ربيعة خطاب
أفريقيا برس – الصومال. يفتح إعلان الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، إلغاء كافة الاتفاقيات والشراكات المبرمة مع دولة الإمارات العربية المتحدة الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات بين مقديشو وأبوظبي، في خطوة تحمل أبعاداً سياسية وأمنية واستراتيجية تتجاوز الخلافات الثنائية المباشرة. فالقرار الصومالي يأتي في سياق حديث رسمي عن السيادة الوطنية ووحدة الأراضي ورفض أي ترتيبات تعتبرها مقديشو مساسا بصلاحيات الدولة الفيدرالية، بينما يطرح في المقابل تساؤلات حول مستقبل النفوذ الإماراتي في القرن الإفريقي وانعكاسات هذه القطيعة على التوازنات الإقليمية، خصوصاً في ظل الموقع الاستراتيجي للصومال وأهميته بالنسبة لأمن البحر الأحمر وخليج عدن.
وفي هذا السياق، يرى الدبلوماسي السابق، الشافعي يوسف، أن ما صدر عن مقديشو يعكس وصول القيادة الصومالية إلى قناعة بأن العلاقة مع أبوظبي تحتاج إلى إعادة تعريف شاملة، بحيث تقوم على الندية والاحترام المتبادل، وليس على اختلال موازين النفوذ.
ويقول الدبلوماسي السابق، الشافعي يوسف، إن إلغاء الاتفاقيات بهذه اللهجة الحادة ينبغي وضعه في إطار أوسع يتعلق برؤية مقديشو لطبيعة العلاقة التي تريدها مع القوى الإقليمية. ويوضح أن الصومال يبدو أنه وصل إلى قناعة مفادها أن الشراكة لا يمكن أن تتحول إلى تفويض مفتوح يسمح بالتدخل في القرار الوطني أو التعامل مع بعض المناطق والأطراف خارج الإطار الذي تحدده الدولة المركزية. ويؤكد الشافعي يوسف أن الرسالة الصومالية واضحة: البلاد تريد علاقات خارجية قائمة على الاحترام، لكنها في الوقت نفسه ترفض أن تصبح أراضيها ساحة مفتوحة لإدارة النفوذ من الخارج.
ويضيف الدبلوماسي السابق الشافعي يوسف أن امتلاك الإمارات للقدرات المالية والاستثمارية والأدوات السياسية لا يعني امتلاكها حق التأثير في جوهر القرار السيادي الصومالي. فالاتفاقيات الاقتصادية أو الأمنية، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تمنح أي طرف خارجي حق التعامل مع أراضي دولة ذات سيادة باعتبارها مناطق نفوذ خاصة. ويرى أن ما حدث يمثل تذكيراً بأن النفوذ السياسي والاقتصادي يظل مختلفاً عن السيادة الوطنية، وأن الدولة المضيفة هي التي تحدد في النهاية طبيعة الشراكات وحدودها. وبحسب الشافعي يوسف، فإن أي علاقة لا تقوم على هذه القاعدة تكون معرضة للاهتزاز مهما طال عمرها.
وفيما يتعلق بإمكانية استخدام أبوظبي أوراقها الاقتصادية والأمنية للضغط على مقديشو، يرى الدبلوماسي السابق الشافعي يوسف أن الرهان على حاجة الصومال إلى الاستثمارات أو الدعم الأمني من أجل دفعه إلى التراجع قد يكون حساباً سياسياً محفوفاً بالمخاطر. ويشير إلى أن الصومال يحتاج بالفعل إلى شراكات اقتصادية وأمنية، لكن حاجته إلى هذه الشراكات لا تعني استعداده للتنازل عن قراره الوطني. ويؤكد أن الأموال والاستثمارات يمكن تعويضها أو البحث عن بدائل لها، كما يمكن للدول إعادة ترتيب شراكاتها، بينما يصبح التنازل عن السيادة أو وحدة الأراضي أكثر تعقيداً وكلفة على أي حكومة.
ويشدد الدبلوماسي السابق الشافعي يوسف على أن محاولة تحويل الأدوات الاقتصادية إلى وسيلة ضغط سياسي قد تأتي بنتائج عكسية، لأن الدولة التي تشعر بأن قرارها السيادي أصبح موضع مساومة قد تتجه إلى البحث عن بدائل حتى لو كانت هذه البدائل أكثر تكلفة على المدى القصير. ويضيف أن العلاقات الدولية لا تُبنى فقط على حجم الأموال والاستثمارات، وإنما أيضاً على الثقة والاحترام المتبادل. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار أي شراكة يحتاج إلى اقتناع الطرفين بأن المصالح المشتركة لا تعني انتقاصاً من استقلال القرار الوطني.
ويرى الدبلوماسي السابق الشافعي يوسف أن القرار الصومالي يمثل في الوقت ذاته إحراجاً سياسياً لأبوظبي، خصوصاً أنه يطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل مشروع النفوذ الإماراتي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ويوضح أن الإمارات استطاعت خلال السنوات الماضية بناء حضور مؤثر في عدد من الملفات والمناطق الاستراتيجية في الإقليم، مستفيدة من أدوات اقتصادية وأمنية واستثمارية، إلا أن اتساع الحضور الجغرافي لا يعني بالضرورة امتلاك نفوذ دائم وغير قابل للتحدي. ويعتبر أن موقف مقديشو الحالي يؤكد أن الدول المضيفة تستطيع في مرحلة معينة إعادة تقييم علاقاتها وإعادة رسم حدود النفوذ الخارجي داخل أراضيها.
ويؤكد الدبلوماسي السابق الشافعي يوسف أن أهمية التطور الحالي تكمن في الرسالة التي يمكن أن تصل إلى بقية دول القرن الإفريقي والبحر الأحمر. فوجود استثمارات أو شراكات في الموانئ أو ترتيبات أمنية لا يمنح الدولة الخارجية ملكية القرار الوطني للدولة المضيفة. ويقول إن أبوظبي، إذا أرادت الحفاظ على حضورها الإقليمي، ستكون مطالبة بإعادة النظر في طبيعة أدوات نفوذها، والانتقال من مفهوم التأثير إلى مفهوم الشراكة المتوازنة. فالدول قد ترحب بالاستثمارات والدعم والخبرات، لكنها في الوقت نفسه تريد أن تظل صاحبة الكلمة الأخيرة فيما يتعلق بأمنها ووحدة أراضيها وسياساتها الخارجية.
وفي تقدير الدبلوماسي السابق الشافعي يوسف، فإن أحد أبرز الأسئلة التي تفرض نفسها هو ما إذا كانت أبوظبي قد بالغت في تقدير قدرتها على التأثير في القرار الصومالي. ويشرح أن امتلاك المال والعلاقات السياسية والأدوات الأمنية يمنح قوة ونفوذاً، لكنه لا يضمن استمرار هذا النفوذ بالوتيرة نفسها مهما تغيرت الظروف السياسية. فالحكومات تتغير، والأولويات الوطنية تتبدل، والتحالفات يعاد تشكيلها وفقاً للمصالح. ولذلك، فإن أي قوة إقليمية تبني علاقاتها على افتراض أن الطرف الآخر سيظل دائماً محتاجاً إليها قد تكتشف في لحظة معينة أن المعادلة تغيرت.
ويشير الدبلوماسي السابق الشافعي يوسف إلى أن مقديشو، من خلال قرارها، تحاول إرسال رسالة مفادها أن قواعد العلاقة مع أبوظبي لم تعد كما كانت، وأن الدولة الصومالية تريد أن تكون صاحبة القرار النهائي في جميع الملفات التي تمس أراضيها ومصالحها القومية. ويعتبر أن هذا التحول قد يدفع الطرفين، في حال أرادا تجنب قطيعة طويلة الأمد، إلى إعادة فتح قنوات الحوار على أسس جديدة. لكن أي حوار مقبل، بحسبه، سيكون بحاجة إلى معالجة جوهر الخلافات وليس الاكتفاء بإعادة إنتاج الاتفاقيات السابقة بصيغ مختلفة.
وفي السياق الإقليمي، يرى الدبلوماسي السابق الشافعي يوسف أن الأزمة بين مقديشو وأبوظبي قد تتجاوز حدود العلاقة الثنائية، نظراً للموقع الاستراتيجي للصومال على خليج عدن وقربه من طرق التجارة الدولية وممرات الطاقة في البحر الأحمر. ويضيف أن أي إعادة ترتيب في التحالفات الصومالية ستراقبها قوى إقليمية ودولية عديدة، الأمر الذي قد يفتح أمام مقديشو خيارات جديدة لتنويع شركائها وعدم الارتهان لعلاقة واحدة. وفي المقابل، فإن أبوظبي ستواجه تحدي الحفاظ على مصالحها ونفوذها في منطقة شديدة الأهمية من دون تحويل هذا النفوذ إلى عامل يدفع الدول المضيفة إلى مواجهته.
ويلفت الدبلوماسي السابق الشافعي يوسف إلى أن التطور الأخير يضع السياسة الإماراتية في القرن الإفريقي أمام اختبار حقيقي، ليس فقط من حيث قدرتها على الحفاظ على الاستثمارات والشراكات، وإنما من حيث قدرتها على بناء علاقات طويلة الأمد قائمة على الندية. ويؤكد أن النفوذ الإقليمي مهما كان واسعاً لا يمكن أن يصبح بديلاً عن احترام سيادة الدول، وأن الشراكة الحقيقية تُختبر عندما يكون للطرف الآخر الحق في القبول والرفض وإعادة التفاوض. ويختتم الشافعي يوسف بالقول إن أقوى رسالة يمكن استخلاصها من الموقف الصومالي هي أن الدولة التي تستضيف النفوذ الخارجي تظل في النهاية صاحبة القرار بشأن حدوده؛ فالنفوذ قد يفتح الأبواب، لكن احترام السيادة وحده هو الذي يضمن بقاءها مفتوحة.
المصدر: الأيام





