أفريقيا برس – الصومال. أبرمت الولايات المتحدة وولاية بونتلاند الصومالية اتفاقاً جديداً لتوسيع المنشأة العسكرية الأمريكية في مدينة بوصاصو الساحلية، في خطوة تعكس تزايد الاهتمام الأمريكي بالقرن الأفريقي وخليج عدن، وتأتي في ظل تصاعد التحديات الأمنية في البحر الأحمر والممرات البحرية المؤدية إلى باب المندب.
ووقّع الاتفاق في 2 أغسطس/آب الجاري رئيس بونتلاند سعيد عبد الله دني وقائد قيادة العمليات الخاصة الأمريكية في أفريقيا (SOCAFRICA)، اللواء كلود ك. تودور جونيور، خلال لقاء في بوصاصو. وقالت رئاسة بونتلاند إن الاتفاق يهدف إلى توسيع القاعدة لتعزيز عمليات مكافحة الإرهاب ودعم الأمن البحري، من دون الكشف عن حجم التوسع أو عدد القوات الأمريكية التي قد تتمركز فيها.
موقع يمنح المنشأة أهمية استراتيجية
تقع بوصاصو على الساحل الجنوبي لخليج عدن، وتعد الميناء الرئيسي في بونتلاند، ما يمنحها موقعاً قريباً من أحد أهم الممرات البحرية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس.
وتكتسب المنطقة أهمية إضافية بسبب قربها من اليمن وباب المندب، فضلاً عن وجود تنظيم «داعش-الصومال» في المناطق الجبلية القريبة من باري، حيث تنفذ القوات الأمريكية عمليات دعم للقوات المحلية ضد الجماعات المسلحة.
وتشير تحليلات أمنية إلى أن واشنطن تنظر إلى بونتلاند باعتبارها إحدى نقاط الارتكاز المحتملة لتوسيع التعاون الأمني في القرن الأفريقي، خصوصاً في مجالات مكافحة الإرهاب والأمن البحري. وقد ربطت تحليلات حديثة بين الاتفاق الجديد واهتمام أمريكي متزايد بمناطق الساحل الصومالي وخليج عدن والبحر الأحمر.
منشأة ذات حضور أمني سابق
ولا تبدأ الولايات المتحدة من الصفر في بوصاصو؛ فقد سبق للقوات الأمريكية استخدام منشآت في محيط المطار والمنشأة التي طورت أساساً لصالح قوة الشرطة البحرية في بونتلاند (PMPF).
وكانت الإمارات قد دعمت إنشاء وتطوير هذه القوة منذ سنوات في إطار جهود مكافحة القرصنة، كما وثقت تقارير أممية وصول معدات عسكرية إلى قوة الشرطة البحرية في بوصاصو عبر طائرات تابعة للقوات الجوية الإماراتية.
وتشير صور الأقمار الصناعية وتحليلات مفتوحة المصدر إلى توسع البنية التحتية العسكرية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك منشآت للطائرات والمعدات ومرافق تخزين ومواقع رادار. غير أن بعض التفاصيل المتداولة بشأن طبيعة هذه المنشآت واستخداماتها تستند إلى تحليل صور الأقمار الصناعية ومصادر غير رسمية، ولذلك يصعب التحقق بصورة مستقلة من جميع وظائفها الحالية.
كما برز اسم بوصاصو في تقارير مرتبطة بشبكات النقل العسكري واللوجستي في المنطقة، بما فيها مزاعم بشأن استخدامها كنقطة عبور مرتبطة بالحرب في السودان. وهذه المزاعم تحتاج إلى التمييز عن المعلومات المؤكدة رسمياً بشأن الاتفاق الأمريكي الجديد، الذي أعلنت بونتلاند أن هدفه المعلن هو مكافحة الإرهاب والأمن البحري.
لماذا الآن؟
يتزامن توسيع المنشأة مع بيئة أمنية أكثر تعقيداً في البحر الأحمر وخليج عدن، حيث تواجه حركة الملاحة تهديدات متعددة، في حين تواصل الولايات المتحدة عملياتها ضد الجماعات المسلحة في الصومال.
ومن شأن وجود منشأة أمريكية أكبر في بوصاصو أن يوفر لواشنطن نقطة إضافية للعمليات والمراقبة والدعم اللوجستي في منطقة تتميز بقربها من اليمن وباب المندب، إلى جانب المنشآت العسكرية الأمريكية الموجودة في جيبوتي.
لكن لا توجد، وفق المعلومات المعلنة عن الاتفاق، تفاصيل تؤكد أن المنشأة ستستخدم في عمليات عسكرية ضد اليمن أو في مهام هجومية خارج الصومال. ولذلك فإن ربط الاتفاق مباشرة بعمليات محتملة في اليمن يبقى تحليلاً للآثار الاستراتيجية المحتملة وليس هدفاً معلناً للاتفاق.
البعد الصومالي
ويطرح الاتفاق في الوقت نفسه مسألة العلاقة بين بونتلاند والحكومة الفيدرالية الصومالية. فبونتلاند تتمتع بحكم ذاتي واسع، لكنها جزء من الدولة الصومالية، فيما شهدت العلاقة بينها وبين مقديشو خلافات سياسية ودستورية خلال السنوات الأخيرة.
وقد لاحظت دراسات وتحليلات حديثة أن واشنطن كثفت اتصالاتها المباشرة مع إدارات إقليمية صومالية، بينها بونتلاند وجوبالاند، بالتوازي مع تعاملها مع الحكومة الفيدرالية. واعتبرت بعض التحليلات أن هذا المسار قد يخلق حساسيات سياسية حول حدود صلاحيات الحكومة المركزية في إبرام الاتفاقات الأمنية والعسكرية.
وفي المقابل، تركز بونتلاند على حاجتها إلى الدعم الخارجي لمواجهة تنظيم «داعش-الصومال» والتهديدات الأمنية في مناطقها، فيما ترى الولايات المتحدة في التعاون مع القوات المحلية وسيلة لتعزيز عمليات مكافحة الإرهاب والأمن البحري.
وبذلك، لا يمثل اتفاق بوصاصو مجرد توسعة لمنشأة عسكرية، بل يأتي ضمن إعادة ترتيب أوسع للحضور الأمني الدولي في القرن الأفريقي، حيث تتقاطع مكافحة الإرهاب مع أمن الملاحة في خليج عدن والبحر الأحمر، بينما تظل طبيعة الوجود الأمريكي المستقبلي وحجمه واستخداماته العملياتية مرهونة بالتفاصيل التي لم تُعلن حتى الآن.





