة داخلياً، متمثلاً في ضعف التوافق السياسي واستمرار تأثير الانتماءات القبلية. فالأطراف الخارجية قادرة على صناعة الأزمات وخلقها عبر أدوات النفوذ والمال والغطاء السياسي، كما أنها تستطيع استغلال الانقسامات القائمة، ما يجعل الإصلاح السياسي الداخلي وإعادة بناء الثقة بين المركز والأقاليم هو المدخل الحقيقي لتحصين الدولة ضد أي تدخل خارجي.
والسؤال الملحّ الذي يطرح نفسه اليوم: هل النخب الصومالية قادرة على إعلاء مصلحة الصومال العليا فوق المصالح الفئوية والتدخلات الخارجية، قبل أن تتحول بونتلاند من ورقة ضغط سياسية إلى واقع جديد يعيد إنتاج مأساة التقسيم التي عصفت بالصومال لعقود؟ أم أن الأطراف الخارجية ستنجح في توظيف الخلافات الداخلية لترسيخ انقسام جديد في القرن الأفريقي، على حساب وحدة الصومال واستقراره؟
تبدو الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن الحوار الوطني والتوافق الصومالي الخالص يظلان الطريق الأقل كلفة والأكثر ضماناً للحفاظ على تماسك الدولة الصومالية، قبل أن يصبح الرهان خارجياً وتُفرض على الصومال وقائع جديدة لا تحمد عقباها.





