المنافسة الفرنسية حول أفريقيا وعقلية “الحرب الباردة”

7
المنافسة الفرنسية حول أفريقيا وعقلية
المنافسة الفرنسية حول أفريقيا وعقلية "الحرب الباردة"

منى عبد الفتاح

أفريقيا برس – أرض الصومال. لم تمر زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الثامنة عشرة منذ توليه الرئاسة عام 2017 إلى قارة أفريقيا التي بدأها آخر الأسبوع الماضي مرور الكرام، ففي هذه الجولة السريعة إلى القارة السمراء حيث زار الغابون والكونغو الديمقراطية وأنغولا والكونغو برازافيل، في وقت يتزايد فيه التنافس بين القوى الدولية خصوصاً الصين وروسيا على أفريقيا، يتصاعد أيضاً الاستياء من زيارات ماكرون المتجددة.

عندما حط ماكرون في ليبرفيل عاصمة الغابون واجهته المعارضة التي تخشى ترشح علي بونغو مرة أخرى بعد فوزه عام 2016 بولاية ثانية، مما أثار وقتها توترات أمنية واتهامات بالغش تبادلها مع منافسه زعيم المعارضة جان بينغ.

المعارضة اتهمت ماكرون بأنه يدعم الرئيس وريث عائلة بونغو التي ظلت تحكم من دون مشاركة لأكثر من 60 عاماً، كما لوح متظاهرون بعلم روسيا خارج السفارة الفرنسية في كينشاسا بجمهورية الكونغو الديمقراطية.

ماكرون، الذي أجرى في يوليو (تموز) الماضي جولة شملت الكاميرون وبنين وغينيا بيساو، يواجه منذ فترة تبعات فشل قوات بلاده في مكافحة الإرهاب في أفريقيا، واتهامات بدعم الحكومات الديكتاتورية.

كما يواجه تقدم موسكو الطامحة إلى بناء نفوذ أمني في القارة السمراء من خلال مجموعة قوات “فاغنر” التي ظهر نشاطها خصوصاً في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى، وكذلك يواجه تقدم الصين في مجالات الاستثمار والتنمية والبنى التحتية.

ويأتي اعتراف ماكرون بالتنافس حول أفريقيا منطلقاً مما يعده “أحقية” تاريخية في القارة السمراء، باعتبارها منطقة نفوذ تقليدية لبلاده، وأن فرنسا ليست كغيرها، إذ إن تنافسها ينطلق من مراجعات ما بعد الاستعمار.

وتنبع خشية فرنسا من تنامي التنافس الدولي حول أفريقيا من واقع عدم استطاعتها الوصول إلى مستوى العلاقات الاقتصادية بين أفريقيا والصين، أو العلاقات الأمنية بين القارة وروسيا، وانحصر نشاطها في التدخل العسكري الذي تم تصويره كشكل من أشكال الاستغلال للمستعمرات السابقة، على رغم عديد من المشاريع الاقتصادية.

وربما الخطوة الوشيكة هي العمل على استعادة وجودها اقتصادياً مستفيدة من حاجة أفريقيا إلى الغذاء، وعسكرياً مستفيدة أيضاً من الحاجة الأمنية المتزايدة، بسبب عدم الاستقرار السياسي وإعادة تموضع الجماعات الإرهابية.

أجواء ساخنة

لم تكن الأجواء السياسية الأفريقية الساخنة بأفضل من تلك التي تركها ماكرون وراءه في باريس، فقد اضطرته إلى إلقاء خطاب في قصر الإليزيه ممهداً للزيارة، أوضح فيه استراتيجية بلاده تجاه أفريقيا، وانصبت في اتجاهين، الأول دبلوماسي دعا إلى “التحلي بالتواضع والمسؤولية”، رافضاً وصف أفريقيا بأنها مجال للمنافسة، قائلاً “نحن بحاجة إلى الانتقال من منطق المساعدة إلى منطق الاستثمار في إطار بناء علاقة متوازنة مع أفريقيا”.


شارك ماكرون رئيس الغابون علي بونغو في قمة “غابة واحدة” (غيتي)

والاتجاه الثاني عسكري تعهد فيه بمواصلة تخفيض عدد القوات الفرنسية التي مرت بمراحل عدة، أولاها مع التدخل العسكري في مالي لمكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل عام 2013 ضمن عملية “سرفال”، ثم العمليات القتالية الفرنسية المتواصلة “برخان”، بنحو 5500 وخفضت إلى نحو ثلاثة آلاف جندي، وكانت تعمل إلى جانب بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما)، والآن تستعد القوات الفرنسية لإعادة نشر جنودها لتحقق حضوراً أكبر في القواعد العسكرية بدول خليج غينيا تزامناً مع بروز موجة جهادية جديدة هناك.

ولا يبدو أن تدخلات ماكرون السابقة قد أثرت في الدول الأفريقية المعنية بالتساوي، فقد امتنعت الغابون والكونغو وأنغولا في 23 فبراير (شباط) الماضي عن التصويت على مشروع قرار مطالبة الجمعية العامة للأمم المتحدة بانسحاب “فوري” للقوات الروسية من أوكرانيا، مستقوية ربما بموسكو التي لجأت إلى استعمال حق النقض (الفيتو) لمنع تمرير أي مشروع قرار في مجلس الأمن في شأن كييف. يعود هذا إلى التحديات التي تجابه الوجود الفرنسي في أفريقيا، وربما ليس وحده وإنما وجود الدول الأوروبية الأخرى التي تربطها مصالح مع أفريقيا، لكن طغت عليها القرارات الحاسمة في شأن هجرة الأفارقة، مما عرضها لانتقادات، لم تثنها عنها ولكنها أضعفت التنسيق في مجالات التعاون بين الطرفين.

تراجع الشعبية

أرجع متابعون حرص الرئيس الفرنسي على إلقاء الخطاب قبيل زيارته إلى أفريقيا بسبب تراجع شعبيته، وشبهوا الخطاب بآخر كان قد ألقاه على طلاب جامعة واغادوغو ببوركينا فاسو، في شأن السياسة الأفريقية وسعي فرنسا إلى تصحيح صورتها وتغيير سياستها في مرحلة ما بعد الاستعمار، ومعالجة أثرها في القارة السمراء.

وقالت صحيفة “ليبراسيون” في تقرير لها إنه “بعد أكثر من خمس سنوات على خطابه الذي ألقاه في جامعة واغادوغو ببوركينا فاسو، أراد ماكرون بدء مرحلة جديدة بالتحدث عن (الصفقة) الفرنسية الأفريقية الجديدة، مع طموح لإغلاق (دورة من التاريخ الفرنسي في أفريقيا)، وأن ماكرون لا ينوي التخلي عن وضع أفريقيا في قلب استراتيجيته الدبلوماسية، بل دعا فرنسا إلى الاهتمام بـ(المصير المشترك)”.

ربما يستغرق الأمر بعض الوقت قد يتجاوز السنوات الأربع المتبقية من ولاية ماكرون الرئاسية لتحديد الكيفية التي سيؤثر بموجبها انشغال الرئاسة الفرنسية بجهود “الاستثمار” الاقتصادي والأمني في أفريقيا، وانعكاس ذلك على المهاجرين الأفارقة هناك الذين يتجاوز عددهم 10 ملايين شخص، وفق إحصاءات فرنسية. وتأثير ذلك ذو بعدين، الأول مباشر قد يغير النظرة إلى هؤلاء المهاجرين الذين يواجهون حملات مناوئة يقودها اليمين المتطرف، والثاني غير مباشر بما يمكن أن تحققه فرنسا لبلدانهم الأصلية.

تلفت المناسبة التي شارك فيها ماكرون في الغابون وهي قمة “غابة واحدة” حول الحفاظ على الغابات المدارية إلى “الطموح الاقتصادي الجديد”، إضافة إلى التوقيع على اتفاقية تهدف إلى تطوير القطاع الزراعي في أنغولا بإطلاق شراكة إنتاج زراعي، وما ذكره عن الاعتراف بأن “الخطأ تمثل في الاعتماد في كثير من الأحيان على منطق الريع” في أفريقيا، ولذلك يخطط لتنفيذ مشاريع جديدة تغير النظرة الفرنسية لأفريقيا بمجالات التعليم والصحة والبحث العلمي والثقافة والدفاع.

بعد اعترافه بتراجع مكانة فرنسا في أفريقيا على الصعد الاقتصادية والاستراتيجية، ربما لن يكون من السهل مجاراة الشراكة الأفريقية – الصينية أو الأفريقية – الروسية، خصوصاً أن التراجع شمل نشاط نحو ثلاثة آلاف شركة ومجموعة استثمارية فرنسية، احتلت بفضلها باريس الموقع الثالث في الاستثمار بعد بريطانيا والولايات المتحدة.

عقلية الحرب الباردة

على خطى الولايات المتحدة ذهبت فرنسا في الاعتقاد القائل إن وجود روسيا والصين في أفريقيا هو لتشكيل “تحالف من الأنظمة الاستبدادية”. وها هو ذا ماكرون يكاد يقترب من وصف التحدي الماثل من القوتين العالميتين مثلما وصفه بايدن أخيراً بأنه “معركة بين منفعة الديمقراطيات في القرن الحادي والعشرين والأنظمة الاستبدادية”.

كانت وراء “عقلية الحرب الباردة” فكرة محاولة حل الانقسامات الداخلية في المجتمع الغربي عن طريق إثارة التحديات الخارجية، والآن بعد اقتراب ماكرون من نهاية ولايته الثانية، ومع فشله خلال الولايتين في خلق مناخ تعاون أفريقي ملائم، فضلاً عن عدم مقدرته على التركيز على حل قضايا بلاده الداخلية، فإنه اتخذ “عقلية الحرب الباردة” وسيلة أملاً في استعادة تموضع بلاده بأفريقيا.


اعتصام المتظاهرين احتجاجاً على زيارة ماكرون إلى الكونغو أمام السفارة الفرنسية في كينشاسا (رويترز)

بعد أن انتهت الحرب الباردة بتفكك الاتحاد السوفياتي وضعف الولايات المتحدة نتيجة للمنافسة والمواجهة للسعي وراء الهيمنة على العالم التي استمرت على مدى أربعة عقود، لكن ظلت عقلية الحرب الباردة حاضرة في التصور الأمني بالتهديد، ومحتفظة بخصائصها مثل العداء وعدم الثقة والشك المتبادل، وخضعت العلاقات الدولية لتغييرات جذرية ببروز نظام عالمي جديد شهد صعود دول العالم الثالث ومنها أفريقيا.

رددت الصين “عقلية الحرب الباردة” في أكثر من مناسبة وتجمع دولي عقدت أخيراً، منها اجتماعات اللجنة الأمنية الأميركية اليابانية، في 13 يناير (كانون الثاني)، إذ اتهم المتحدث باسم الخارجية الصينية وانغ ون بين الولايات المتحدة بتسييس القضايا الاقتصادية والتجارية على نحو يقوض النظام الاقتصادي الدولي، كما رددته الصين في خطاب خاص في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا 17 يناير في قول شي جينبينغ “نحن بحاجة إلى نبذ عقلية الحرب الباردة والسعي إلى التعايش السلمي وتحقيق نتائج مربحة للجانبين”.

ومن هذا المنطلق يأتي نهج فرنسا وفق “عقلية الحرب الباردة” تجاه روسيا والصين في أفريقيا، من واقع أن القوتين تريان أن الغرب عموماً في منافسته معهما على مناطق النفوذ في أفريقيا يتجه إلى خلق أعداء وهميين. وباتجاه “قوات فاغنر” إلى أن تحل محل القوات الفرنسية، فإن الأمن القومي للقارة يرتهن إلى التفوق العسكري لهذه القوات في أداء مهامها الأساسية، إضافة لمكافحة الإرهاب.

سياق الوجود الفرنسي

يأتي استعمال تعبير “عقلية الحرب الباردة” في وسائل الإعلام والخطاب الرسمي لوصف العلاقات بين الغرب من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى لشرح المواقف تجاه الآخر.

وأوضح ماكرون في خطابه كيف تدعم باريس الدول الأفريقية، وكيف تنتهك روسيا القانون الدولي من خلال وجود قوات “فاغنر”، وهنا يضع سيد الإليزيه التناقض بين ما تقدمه فرنسا وروسيا إلى أفريقيا، في إشارة واضحة إلى أن القوتين الدوليتين روسيا والصين لا تحترمان الأمن والسلم الإقليمي، مع توجيه اتهام مغلف بالتعبير عن الاستعمار الجديد.

وهنا يمكن أخذ بعض الإشارات في الاعتبار، أولاً كان سياق الخطاب ووقته ومكانه مثالياً بالنسبة إلى ماكرون من حيث الإشارة إلى الماضي الاستعماري وأن على فرنسا تغيير نظرتها إلى أفريقيا، وهكذا كان قادراً على بناء إطار لعرض القضية الأفريقية يقابله طلب تقاربه معها.

ثانياً في هذا الوقت لا يزال الوضع السياسي والاقتصادي والأمني في أفريقيا متصاعداً ويتطلب مساعدات دولية، لكن ماكرون قال “إن التغيير الإيجابي في أفريقيا يتم من خلال أبنائها”، ومع ذلك افترض أن التعاون الفرنسي سيتخذ شكلاً مغايراً وضعه في تدابير واجب اتخاذها لتحقيق ذلك.

ثالثاً كشف الخطاب عن أجندات ماكرون المليئة بالمشاريع، إذ يرى أنه لا بد من تأسيس خط مع الجمهور الفرنسي وهو في غالبيته من أصول أفريقية، ويمكن كذلك ملاحظة أن ماكرون استخدم عبارات عاطفية مرتبطة بنضال الأفارقة من أجل الحرية والديمقراطية والتنمية.

رابعاً يدين ماكرون بشكل مباشر الإجراءات الروسية من خلال قوات “فاغنر” في بعض الدول الأفريقية وفي الوقت ذاته يبني جسراً بشرح البنية العسكرية لقواته ودورها، وهذا يعني الاستعداد لبذل المعدات العسكرية، والاستجابة بسرعة في الأزمات ومزيد من التدريب.

ربما دفع سياق الوجود الروسي والصيني في أفريقيا، إضافة إلى طموحه الشخصي، ماكرون إلى تجسيد “عقلية الحرب الباردة” التي يستنكرها زعماء هاتين القوتين، فمن خلال محاولات تأكيد إثبات الدور الإيجابي لبلاده، عمد إلى إظهار روسيا والصين بمظهر سلبي كقوى مستبدة، وذلك في سبيل الحصول على دعم قضية الوجود الفرنسي في أفريقيا كهدف استراتيجي، وهذا الأسلوب يشبه تماماً ما تم استعماله خلال الحرب الباردة.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن أرض الصومال اليوم عبر موقع أفريقيا برس