الفيضانات تدفع مئات الأسر الزراعية في جنوب الصومال إلى الجوع

2
الفيضانات تدفع مئات الأسر الزراعية في جنوب الصومال إلى الجوع
الفيضانات تدفع مئات الأسر الزراعية في جنوب الصومال إلى الجوع

الشافعي أبتدون، باحث صومالي

أفريقيا برس – الصومال. تواجه نحو 500 أسرة زراعية في قرية بار-سنغوني التابعة لمحافظة جوبا السفلى جنوبي الصومال أزمة غذائية متفاقمة، بعدما دمّرت فيضانات نهر جوبا محاصيلها الزراعية في يونيو/ حزيران الماضي، لتتحوّل الأراضي التي كانت مصدر رزقها الوحيد إلى مناطق منكوبة، في وقت يطالب فيه السكان بتدخل عاجل لإصلاح البنية التحتية المتهالكة التي تتسبب في تكرار الكارثة. فقد باغتت مياه الفيضان المزارعين أثناء موسم حصاد محاصيلهم، وأتت على مساحات واسعة من الأراضي المزروعة بالذرة والسمسم والبقوليات والخضراوات، تاركةً مئات الأسر بلا مصدر دخل أو غذاء.

ويقول المزارع فيصل ظاهر موسى، الذي يمتلك مزرعة تبلغ مساحتها خمسة هكتارات، إن أسرته المكونة من 12 فرداً تعيش اليوم على حافة المجاعة، بعد أن جرفت المياه كامل محصوله. وأوضح أنه اضطر إلى اللجوء إلى صيد الأسماك من نهر جوبا، رغم افتقاره إلى الخبرة والمعدات اللازمة، مشيراً إلى أنه لا ينجح أحياناً سوى في اصطياد سمكة واحدة كل يومين لإطعام أسرته، بينما يعود في أحيان كثيرة خالي الوفاض. ويضيف: “إذا لم نجد السمك نلجأ إلى نباتات برية نسلقها للأطفال. لا يوجد لدينا أي بديل آخر، وحتى الشاي لم يعد متوفراً”. ويخشى موسى فقدان هذا المصدر المحدود للغذاء أيضاً مع انخفاض منسوب مياه النهر، في ظل عدم امتلاكه قارباً أو أدوات تمكنه من الصيد في المياه العميقة.

ولم تقتصر خسائر المزارع على المحاصيل الموسمية، إذ جرفت الفيضانات أكثر من 300 شجرة موز، إضافة إلى محاصيل الذرة والسمسم والفول والخضراوات التي زرعها بقروض حصل عليها مطلع العام. وكان يخطط لسداد نحو ألفي دولار أنفقها على تجهيز الأرض وشراء البذور ودفع أجور ثلاثة عمال، غير أن الفيضان بدد استثماراته بالكامل، تاركاً العمال بلا وظائف.

ويؤكد أن السبب الرئيس في تفاقم الأضرار يعود إلى القنوات المائية القديمة التي تضررت منذ فيضانات عام 2023، ولم تُرمم حتى اليوم، ما جعلها ممراً مباشراً لتدفق مياه النهر إلى المزارع. وقال: “الفيضانات دمرت حياتنا. منذ كارثة عام 2023 تشكلت سبع فتحات كبيرة في السواتر الترابية، وأخطرها أربع فتحات تكفي كميات قليلة من المياه لإغراق جميع المزارع، لكننا لا نملك الإمكانات لإغلاقها”.

ولم تتوقف آثار الفيضانات عند خسارة المحاصيل، إذ فقد موسى منزله المكون من أربع غرف خلال فيضانات عام 2023، ولم يتمكن من إعادة بنائه. وبعد أن شيّد مأوى مؤقتاً من المواد البسيطة، دمّرته الفيضانات الأخيرة أيضاً، قبل أن يعيد ترميمه بشكل بدائي.

وتواجه المزارعة تميرو عبد الله محمد (70 عاماً) ظروفاً مشابهة، بعدما أمضت حياتها في الزراعة، لكنها تقول إنها فقدت الثقة باستمرار هذا النشاط كمصدر للرزق بسبب تكرار الفيضانات. وأوضحت أنها خفضت حجم استثماراتها الزراعية لتجنب خسائر أكبر، إلا أن الفيضان الأخير أتلف محصولها بالكامل، رغم أنها أنفقت نحو 150 دولاراً على زراعته، فضلاً عن اعتمادها على مساعدات الأقارب والشباب في تجهيز الأرض. وقالت: “أنفقت كل ما أملك، وساعدني آخرون في تنظيف المزرعة، لكن المحصول ضاع بالكامل، ولم يعد لدي أي شيء”.

وكانت مزرعتها، البالغة مساحتها هكتارين، مزروعة بمحاصيل غذائية وخضراوات موسمية، من بينها الذرة والفاصولياء والبطيخ والفلفل، إلا أن خسارتها المحصول حرمتها من سداد ديونها لدى المتاجر التي كانت تحصل منها على المواد الغذائية لأسرتها المكونة من خمسة أفراد. ولم تجد بديلاً سوى صيد الأسماك من النهر، وهي عملية لا تضمن لها قوت يومها، إذ تقضي ساعات طويلة على ضفاف النهر في انتظار مرور الأسماك.

ويحمّل سكان بار-سنغوني مسؤولية الكارثة للقنوات المائية التي أُنشئت خلال فترة الحكومة المركزية السابقة لري الأراضي الزراعية، لكنها تُركت دون صيانة منذ انهيار الدولة، لتتحول اليوم إلى ممرات رئيسية تُغرق عبرها مياه الفيضان المزارع والمنازل. ويقول رئيس القرية مصلح علي صالح إن الفيضانات المتكررة أصابت المزارعين بالإحباط، مؤكداً أن المجتمع المحلي لا يملك الإمكانات اللازمة لإصلاح القنوات أو إغلاق الفتحات التي تتسبب في تدفق المياه.

وأضاف مصلح أن المرحلة الأولى من أعمال الإصلاح تحتاج إلى نحو 3500 دولار، إلى جانب معدات هندسية متخصصة لإغلاق مجاري المياه قبل موسم الأمطار. وأشار إلى أن استمرار الخسائر دفع عدداً متزايداً من المزارعين إلى هجر أراضيهم والانتقال إلى المدن الكبرى بحثاً عن أعمال يومية بعد أن فقدوا الأمل في استعادة نشاطهم الزراعي. وقال: “الكثير من الأسر تركت الزراعة واتجهت إلى المدن للعمل في المهن البسيطة، لأن الفيضانات أصبحت تقضي على محاصيلهم عاماً بعد آخر”.