معركة مرتقبة في جلمدغ الصومالي: مخاوف من سيناريو تيغراي

11
معركة مرتقبة في جلمدغ الصومالي: مخاوف من سيناريو تيغراي
معركة مرتقبة في جلمدغ الصومالي: مخاوف من سيناريو تيغراي

أفريقيا برسالصومال. يسود تخوف من اندلاع قتال عنيف بين القوات الصومالية ومسلحي تنظيم “أهل السنّة والجماعة” وسط الصومال، وذلك بعد عودة مقاتلي التنظيم إلى الواجهة أخيراً، باستيلائهم على مدينة جرعيل الاستراتيجية في إقليم جلمدغ، مطلع أكتوبر/تشرين الأول الحالي. وإثر وصول قيادات التنظيم (أبرزهم معلم محمود وشيخ شاكر) إلى الإقليم في زيارة موسمية لأحد المشايخ الصوفيين، تحولت الزيارة إلى تحشيد لمسلحي التنظيم والعودة إلى معقلهم الرئيسي وسط البلاد، وهي خطة يخشى مراقبون من أن تؤجج نزاعاً في الإقليم الذي كان يشهد تطوراً سياسياً منذ انسحاب “أهل السنّة والجماعة” من المشهد السياسي والعسكري في جلمدغ بصفقة مع الحكومة الصومالية عام 2019، تم بموجبها ضمّ مسلحيه إلى الجيش الصومالي. ومن شأن أي نزاع محتمل في الإقليم أن يلقي بثقله على مسار الانتخابات في البلاد، ويهدد باستنساخ تجربة الحرب الدائرة في إقليم تيغراي، شمالي إثيوبيا.

انسحب تنظيم “أهل السنّة والجماعة” من المشهد السياسي والعسكري في جلمدغ بصفقة مع الحكومة عام 2019

وتواصل الحكومة الصومالية إرسال تعزيزات عسكرية إلى إقليم جلمدغ منذ أسبوع، ووصلت طائرات محمّلة بمئات الجنود من العاصمة مقديشو إلى مدينة طوسمريب (عاصمة جلمدغ)، وتحركت تلك القوات الأربعاء الماضي باتجاه البلدات الغربية القريبة من مدينة جرعيل التي تقع تحت قبضة مسلحي “أهل السنّة والجماعة”، لفرض حصار وقطع طرق الإمدادات عن المدينة. وتأتي التعزيزات قبل شن حرب عسكرية حكومية على مسلحي التنظيم، الذين حفروا خنادق خارج المدينة التي فرّ منها معظم السكان، وفق مصادر صحافية.

وفشلت محاولات للتوسط بين إدارة الإقليم والتنظيم للجلوس على طاولة المفاوضات وحل الخلافات بالتفاهمات السياسية، لتجنيب الإقليم حرباً طاحنة ستؤثر سلباً على الوضع الأمني والاقتصادي فيه. كما فشلت جهود وزير الأمن في حكومة إقليم جلمدغ، أحمد معلم فقي، في حل النزاع، ليعلن استقالته مساء الخميس الماضي، بسبب خلاف بينه وبين رئيس الإقليم أحمد قورقور في كيفية مواجهة “أهل السنّة”، إذ رفض الأخير مقترح الوزير بإنهاء النزاع سلمياً، ليتبنّى قورقور الخيار العسكري لمواجهة التنظيم. وأوضح وزير الأمن أحمد فقي، أن الدخول في صراع مسلح مع تنظيم “أهل السنّة” سيخلّف مشاكل أمنية، وأن الحوار هو السبيل الوحيد لنزع فتيل التوتر في الإقليم، مشيراً إلى أن الاستعانة بجنود حكوميين من مقديشو لن تخدم مصلحة الإقليم، وأنه لم يكن على علم بنقل مئات الجنود من العاصمة الصومالية إلى الإقليم بهدف شنّ حرب عسكرية ضد التنظيم وسط البلاد.

وتفاوتت آراء الباحثين حول أسباب عودة تنظيم “أهل السنّة” إلى وسط البلاد على نحو سريع، ويلقي كثيرون منهم اللوم على رئيس الإقليم أحمد قورقور الذي لم يلعب دوراً كبيراً في تنمية الإقليم منذ انتخابه رئيساً له قبل عامين، وجلس في مقديشو للتوسط بين الرئيس الصومالي محمد فرماجو ومعارضيه من اتحاد المرشحين. وقال الباحث في شؤون الحركات الإسلامية أنور ميو، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن عودة التنظيم إلى الواجهة تعكس مدى فشل حكومة الإقليم أمنياً وسياسياً، وإن رئيسها فشل في التحكّم بالوضع الملتهب في جلمدغ، كما أن قوات الإقليم المحلية فشلت فشلاً ذريعاً في صدّ هجمات حركة “الشباب” في جنوب إقليم مدق، وتقهقرت في حملتها الأخيرة ضدها في أغسطس/آب الماضي. وكانت حركة “الشباب” بالأساس تسيطر بالكامل منذ سنوات عديدة على شرق إقليم جلمدغ، ما خلق انطباعات سلبية ومحبطة في الأوساط المحلية، وأعطى تنظيم “أهل السنّة”، الذي كان يقدّم نفسه كخط الدفاع الأول عن الإقليم لإبعاد خطر “الشباب”، ضوءاً أخضر للعودة تحت ذريعة حماية الإقليم من خطر تمدد الحركة.

وأضاف ميو أن سيطرة التنظيم الصوفي مطلع سبتمبر/أيلول الماضي على جرعيل، كبرى مدن إقليم جلمدغ، قد تقلب الموازين السياسية والعسكرية في الإقليم، خصوصاً على عملية تنظيم الانتخابات البرلمانية في الولاية، وربما ستؤدي إلى تأجيل الانتخابات إما جزئياً أو كلياً في الإقليم. وأشار إلى أن هناك رفضاً سياسياً من عشيرة رئيس الإقليم، خصوصاً في كيفية إدارته لانتخابات مقاعد مجلس الشيوخ التي نُظمت في الإقليم في أغسطس/آب الماضي، عندما حاول إدارة توزيع بعض مقاعد مجلس الشيوخ في الولاية، وأطاح شخصيات متنفذة، وأعاد حلفاءه القدامى، ولم يراع الحساسيات القبلية والعشائرية تجاه عملية حجب بعض السياسيين والنواب عن الترشح لمقاعد البرلمان. وزاد ذلك من معارضيه في الإقليم لا سيما من أبناء عشيرته.

ودعا سياسيون يتحدرون من الإقليم إلى حل النزاع بالحوار، لكن فرص تسوية هذه الخلافات بين حكومة جلمدغ وتنظيم “أهل السنّة” تبدو ضئيلة جداً مقارنة بالحشد العسكري الذي تحضّره الحكومة الصومالية وولاية جلمدغ. واستبعد الصحافي الصومالي محمد عثمان، في حديث لـ”العربي الجديد”، التوصل إلى تسوية سلمية في الظروف الحالية، إن لم تكن مستحيلة، لافتاً إلى أن الاستعدادات العسكرية الجارية وحشد القوات تشير إلى حتمية المواجهة العسكرية بين الطرفين.

رفض رئيس الإقليم أحمد قورقور إنهاء النزاع سلمياً، وتبنّى الخيار العسكري لمواجهة التنظيم

ورأى عثمان أن عودة “أهل السنّة والجماعة” إلى معقله الرئيسي لها بُعد قبلي وسياسي، كما أن الانتماء الحركي له تأثير في تقلبات المشهد في هذه المنطقة، فالتنظيم الصوفي يرى أن حكومة الإقليم تضم عناصر وهابية وسلفية، والعداوة بين السلفية والصوفية في الصومال تقليدية وتعود إلى أسباب مذهبية بين التيارين الخصمين. وتوقع عثمان أن يتدهور الوضع الأمني في الإقليم، “والمواجهة العسكرية ستعطي فرصة لمقاتلي حركة الشباب لتنفيذ مخططاتها لعرقلة أمن الانتخابات المقررة في الإقليم”.

وشهد الصومال عام 2008 حرباً عسكرية طاحنة بين تنظيم “أهل السنّة والجماعة” (الذي يُعتبر الجناح المسلح للحركة الصوفية) وحركة “الشباب” المرتبطة بتنظيم “القاعدة”، التي تضم خليطاً من أتباع السلفية الصومالية، وهي الحرب التي افتعلتها “الشباب”، بعدما نبشت مقابر وأضرحة تعود لعلماء صوفيين في مقديشو، ما دفع التيار الصوفي إلى حمل السلاح، ومواجهة من يعتبرونهم “خوارج”. وامتد الصراع إلى وسط البلاد، بعدما هاجمت “الشباب” مدينتي طوسمريب وجرعيل، الواقعتين تحت قبضة تنظيم “أهل السنّة”. ولا يزال الصراع المذهبي بين التيارين مفتوحاً، ويخشى “أهل السنّة” من عودة “الشباب” إلى الإقليم وتهديد معاقله الرئيسية وسط البلاد.

وبحسب خبراء أمنيين، فإن تفجر الوضع الأمني وسط البلاد واندلاع أزمة عسكرية بين “أهل السنّة” والحكومة المحلية، سيؤدي إلى أزمات سياسية وأمنية واقتصادية، وهو ما يجعل الإقليم في دائرة التوترات لسنوات طويلة. فمسلحو تنظيم “أهل السنّة” يحملون أيديولوجية قتالية بقدر حملهم للسلاح، وهو ما يعني إمكانية استمرار القتال بين الطرفين وتمدده إلى مناطق أخرى في الإقليم، حتى في حال خسر “أهل السنّة” السيطرة على مناطق نفوذه السابقة، إذ يمكن أن يعاود نشاطه العسكري بعد سنوات، نتيجة البيئة الجغرافية الحاضنة للفكر الصوفي منذ عقود.

انقسامات عريضة في ولاءات الجيش في الإقليم بين العشائر وتيار “أهل السنّة”

ويرى محللون سياسيون أن خيار الحرب مع تنظيم “أهل السنّة”، يمكن أن يفرض في الوضع الصومالي سيناريو إقليم تيغراي في إثيوبيا (الحرب التي تشنها الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا على جبهة تحرير تيغراي) واستنساخ تجربة أمنية مريرة في ظل انقسامات عريضة في ولاءات الجيش بين العشائر الصومالية من جهة وتيار “أهل السنّة” من جهة أخرى. ويشكل مسلحون سابقون من التنظيم جزءاً من القوات النظامية في قوات حكومة إقليم جلمدغ، وهو ما يجعل خيار الحرب ضد التنظيم، ذات تداعيات إنسانية وأمنية وخيمة على مستقبل استقرار الإقليم. كما أن تدهور الوضع الأمني سيؤثر سلباً على سير عملية تنظيم الانتخابات، وربما سيؤجل مسار الاستحقاق الرئاسي في البلاد إلى عام 2022.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here