هل تسعى قطر وتركيا لإشعال الحرب الأهليّة في الصومال؟

7

الصومال – افريقيا برس. كأيّ ديكتاتور عرفته القارة السمراء، يصرّ الرئيس الصوماليّ محمد عبدالله فرماجو، على البقاء في السلطة، سواء بتزييف العملية الديمقراطية، أو باستخدام العنف، مدعوماً في ذلك بالمال القطريّ، والوجود العسكريّ التركيّ، الذي تعزّز بخطّة استقدام مرتزقة سوريين من ليبيا.

فرماجو، الذي صعد إلى السلطة بالديمقراطية، عام 2017، يلوح في نهاية 2020، التي تسبق نهاية ولايته بشهرين، باستخدام القوة لقمع المعارضة، وإجبارها على خوض انتخابات قام بهندستها لصالحه.

ووظّف فرماجو العنف مرات عدّة في صراعاته السياسية، منها؛ اقتحام مقرّ حزب “ودجر” في العاصمة، والاستيلاء على أراضي في محافظة غدو بولاية جوبالاند، وإطلاق النار على المتظاهرين السلميين في مقديشو، في الشهر الأخير من العام الماضي.

 

وهناك مخاوف جدية من انزلاق البلد الهشّ في الفوضى مجدداً، بنفاد صبر المعارضين من سياسات فرماجو الاستبدادية، خاصّة أنّ وراء المرشّحين المنافسين قوى عشائرية، لها باع طويل في القتال.

ويزيد من خطورة الوضع؛ تنامي قوة حركة الشباب المجاهدين الإرهابية، بسبب فشل سياسات الرئيس الأمنية، وانسحاب القوة العسكريّة الأمريكيّة، والمخاوف من توظيف قوة “دنب”، الأكفأ في مكافحة الإرهاب، في الصراع السياسي.

مؤامرات فرماجو وقطر

شهد الصومال عاماً عسيراً من الصراعات السياسية، بين الحكومة المركزية في جانب، وعدد من الولايات والأحزاب السياسية ومرشحي الرئاسة في جانب آخر، بسبب المحاولات المستمرة من الرئيس، محمد عبد الله فرماجو، ومن ورائه قطر وتركيا، التلاعب بالعمليّة السياسيّة، بهدف ضمان فوز فرماجو بولاية ثانية.

بالمال القطريّ تمكّن فرماجو من السيطرة على ولاية جنوب الغرب عام 2018، ثم ولاية غلمدغ، مطلع عام 2020، وهيرشبيلي، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي

وتصل هذه المحاولات إلى حدّ التآمر؛ حيث شهد العام الماضي مؤامرة تلو الأخرى، كلّما أخفقت واحدة طرح فرماجو وقطر أخرى، بداية من استيلاء الحكومة المركزيّة، برئاسة فرماجو، على ولاية غلمدع، عبر تطويع انتخاباتها، وشراء ساستها بالمال القطريّ، وتعيين رئيس لها موالي لمقديشو.

ويقول المحلّل السياسيّ الصوماليّ، محمد يوسف محمود، عمّا حدث في ولاية غلمدع: “انتخاب ولاية غلمدع هي أهم انتخابات جرت في الصومال، عام 2020، وكانت تحت حكم حركة أهل السنّة والجماعة، منذ 10 أعوام، فخطط فرماجو وقطر للسيطرة عليها، لضمان تأييدها للرئيس، وتسهيل استيلاء قطر على ميناء هوبيو، ولذلك أمضى رئيس الوزراء، حسن خيري، 6 أشهر يتفاوض مع الحركة للتخلي عن الولاية”.

ويردف محمود، لـ “حفريات”: “عبر المال القطريّ والوعود تخلّت الحركة عن الولاية، وفاز الموالون للحكومة بالبرلمان، وعُيّن ابن عمّ خيري رئيساً للولاية، وكان وزير الخارجية القطريّ، بصحبة وفد كبير، زار الولاية في 2019، ووقّعوا مشروعات استثمارية بقيمة 250 مليون دولار، لم يُنفّذ منها شيء سوى إنشاء طريق، ولضمان السيطرة التامّة لفرماجو وقطر؛ تمّ تفكيك الجناح المسلّح للحركة، ومطاردة رؤسائها، غدراً بالاتفاق الموقَّع بين الطرفين”.

ما حدث في غلمدغ صار النهج الذي سار عليه فرماجو وقطر في السيطرة على الولايات الصومالية، دون مراعاة لمخاطر ذلك على الاستقرار الأمني في البلاد.

أزمة نظام الانتخاب

وفي شباط (فبراير) الماضي، أقرّ الرئيس فرماجو قانون الاقتراع المباشر، وتبعه إعلان تأجيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وهو ما قوبل بالرفض من المعارضة والولايات، والمجتمع الدولي.

ورغم أنّ نظام الاقتراع المباشر يمنح أفراد الشعب حقوقاً أوسع بدلاً من قادة العشائر، إلا أنّ السياق الذي صدر فيه القرار بعيداً عن حقوق الشعب، ويوظّفه الرئيس للنيل من خصومه.

وعقدت الرئاسة والمعارضة سلسلة لقاءات تشاورية في مدينة دوسمريب، خلصت إلى توقيع اتفاق سياسيّ، أقرّ نظام الانتخاب العشائري “4.5”، والجداول الزمنية للانتخابات، وغيرها من القضايا ذات الصلة، وصادق البرلمان بغرفتيه، النوّاب والشيوخ، على الاتفاق، في 26 أيلول (سبتمبر) الماضي.

ووسط هذه الأزمة؛ أطاح الرئيس، فرماجو، برئيس وزرائه، حسن علي خيري، بعد صعود نجمه كرئيس محتمل توافقيّ، يدعم مطالب الولايات في أزمة النظام الانتخابي.

وخشي فرماجو من خيري، الذي يجيد لعبة المال السياسيّ بشكل يفوقه، وحول ذلك؛ يقول المحلّل السياسيّ الصوماليّ، محمد يوسف محمود: “خيري رجل مال واقتصاد، وله علاقات وطيدة بروسيا وشركات النفط الروسية، ولديه طموح بالترشّح لمنصب الرئاسة، مدعوماً بالمال الروسيّ، لذلك دعم بقوة مطالب الولايات بنظام الانتخاب العشائري، وعدم تأجيل الانتخابات، فأطاح به فرماجو، بعمليّة غير دستوريّة أغضبت المعارضة والمجتمع الدولي”.

ووضع الاتفاق السياسيّ حدّاً لأزمة عاصفة حول نظام الانتخاب، لكنّه قلّص حظوظ الرئيس فرماجو الانتخابية، ومثّل تهديداً لمصالح تركيا وقطر؛ لذلك انتقل فرماجو وحلفاؤه، بقيادة مدير المخابرات، ومراسل قناة “الجزيرة” السابق، فهد ياسين، إلى قبول الأمر الواقع، والتحايل على الانتخابات وفق النظام العشائري.

أزمة اللجان الانتخابية

وعقب الإخفاق في تغيير نظام الاقتراع، قرّر فرماجو وحلفاؤه هندسة الانتخابات، وفق نظام الاقتراع “4.5”، لضمان فوزه، وذلك عبر طريقين:

الأول؛ تعيين لجان الانتخابات الفيدرالية من الموالين للرئيس، والثاني؛ التحكّم في انتخابات الولايات الضعيفة، أسوة بما جرى في غلمدغ.

وبدعم المال القطريّ، تمكّن فرماجو من تعيين برلمان ورئيس ولاية هيرشبيلي، وتعيين اللجان الانتخابية للولاية المستقلة من جانب واحد، صوماليلاند، ليضمن بذلك السيطرة على نواب البرلمان في ولايات؛ غلمدغ، وهيرشبيلي، وجنوب الغرب.

وبالمال القطريّ، تمكّن فرماجو من السيطرة على ولاية جنوب الغرب، عام 2018، ثم ولاية غلمدغ في مطلع عام 2020، وهيرشبيلي، في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وبإضافة ولاية صوماليلاند، التي انفرد فرماجو بتشكيل لجنتها الانتخابية، في مخالفة للاتفاق السياسي، أصبح لديه أصوات أربع ولايات في البرلمان، بينما ظلت جوبالاند وبونتلاند بعيدتين عن يديه.

المحلّل السياسيّ الصوماليّ محمد يوسف محمود لـ”حفريات”: لضمان السيطرة التامّة لفرماجو وقطر؛ تمّ تفكيك الجناح المسلّح لحركة السنة والجماعة، ومطاردة رؤسائها

ومن المرجّح أن تخرج ولاية غلمدغ عن طوع فرماجو، بسبب النفوذ الكبير لخصمه، حسن على خيري، الذي يعود الفضل إليه في تنصيب الإدارة الحالية، إلى جانب أنّ رئيس الولاية، أحمد عبدي كاريه، من عشيرة خيري.

وتسبّب قرار فرماجو بتشكيل اللجان الانتخابية الفيدرالية، واللجنة الانتخابية للإقليم المستقلّ من طرف واحد، صوماليلاند، في الأزمة الأخيرة في البلاد، وتسبّبت في تأجيل الانتخابات، التي كان من المزمع عقدها في كانون الأول (ديسمبر) 2020، ومطلع العام 202، بطلب من ولاية غلمدغ.

بوادر الصراع المسلح

وعقدت شخصيات بارزة من المعارضة اجتماعاً، في 30 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، في مدينة غروي، عاصمة بونتلاند، لبحث تداعيات الأزمة السياسية، ووجود القوات العسكرية الحكومية في إقليم غدو، بولاية جوبالاند.

وشارك في اللقاء كلّ من؛ رئيس مجلس الشيوخ، عبدي حاشي عبد الله، ورئيس ولاية جوبالاند، أحمد مدوبي، ومسؤولون من اتحاد مرشحي الرئاسة الصومالية، ونوّاب منحدرون من أرض الصومال، ومن برلمان جوبالاند.

وحذّر المجتمعون من أنّ البلاد ستتوجه نحو الأسوأ إذا لم تتم معالجة الأزمة، خاصة قضية انتخابات نواب أرض الصومال، وإقليم غدو.

وشهد العام الماضي أحداثاً عديدة تنذر بتصعيد الأزمة، نحو الصراع المسلّح ضدّ الحكومة، بعد أن ضاقت السبل السياسية للحلّ، وفي آب (أغسطس) الماضي؛ عقدت عشائر المدولود مؤتمرها الثاني، بمشاركة رؤساء قبائل أخرى، ورؤساء سابقين.

وخلال كلمته أمام المؤتمر؛ هدّد الرئيس الأسبق، علي مهدي محمد، باللجوء إلى حمل السلاح لمواجهة أيّة محاولة غير شرعية للتشبث بالسلطة.

وشهدت العاصمة، مقديشو، إطلاق قوات الشرطة النار على المتظاهرين السلميين المعارضين لفرماجو، في الشهر الأخير من العام الماضي.

وتكرّرت ظاهرة الاشتباكات المسلحة بين قوات من الجيش وأخرى من الشرطة، بسبب الخلاف حول ملكية الأراضي، ما يعكس إخفاق إدارة فرماجو في إدارة المؤسسات العسكرية، وينذر باستقطاب القوى العسكرية للصراع السياسي.

وفي مقديشو، رصدت وسائل الإعلام انتشار مسلحين في شوارع المدينة، على خلفية الصراع السياسي، وفي السياق نفسه؛ اتهم شيوخ عشيرة إقليم هيران قوات الأمن الصومالية وبعثة الاتحاد الأفريقي “أميصوم” بإطلاق النار على المتظاهرين السلميين، واحتجازهم في بلدوين مركز الإقليم، يوم 29 من كانون الأول (ديسمبر) الماضي.

وفي سياق متصل؛ أعرب ضباط، حاليون وسابقون، من القوات الصومالية الخاصة، المعروفة بـ “دنب”، في تصريحات لصحيفة “واشنطن بوست” عن مخاوفهم من زجّ هذه القوات في الشؤون السياسية، بعد انسحاب القوات الأمريكية من الصومال، وكانت القوة تعمل بإدارة أمريكية مباشرة، وتعتبر القوة الأكثر فعالية في الحرب ضدّ الإرهاب.

وهناك بوادر على عودة حركة أهل السنّة والجماعة إلى الصراع في إقليم غلمدغ، ردّاً على غدر فرماجو وحكومته بالاتفاق السياسي بينهما مطلع العام المنقضي.

وشهدت الصومال حروباً أهلية متعددة، منذ الإطاحة بالجنرال عام 1991، وما يزال خطر الصراع الأهلي كامناً، خاصة في ظلّ الانقسام السياسي الكبير، وتوظيف الحكومة للقوة ضدّ المعارضة.

وتزيد من خطورة ذلك؛ الخلافات الأخيرة بين الحكومة وكينيا، التي لها نفوذ وعلاقات وطيدة بولايات وقوى صومالية، ومن المرجح أن تتوسع تركيا عسكرياً في دعم فرماجو، بعد رصد تجهيز 1000 مرتزق، لإرسالهم إلى الصومال.

 

 

 

 

 

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here