ما مستقبل “القاعدة” في أفريقيا بعد مقتل الظواهري؟

8
ما مستقبل
ما مستقبل "القاعدة" في أفريقيا بعد مقتل الظواهري؟

أفريقيا برس – الصومال. طرح مقتل زعيم تنظيم “القاعدة” أيمن الظواهري في 31 يوليو (تموز) خلال غارة أميركية بطائرة مسيرة في كابول أسئلة عدة عن تأثير مقتله في نشاط التنظيم في أفريقيا، حيث تستمد التنظيمات الإسلامية هناك أسباب وجودها وتوسعها منه. ومنذ مقتل زعيمه أسامة بن لادن عام 2011، لم تتغير طبيعة أهدافه بضرورة مواصلة نشاطه في الإرهاب العالمي والعداء للغرب خصوصاً الولايات المتحدة، بينما تغير نهجه من الاعتماد الكامل على قيادة التنظيم وانتظار التوجيهات إلى العمل باستقلالية تدرجت إلى أن بقي من اسم “القاعدة” رمزيتها فقط.

هذا التكتيك المرحلي هو ما جعل الغرب يعتقد أن تنظيم “القاعدة” أقل خطورة من “داعش”، وعند إمعان النظر في تسلسل العمليات الأخيرة واستمراريتها في تنسيق زماني ومكاني يربط بين شمال غربي أفريقيا الذي يمثله “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، نزولاً إلى غرب القارة بعد انضمام هذا التنظيم في 2017 إلى تحالف تقوده “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” بمنطقة الساحل وغرب أفريقيا، وصولاً إلى شرقها حيث جماعة “تنظيم الشباب” الصومالية التي أعلنت انضمامها إلى تنظيم “القاعدة” منذ عام 2012، نجد أن “القاعدة” يوفر قوة روحية للتنظيمات المنتمية إليه تزيد حماسها وتبث الروح في دافعيتها.

وأسهمت مغادرة الولايات المتحدة وفرنسا المنطقة والتوسع القائم على العلاقات المتداخلة بين المجتمعات المحلية في إضفاء سبب آخر لاتحاد هذه الجماعات، قائم على تشبيك التنظيمات بعضها ببعض.

بيئة محفزة

يتطلب فهم طبيعة التهديد الإرهابي في أفريقيا مراعاة البيئة التي يعمل فيها الإرهابيون، والترابط بين المشكلات الأمنية السياسية، والأيديولوجية الاجتماعية، ضمن أزمة عدم الاستقرار السياسي في أفريقيا وحالات التمرد على النظام القائم، ونشاط الميليشيات المسلحة. كل هذه المكونات توفر بيئة مناسبة لانتشار الإرهاب، وتنفيذ عمليات إرهابية داخلية أو منطلقة من هذه المناطق إلى أهداف أخرى.

ينطلق نشاط “القاعدة” ومن بعده “داعش” والجماعات المحلية مثل “بوكوحرام” و”الشباب الصومالية” وغيرها من عاملي الإثنية في كل دولة والإسلام الذي يجمع بين هذه المجتمعات. أما الصراع الإثني فمفهوم في إطار النزاعات الأفريقية بأنه وقود سريع الاشتعال في مجتمعات القارة السمراء يتداخل مع الصراع السياسي، وأما الصراع الديني فباعتبار أن هذه المجموعات تدين كلها بالإسلام، فإن منبع نشاطها ينطلق من التفرقة بين مسلمين “أصيلين” حسب مفهومهم ومسلمين موالين للغرب ومنفذين لسياساته، هذا من جهة. ومن جهة أخرى يقوم الصراع على اختلاف الأديان بين الجماعات الإرهابية والمجموعات الأخرى التي تدين بالمسيحية مثل الصراع المحتدم في نيجيريا وغيرها.

كما يتطلب الأمر أيضاً الوقوف على حجم التحولات التي طرأت على الجماعات الإرهابية، ما بين الصراع على الوجود في منطقة معينة بين “القاعدة” و”داعش”، والصراع داخل التنظيم الواحد على النفوذ. فبينما ارتكز “داعش” على استمداد قوته بشكل رأسي من روح الزعامة قبل مقتل قائده أبو بكر البغدادي في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، فإن “القاعدة” استفاد وتطور بشكل أفقي على خلفية الصراعات الداخلية في المجتمعات الأفريقية، بين القبائل والإثنيات المختلفة، ما مكن الجماعات التابعة للتنظيم من الإعلان عن زعيم وقتي من دون الحاجة إلى الرجوع للقيادة التي لم يرد منها ما يفيد الاعتراض على القيادات الفرعية، ولم تهتم بتمحيص ولائها الكامل ما دامت تابعة لها.

تداخل العمليات

من أفغانستان إلى السودان في بداية تسعينيات القرن الماضي كان تنظيم “القاعدة” يحصل على إمدادات مالية ولوجيستية وعسكرية من دون أن يلفت الأنظار إلا بعد تنفيذ عملية ما. وفي بداية الألفية بدأت الجماعات التابعة لـ”القاعدة” بشن عمليات محدودة تهدف إلى تحقيق مردود لأنشطتها من البؤر التي تنطلق منها في مسارح أخرى بعيدة حتى لا تكشف عن وجودها.

وأعلنت أغلب هذه الجماعات ولاءها لتنظيم “القاعدة” في تلك العشرية، ومنها “الجماعة السلفية للدعوة في مالي”، و”تنظيم الشباب” في الصومال، و”الجماعة السلفية للدعوة والقتال” التي اقترن اسمها بـ”القاعدة” ومنطقة وجودها فأصبحت “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”. وبإنشاء فرع التنظيم في موريتانيا، استطاع أن يطوق قوات مالي. وتسارع نشاطه في الفترة من عام 2007 إلى 2012 مع أحداث “الربيع العربي”، والتي اعتقد أنها ستكون لصالح الجماعات الإسلامية كلها وليس “جماعة الإخوان” فقط، حتى تتمكن جميعها من الاتحاد وتكون “الدولة الإسلامية الشاملة”. وقد ورد أن أيمن الظواهري أرسل إلى “جماعة الإخوان” رسائل تدعوها إلى “الاتحاد تحت قيادة واحدة، كونها جميعاً تمر بأزمات وفشل سياسي”.

ولتحقيق هذا الغرض تركزت آليتها في استثمار النزعة الراديكالية الإسلامية المناضلة التي جمعت متشددين وحانقين على النظم السياسية في بلدانهم، وكان أن بدأت الاستفادة من حالات التداخل والاندماج بين مكونات اجتماعية مختلفة في إنشاء ميليشيات تابعة لها تنظيمياً من دون أن تلزمها بتبعيتها الأيديولوجية. وكانت هذه مرحلة مهمة في تحول التنظيم من صعود الجماعات الإسلامية المسلحة المحلية التي تشترك مع تنظيم “القاعدة” في أهدافه إلى استقطاب جماعات مسلحة أخرى ربما يكون هدفها أيضاً إسقاط النظام السياسي ولكنها تختلف مع “القاعدة” أيديولوجياً.

وأسهم ظهور جماعات جديدة تربطها علاقات مع “القاعدة” في توسعها، واستمرت حتى بعد ظهور “داعش” لتقدم دليلاً آخر على التداخل بين الإرهاب في أفريقيا والمشكلات السياسية. وتواصل وجود “القاعدة” في غرب أفريقيا نتيجة هذا التداخل، وباندماج جماعات “أنصار الدين” ومجموعاتها الفرعية و”تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” تشكلت “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”.

رمزية القيادة

أما في شرق أفريقيا، وعلى أثر انسحاب القوات الأميركية، فقد شهدت منطقة القرن الأفريقي نشاطاً كثيفاً، حيث نفذت جماعة “تنظيم الشباب” الصومالية في فبراير (شباط) الماضي نحو 65 هجوماً في الصومال وكينيا، ما عدته الولايات المتحدة واقعاً أشد خطورة من قبل، وتبع ذلك التفكير في إمكانية مواصلة إضعاف التنظيم.

بعد أن أفقد الظواهري التنظيم جاذبيته في أفريقيا، إذ لم يكن سوى رمز فقط له من دون أن يكون لشخصيته تأثير مباشر في التنظيمات المتفرقة التابعة لـ”القاعدة”، يمكن لشخصية قيادية جديدة أن تعيد للتنظيم حيويته بأن تشعل روح منافسة جديدة في مواجهة “داعش”. ويعتمد ذلك على انتهاج استراتيجية جديدة تمكن التنظيم من التعامل وفقاً لتطورات الأحداث في أفريقيا، فبعد انسحاب الولايات المتحدة نسبياً، وتكاسل فرنسا عن الاستمرار في مكافحة الإرهاب في مستعمراتها السابقة، أصبح هناك الوجود الروسي، ويمكن للتنظيم أن يتعامل وفقاً لهذا المعطى الجديد وفق احتمالين، إما أن يناصبه العداء، أو أن يضطر إلى التحالف معه عبر مجموعة قوات “فاغنر” نكاية في الولايات المتحدة، والراجح أن تحرك تنظيم “القاعدة” ظل منذ مقتل زعيمه أسامة بن لادن وفقده كثيراً من قوته يتحرك على مستوى القيادات الفرعية في بؤر معينة في أفريقيا، وهذا ما يوفر له قدراً من الاستقلالية وحرية التحالف مع التنظيمات الأخرى أو مع كيانات خارج التنظيمات الإسلامية من أجل تنفيذ خططه وأهدافه، وربما يخدمه هذا العامل في تنفيذ خطط عشوائية كثيرة لا تتبع للقيادة الأم ولكنها تسبب أضراراً كبيرة.

كما سيبعد التنظيم التعامل من خلال أفرعه من الإعلام وسيخف التركيز عليه ما يجعل هجماته مباغتة وغير محسوبة. وهذا على عكس نهج “داعش”، إذ إن قدرته على التمدد محدودة لأنه يعتمد على انتظار الأوامر من قيادة التنظيم، كما أن هناك بعض الجفوة بين تنظيم “داعش” والجماعات التابعة له، بسبب إرغامها على الولاء المطلق، وتنفيذ الأوامر العليا من دون تدرج، وعدم السماح للجماعات التابعة بحرية اتخاذ القرار في بعض العمليات السريعة التي تنشأ الحاجة إليها بحسب ما يقتضيه الوضع.

عوامل مؤثرة

يعتمد استمرار نشاط تنظيم “القاعدة” في أفريقيا التي تعاني كثيراً من الأزمات السياسية والاقتصادية على عوامل خارجية، منها تلك المتعلقة بالقيادات المحتملة للتنظيم، ومنهم مرشحون حاليون لخلافة أيمن الظواهري، جلهم من شمال أفريقيا، فبعد أن كان التنظيم في حال تنافس ومقارنة بتنظيم “داعش” وفر تجدد القيادات بعد مقتل زعيميه دافعاً آخر للتنافس، ولكن هذه المرة بقيادات ربما تكون أوفر تأثيراً من الظواهري.

ومن العوامل الخارجية المؤثرة أيضاً مقدار الدعم الذي يمكن أن تحصل عليه الدول الأفريقية من الولايات المتحدة والدول الأوروبية لتلعب دوراً في كبح جماح تنظيم “القاعدة” والجماعات التابعة له. وربما يكون من المناسب دمج الدعم الأمني والعسكري بنوع من الدعم التنموي، والتدريب للقوات المحلية مثلما حدث في عام 2003 عند إنشاء “مبادرة دول الساحل الشاملة”، ثم عند إنشاء شراكة “مكافحة الإرهاب عبر الصحراء” في عام 2005.

أما العوامل الداخلية فتنبع من بيئة الصراعات السياسية القائمة على أساس إثني وطائفي، التي مثلت روابط مشتركة بين أغلب الدول الأفريقية التي ينشط فيها هجوم “القاعدة” والجماعات التابعة له، ما يلفت إلى ضرورة التركيز على الاستفادة من الدعم الخارجي بتحقيق الاستقرار السياسي كأولوية لمكافحة الإرهاب، ومساعدة هذه الدول في صياغة تشريعات تراعي تطبيق العدالة وتلتزم بها في مجتمعاتها المحلية، لأن أغلب حالات التمرد ضد النظم السياسية من المجموعات التي انضمت إلى تنظيم “القاعدة” تشكو من المظلومية وتهميش مجتمعاتها المحلية.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الصومال اليوم عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here