الشافعي أبتدون
أفريقيا برس – الصومال. انطلقت في العاصمة الصومالية مقديشو، أعمال منتدى التواصل التجاري الصومالي – الصيني، بمشاركة وفد تجاري صيني يضم 31 مشاركاً يمثلون تسع قطاعات، في خطوة تستهدف توسيع الشراكات الاقتصادية وتعزيز الاستثمارات الصينية في الصومال.
ونظمت وزارة التجارة والصناعة الصومالية المنتدى بالتعاون مع غرفة التجارة والصناعة الصومالية وغرفة التجارة الصينية – الأفريقية، في قاعة القوات المسلحة الصومالية في مقديشو، فيما افتتح أعماله نائب رئيس الوزراء الصومالي صلاح أحمد جامع. وشهد المنتدى، مراسم توقيع اتفاق بين غرفة التجارة والصناعة الصومالية وغرفة التجارة الصينية – الأفريقية في تشجيانغ وييوو، في إطار مساعي البلدين إلى توسيع قنوات التواصل المباشر بين مجتمعَي الأعمال.
منتدى لتحويل التجارة إلى استثمار
ويأتي انعقاد المنتدى في وقت تسعى فيه مقديشو إلى إعادة صياغة علاقتها الاقتصادية مع الصين، التي تعد أحد أهم مصادر الواردات إلى السوق الصومالية، عبر جذب الاستثمارات الصينية إلى قطاعات الإنتاج والتصنيع بدلاً من اقتصار العلاقة على التجارة واستيراد السلع.
وقال وزير التجارة والصناعة الصومالي جمال محمد إن “حجم التجارة بين البلدين يقدر بأكثر من مليار دولار”، لكنه أشار إلى اختلال واضح في الميزان التجاري، إذ تميل الكفة بصورة كبيرة نحو الواردات من الصين. وشدّد على أن الحكومة تسعى إلى تعزيز الإنتاج المحلي وتقليص الفجوة بين الواردات والصادرات، داعياً غرف التجارة في البلدين إلى توقيع مزيد من الاتفاقيات التي يمكن أن تفتح المجال أمام شراكات استثمارية وصناعية جديدة.
وأضاف أن “الحكومة تريد تحويل هذا النمط إلى شراكة أكثر توازناً، من خلال تشجيع الشركات الصينية على إنشاء مصانع داخل الصومال، وإنتاج سلع تحمل علامة صنع في الصومال، بما يتيح توسيع الصادرات وخلق فرص عمل محلية”. وأشار إلى أن “الصومال يسعى إلى الاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا الصينية في مجالات التصنيع والطاقة وغيرها”، مؤكداً أن المنتجات التي يتم تصنيعها محلياً يمكن أن تستهدف أسواقاً أوسع في أفريقيا وأوروبا، وليس السوق الصينية فقط.
ودعا وزير التجارة والصناعة الصومالي، الشركات والمستثمرين الصينيين إلى توسيع حضورهم في السوق الصومالية، والانتقال من التركيز على تصدير السلع إلى الاستثمار في الإنتاج المحلي، بما يساعد مقديشو على تقليص الاختلال الكبير في الميزان التجاري مع الصين.

مليار دولار وفجوة تجارية واسعة
وتعود العلاقات الدبلوماسية بين الصومال والصين إلى عام 1960، بينما رُفعت العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية في سبتمبر/أيلول 2024. كما تمتد المساعدات والتعاون الاقتصادي الصيني مع الصومال إلى عقود، وشملت مشاريع في قطاعات البنية التحتية والصحة والتعليم والزراعة.
ويرى الوزير الصومالي أن الاستفادة الحقيقية من العلاقات التجارية مع الصين لا تقتصر على استيراد السلع، بل تتطلب نقل جزء من عملية الإنتاج إلى داخل الصومال. وأوضح أن بلاده تمتلك فرصة للاستفادة من التسهيلات التجارية التي تتيحها الصين للمنتجات الصومالية، لكن تحقيق ذلك يتطلب إنشاء مصانع قادرة على تحويل المواد الخام المحلية إلى منتجات تحمل علامة “صنع في الصومال”.
وقال إن الحكومة تعمل على سياسة صناعية تستهدف تشجيع إنشاء المصانع وتوفير فرص العمل، داعياً الشركات الصينية إلى الاستثمار في قطاعات التصنيع والطاقة والتكنولوجيا وغيرها من المجالات التي يحتاج إليها الاقتصاد الصومالي.
مصانع صينية تحمل علامة صنع في الصومال
وأشار إلى أن المنتجات المصنّعة في الصومال لن يكون سوقها مقتصراً على الصين، بل يمكن تصديرها إلى أسواق أفريقية وأوروبية وأسواق دولية أخرى، بما يجعل الاستثمار الصناعي في الصومال بوابة إلى أسواق أوسع. كما أعلن الوزير عن إجراءات لتسهيل تسجيل الشركات وإصدار التراخيص التجارية، ولا سيما للشباب والنساء، من بينها إتاحة التسجيل الرقمي وخفض تكاليف الحصول على التراخيص.
من جانبه، قال نائب رئيس الوزراء صلاح أحمد جامع إن “الحضور الصيني المتزايد في مقديشو يمثل فرصة للصومال للاستفادة من تجربة الصين في التنمية الاقتصادية ومكافحة الفقر”. وأشار إلى أن “الصين تمكنت خلال العقود الماضية من تحقيق تحول اقتصادي واسع”، معتبراً أن “التجربة الصينية، إلى جانب تجارب دول آسيوية أخرى مثل سنغافورة واليابان وتايلاند وماليزيا، يمكن أن تقدم دروساً للصومال في مجالات التخطيط والتدريب والتصنيع وخلق فرص العمل”. وأكد أن الحكومة الصومالية تسعى، من خلال خطة التحول الوطني، إلى إخراج البلاد من الفقر عبر تعزيز الإنتاج والاستثمار وبناء القدرات البشرية.

النموذج الصيني بوابة لمكافحة الفقر
لا يأتي هذا التوجه الصومالي بمعزل عن تحولات أوسع في علاقة الصين بالقرن الأفريقي. فقد أصبحت المنطقة خلال العقدين الماضيين واحدة من أبرز ساحات الحضور الاقتصادي الصيني في أفريقيا، خصوصاً في جيبوتي وإثيوبيا، إضافة إلى امتداد هذا الحضور إلى دول شرق أفريقيا.
وتجمع الاستراتيجية الصينية بين التجارة والاستثمار وتمويل البنية التحتية وإنشاء المناطق الصناعية واللوجستية، وهي قطاعات تتقاطع مع مبادرة “الحزام والطريق”. وتُعد جيبوتي وإثيوبيا المثال الأبرز على هذا النموذج؛ إذ ارتبطت الاستثمارات الصينية بالسكك الحديدية والطرق والطاقة والموانئ والمناطق الاقتصادية الخاصة.
ويعكس هذا الحضور تحولاً في طبيعة النفوذ الاقتصادي الصيني في المنطقة؛ فالأمر لم يعد يقتصر على تمويل مشروع منفرد أو بناء طريق، بل يتجه نحو إنشاء منظومات مترابطة تشمل الموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية والتجارة.
وبحسب خبراء اقتصاديين فإن الممر الذي يربط جيبوتي بإثيوبيا أصبح نموذجاً لهذا النهج، من خلال الجمع بين البنية اللوجستية في جيبوتي، والتصنيع في المناطق الصناعية الإثيوبية، وخط السكك الحديدية الذي يربط الطرفين. وتتبنى الصين في الوقت نفسه سياسة أوسع تجاه أفريقيا تركز على ربط البنية التحتية بالتصنيع والتجارة. ففي خطة عمل منتدى التعاون الصيني الأفريقي 2025 – 2027، تعهدت بكين بدعم مشروعات البنية التحتية وسلاسل الإمداد والمناطق الصناعية والتصنيع والطاقة والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب برامج تستهدف الشركات الأفريقية الصغيرة والمتوسطة.

من سوق للواردات إلى قاعدة إنتاج
بالنسبة إلى الصومال، فإن موقعه الجغرافي على المحيط الهندي وقربه من خليج عدن وباب المندب يمنحه أهمية مختلفة عن إثيوبيا وجيبوتي. وتدرك مقديشو أن جذب الاستثمارات الصينية لا ينبغي أن يقتصر على زيادة حجم الواردات، بل يمكن توظيفه لبناء قاعدة إنتاج محلية وربطها بالأسواق الإقليمية والدولية.
ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه الحكومة الصومالية إلى الانتقال تدريجياً من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات والمساعدات والتحويلات إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على الإنتاج والاستثمار والتصنيع.
وتكمن المعضلة الرئيسية في قدرة الصومال على تحويل الاهتمام الصيني من سوق للمنتجات الصينية إلى قاعدة إنتاج واستثمار. ويتطلب ذلك تحسين بيئة الأعمال، وتوفير الطاقة بأسعار تنافسية، وتطوير الموانئ والطرق، وتعزيز الأمن والاستقرار، وتوفير أطر قانونية واضحة لحماية المستثمرين.
وفي حال نجحت مقديشو في تحقيق ذلك، فإن الصين قد لا تكون مجرد مصدر رئيسي للواردات الصومالية، بل يمكن أن تصبح شريكاً في بناء قطاعات إنتاجية جديدة، خصوصاً في الصناعات الغذائية والزراعية، والثروة الحيوانية، والطاقة، واللوجستيات، والتصنيع الخفيف.





